من «أحسن ما سمعت» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الباب الخامس في الأدبيات
من أحسن ما قيل في القلم قول أبي الفتح البستي:
إذا افتخر الأبطال يوماً بسيفهموعدوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتاب فخراً ورفعةًمدى الدهر أن الله أقسم بالقلم
وقول الآخر:
وأخرس ينطق بالمحكماتوجثمانه صامت أجوف
بمكة ينطق في خفيةٍوبالصين منطقه يعرف
ولم أسمع في حسن الخط أحسن من قول أبي إسحاق:
وكم من يدٍ بيضاء حازت جمالهالك لا تسود إلا من النقس
إذا رقشت بيض الصحائف خلتهاتطرز بالظلماء أردية الشمس
وقوله أيضاً في المهلبي الوزير:
وإذا استنطق الأنامل جاءتببيانٍ كالجوهر المنضود
في سطورٍ كأنها نشرت يمناه عصائباً من برود
فقر لم يزل فقيراً إليهاكل مبدي بلاغةً ومعيد
ببيانٍ شافٍ ولفظٍ مصيبٍواختصارٍ كافٍ ومعنىً سديد
وقوله أيضاً"
له يدُ برعت جوداً بنائلهاومنطقُ دره في الطرس ينتثر
فحاتم كامن في بطن راحتهاوفي أناملها سحبان مستتر
ومن ملح أبي الفتح البستي:
بنفسي من أهدى إلى كتابهفأهدى لي الدنيا مع الدين في درج
كتابٌ معانيه خلال سطورهلآلئ في درجٍ، كواكب في برج
وقوله أيضاً:
كتابك سيدي أجلى هموميوحل به اغتباطي وابتهاجي
كتابٌ في سرائره سرورٌمناجيه من الأحزان ناج
فكم معنىً بديعٍ درج لفظٍهناك تزاوجا أي ازدواج
كراحٍ في زجاجٍ بل كروحٍسرت في جسم معتدل المزاج
وقوله أيضاً:
لما أتاني كتابٌ منك مبتسمٌعن كل بر وفضلٍ غير محدود
حكت معانيه في أثناء أسطرهآثارك البيض في أحوالي السود
ومن أحاسن ما قيل في وصف الكلام الحسن قول إبراهيم الأصبهاني:
إذا ارتجل الكلام بدا خليجٌيقيه بمده بحر الكلام
كلامٌ بل مدامٌ بل نظامٌمن الياقوت بل حب الغمام
وقول أبي إسحاق للمهلبي الوزير:
لك في المحافل منطقٌ يشفي الجوىويسوغ في أذن الأديب سلافه
فكأن لفظك لؤلؤٌ متنخلٌوكأنما آذاننا أصدافه
وقول مؤلف الكتاب للأمير أبي الفضل الميكالي:
سبحان ربي تبارك الله ماأشبه بعض الكلام بالعسل
والدر والسحر والرقى وابنة الكرم وحلي اللسان والحلل
مثل كلام الأمير سيدنانظماً ونثراً يسير كالمثل
وقوله للمؤلف:
إني أرى ألفاظك الغراعطلت الياقوت والدرا
لك الكلام الحر يا من غدتأفعاله تستعبد الحرا
وأبدع ما قيل في ذم القلم قول ابن المعتز:
وأجوف مشقوقٍ كأن سنانهإذا استعجلته الكف منقار لاقط
وتاه به قومٌ فقلت رويدكمفما كاتبٌ بالكف إلا كشارط
وأحسن ما قيل في ذم الكتاب:
تعس الزمان فقد أتي بعجابومحا رسوم الظرف والآداب
وأتي بكتابٍ لو انطلقت يديفيهم رددتهم إلى الكتاب
وقول بعض كتاب بخارا:
وكاتبٍ كتبته تذكرني القرآن حتى أظل في عجب
فاللفظ قالوا قلوبنا غلفٌوالخط تبت يدا أبي لهب
ومن أحسن ما قيل في مدح الشعر قول أبي تمام:
إن القوافي والمساعي لم تزلمثل النظام إذا يكون فريدا
هي جوهرٌ نثرٌ فإن ألفتهبالشعر صار قلائداً وعقودا
ومن أحسن ما قيل في وصف الشاعر شعره قول بعضهم:
شغلتك عن حسن السماع مدائحٌحسنت فما تنفك تطرب سامعا
طلعت عليك أبا الفوارس أنجمٌمنهن يخجلن النجوم طوالعا
جاءتك مثل بدائع الوشي الذيما زال في صنعاء يتعب صانعا
أو كالربيع يريك أخضر ناضراًومورداً شرقاً وأصفر فاقعا
وأحسن ما قيل في شرف الشاعر:
إن أكن مهدياً لك الشعر إنالأناسٌ تهدى لنا الأشعار
غير إني أراكم أهل بيتٍما على المرء إن تسودوه عار
ومن أحسن ما قيل في ذم الشاعر:
أنت ببين اثنتين تبرز للناس وكلتاهما بوجه مذال
لست تنفك طالباً لوصالٍمن حبيبٍ أو طالباً لنوال
وقول أبي عثمان الخالدي:
شعر عبد السلام فيه رديءٌومحالٌ وساقطٌ وبديع
فهو مثل الزمان إذ فيه صيفٌوخريفٌ وشتوةٌ وربيع
وللقاضي أبي الحسن الجرجاني في الأستاذ الطبري:
لو نفضت أشعاره نفضةًلانتشرت تطلب أصحابها
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع