من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)
الباب الرابع والثلاثون في العزوف عن الملاهي والتورع عن الشرب، والاتعاظ بنذر الشيب وذكر أحسن ما ورد فيه
أبو عثمان الجاحظ:
أقصِرْ فقدْ أقصرتُ نفسي عن الكاسِواعتضْتُ من حرِّ حِرصي سَلوةَ الياسِ
فللبطالةِ عندي مَشرعٌكدِرٌ والمذاذةِ مني جانبٌ جاسِ
بعض العرب:
فلولا النُّهى ثمّ التُّقى خشيةَ الردىلعاصيْتُ في حُبِّ الهوى كلَّ فاجرِ
قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترىلهُ صبوةً أخرى الليالي الغوابِرِ
قال بعضهم: كنت أمرُّ في بعض أزقة الكوفة ليلاً، فأنشدتُ:
بطِزناباذَ كرْمٌ ما مررتُ بهِإلاّ تعجبتُ ممنْ يشربُ الماءَ
فأجابني هاتف لا أراه:
وفي جهنّمَ مُهلٌ ما تجرَّعَهُخَلقٌ فأبقى له في الجوفِ أمعاءَ
قال مسلم بن الوليد: لُمت أبا نواس بن هانئ على تماديه في الشرب وانهماكه في الغيّ فأنشدني بديهةً:
فأوّلُ شُربِكَ طرحُ الإزارِوثانيهِ من بعدِ طرحِ الإزارِ
وما هنّأتْكَ الملاهي بمثلِإماتةِ مجدٍ وإحياءِ عارِ
وما جادَ دهرٌ بلذّاتِهِعلى من يضنُّ بخلعِ العِذارِ
فولّيت عنه وقلت: جواب حاضر من شيخ فاجر.
أبو نواس:
وإذا نزعْتَ عن الغوايةِ فليكنْللهِ ذاكَ النزعُ لا للناسِ
وله:
فبتْنا يرانا اللهُ شرَّ عصابةٍنُجرّرُ أذيالَ الفسوقِ ولا فخرُ
دريد بن الصمة:
صبا ما صبا علا الشيبُ رأسَهُفلمّا علاهُ قال للباطبِ: ابعدِ
أبو دُلَف:
صبرْتُ عنِ اللذاتِ حتى تولّتِوألزمتُ نفسي صبرَها فاستمرَّتِ
وما النفسُ إلاّ حيثُ يجعلُها الفتىفإنْ أُطمعَتْ تاقَتْ وإلاّ تسلّتِ
وهذا من قول أبو نواس:
والحبُّ ظهرَ أنتَ راكِبَهُفإذا صرفتَ عِنانهُ انصرفا
وأخذه أبو نواس من أبي ذؤيب:
والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبتَهاوإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تقنعُ
وفي بديع ما قالت العرب في النَّسيب:
ولي صاحبٌ ما كنتُ أهوى اقترابَهُفلما التقيْنا كانَ أكرمَ صاحبِ
عزيزٌ عليَّ أنْ نفارقَ بعدماتمنّيتُ دهراً أن يكونَ مُجانبي
وأخذه من بشار بن برد فأوضحه وكشف مغزاه فقال:
الشيبُ كُرهٌ وكُرهٌ أن يُفارقَنيأعجِبْ بشيءٍ على البغضاءِ مودودِ
يمضي الشبابُ وقد يأتي له خلَفٌوالشيبُ يذهبُ مفقوداً لمفقودِ
ومنه أخذ الحمّاني:
لعمرُكَ ما المشيبُ عليَّ ممافقدْتُ منَ الشبابِ أشدُّ فَوتاً
تملَّيْتُ الشبابَ فصارَ شَيباًوأبليتُ المشيبَ فصارَ موتا
محمود الوراق:
لِدوا للموتِ وابنوا للخرابِفكلُّهم يصيرُ إلى ذهابِ
ألا يا موتُ لم أرَ منكَ أقسىأبيتَ فما تحيفُ وما تُحابي
كأنّكَ قد هجمتَ على مَشيبيكما هجمَ المشيبُ على شبابي
أنشد دعبل، في كتاب الشعر، لأبي دُلف:
في كلِّ يومٍ أرى بيضاءَ قد طلعَتْكأنّها نبتَتْ في باطنِ البصرِ
لئنْ قصصتُكِ بالمقراضِ عن بصريفما قصصتُكِ عن وهمي ولا فِكَري
لهفي على الحالكاتِ السودِ قد طلعَتْبيضاً فدلّتْ بَواديها على الكِبَرِ
إذا تزيَّدَ منهنّ البياضُ معاًأدنى تزيّدُها نقصاً من العمرِ
آخر:
أعيانيَ الشيبُ فخلّيتُهُوكلَّ مِقراضي فأعفَيتُهُ
إذا أنا استقصَيْتُ قَصّي لهُوقلتُ في نفسي أخفيتُهُ
طالعَني من طُرّتي طالعٌكأنّني بالأمسِ ربَّيتُهُ
ابن المعتز:
كأنَّ المقاريضَ التي تعتورْنَهُمناقيرُ طيرٍ تنتقي سَبَلَ الزرعِ
وأنشد ثعلب في كتاب الأبيات:
ولما رأيتُ الشيبَ حلَّ بمفرقيتفتّيتُ وابتعتُ الشبابَ بدرهمِ
أبو دلف:
تأوَّبَني همٌّ لبيضاءَ نابتَهْلها بغضةٌ في مُضمرِ القلبِ ثابتَهْ
ومنْ عجبٍ أنّي إذا رُمتُ قَصَّهاقصصتُ سِواها فهي تضحكُ شامتَهْ
عدي بن زيد:
وابيضاضُ الشيبِ من نُذرِ الموْتِ فهلْ بعدَهُ لحيٍّ نذيرُ
ابن المعذل:
نهانيَ الشيبُ عن هِناتٍقد كان كأسي لها مُجيبا
أبو السمط:
بادرْ شبابَكَ أنْ يغتالَهُ الزمنُوقَضِّ ما أنتِ قاضٍ والصِّبا حسَنُ
أنشد:
وبيضٍ سعَيْنَ إلى البيضِ كييُكاتمْنَها خبري بالكَتْمْ
سأُوقعُ عني ثيابَ المَشيبِ بداجيةٍ منْ لباسِ الظُّلَمْ
إذا لم أُغِبْ لِمّتي في المُلِمِّ فلا تُعتَدَدْ هِمّتي في الهِمَمْ
ابن المعتز:
وظللْتُ أطلبُ وصلَها بتذللٍوالشيبُ يغمزُها بألا تفعلي
النميري:
أرى شيبَ الرجالِ من الغوانيبموقعِ شَيبِهنَّ من الرجالِ
وما أحسن ما قال ابن الرومي:
واهاً على خمسينَ عاماً مضتْكانتْ أمامي ثمَّ خلَفْتُها
لو أنَّ عُمري مائةٌ هدَّنيتذكُّري أنّي تنصَّفتُها
وأنشد علي بن الصباح قال: أنشدني أبو مُحلم:
أُميمَ أُميمَ قد أودى شبابيوخلّفَني البطالةَ والتصابي
وقد بادَ اللّذونَ وُلدتُ فيهموقدْ خرجَتْ لطيِّهمْ رِكابي
آخر:
وما ظلمتْكَ الغانياتُ بصدِّهاوإنْ كانَ في أحكامِها ما يُجَوّرُ
أعِرْ طرفَكَ المرآةَ وانظرْ فإن نبابعينيكَ عنكَ الشيبُ فالشيبُ أجورُ
إذا شَيَّنَتْ عينُ الفتى عيبَ نفسِهفعينُ سواهُ بالمساءةِ أجدرُ
مروان:
هزئَتْ عُميرةُ أنْ رأتْ ظهري انحنىومَفارقي عُلَّتْ بماءِ خِضابِ
لا تهزئي مني عُميرةُ إنّنيأنفقتُ فيكم شِرَّتي وشبابي
محمد بن عبد الملك:
وعائبٍ عابَني بشيبٍلم يعدُ لمّا ألَمَّ وقتَهْ
فقُلْ لمن عابَني بشيبييا عائبَ الشيبِ لا بلغتَهْ
آخر:
ما كنتُ أنظرُ في المراةِ مرّةًإلا انظويْتُ على حَزازةِ ثاكلِ
أسفاً على فَقْدِ الشبابِ وظِلِّهِأو روعةً من طالعٍ أو آفلِ
أنشد الربيع:
أصبحتُ لا يحملُ بعضي بعضاكأنّما كانَ شبابي قَرضا
آخر:
أتاني المشيبُ بمكروهِهِودبَّ على عارضي واشتعَلْ
وسوَّدَ وجهي فسوَّدتُهُفعلتُ بهِ مثلَ ما بي فعَلْ
أبو العتاهية:
عَريتُ من الشبابِ وكان غضّاًكما يعرى منَ الورقِ القضيبُ
ونُحتُ على الشبابِ بدمعِ عينيفما أغنى البكاءُ ولا النحيبُ
فيا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماًفأخبرُهُ بما صنعَ المشيبُ
ابن المعتز:
ضحكَتْ شَرُّ إذْ رأتْني وقدْ شِبتُ وقالتْ: قد فُضِّضَ الأبَنوسُ
قلتُ إنَّ الشبابَ فيَّ لباقٍفأجابَتْ: هذا شبابٌ لَبيسُ
أبو علي البصير:
ربّما رُبما شَممتُ ثيابيفحسبتُ النسيمَ منّي عبيرا
ربّما حرّكَ الشبابُ قواميفتوهّمتُ في العظامِ فتورا
العَكَوَّك:
جلالُ مشيبٍ نزَلْبعقبِ شبابٍ رحَلْ
جلالٌ ولكنّهُتَحاماهُ حُورُ المُقَلْ
شبابٌ كأنْ لمْ يكنْوشيبٌ كأنْ لم يزَلْ
طوى صاحبٌ صاحباًكذاكَ اختلافُ الدوَلْ
أبو هفّان:
تعجبتْ أنْ رأتْ شَيبي فقلتُ لهالا تعجبي فطلوعُ الصبحِ في السُّدَفِ
وزادَها عجباً أنْ رحتُ في سَمَلٍوما درتْ دَرُّ أن الدرَّ في الصدَفِ
محمد بن بشير:
قامتْ تُخاصِرُني بقُنّتِهاخَودٌ تأطَّرُ، غادةٌ بِكرُ
كلٌّ يرى أنَّ الشبابَ لهُفي كلِّ مَبلغِ لذةٍ عُذرُ
جميل بن معمر:
تقولُ بثينةُ لمّا رأتْقُنوءاً من الشعرِ الأحمرِ
جميلُ كبرتَ وأودى الشبابُفقلتُ: بُثينُ ألا فاقصِري
تناسيتِ أيامَنا باللِّوىوأيامَنا بذوي الأجفَرِ
وإذْ لُمّتي كجناحِ الغدافِتضمّخُ بالمسكِ والعنبرِ
وأنتِ كلؤلؤةِ المرزبانِبماءِ شبابِك لم تُعصَري
وقد كانَ مضمارُنا واحداًفكيفَ كبرتُ ولمْ تكبَري
ابن الرومي:
وعزّاكَ عن ليلِ الشبابِ معاشرٌفقالوا نهارُ الشيبِ أهدى وأرشَدُ
وكانَ نهارُ المرءِ أهدى لسَعيِهِولكنَّ ظِلَّ الليلِ أندى وأبردُ
آخر:
فأمّا المشيبُ فصبحٌ بداوأمّا الشبابُ فليلٌ أفَلْ
سقى اللهُ هذا وذا مُنعماًفنِعمَ المُوَلّي ونِعمَ البدَلْ
ابن الرومي وأحسن فيه:
من شابَ قد ماتَ وهو حيٌّيمشي على الأرضِ مشيَ هالِكْ
لو كان عمرُ الفتى حِساباًلكانَ في شيبِهِ فذلكْ
آخر:
ابيضَّ منّي الرأسُ بعدَ سَوادِودعا المشيبُ خليلتي لبِعادِ
واستُحصدَ القومُ الذي أنا فيهمُوكفى بذاكَ علامةً لحصادِ
آخر:
أصبحَ الشيبُ في المفارقِ شاعاواكتسى الرأسُ من مَشيبٍ قِناعا
ثمَّ ولّى الشبابُ إلاّ قليلاًثمّ يأبى القليلُ إلاّ امتناعا
تمت الكتب الأربعة وهي المحب والمحبوب، والمشموم والمشروب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيه محمد وآله وأصحابه أجمعين وسلّم. وذلك في سلخ ذي الحجة من سنة ست وأربعين وستمائة للهجرة المباركة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع