من «أحسن ما سمعت» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الباب السادس في الخمريات
من أحسن ما قيل في الاستظهار على الزمان ودفع الهموم بالراح قول المأمون:
أما ترى الدهر ما تفنى عجائبهوالدهر يخلط ميسوراً بمعسور
وليس للهم إلا كل صافيةٍكأنها دمعةٌ من عين مهجور
وقول ابن المعتز:
سلط على الأحزان بنت الدنانوارحل إلى السكر برطلٍ وثان
وهاتها بنت يهوديةٍسحارةٍ تحكم عقد اللسان
نعم قرى السمع على شربهانفخ المزامير وعزف القيان
ومن أحسن ما قيل قول ابن الرومي:
واله ما أدري لأية علةٍيدعونها في الراح باسم الراح
ألريحها أم روحها تحت الحشاأم لارتياح نديمها بالراح
ومن قلائد أبي نواسٍ قوله:
تمتع من شرابٍ ليس يبقىوصل بعرى الغبوق عرى الصبوح
ألم ترني أبحت الراح عرضيوعض مراشف الظبي المليح
فإني عالمٌ أن سوف تنأىمسافة بين جثماني وروحي
ومن أحسن ما قيل في رقتها وصفائها قول الصاحب:
رق الزجاج وراقت الخمروتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمرٌ ولا قدحٌوكأنما قدحٌ ولا خمر
ومن أحسن ما قال ابن المعتز:
وندمانٍ سقيت الراح صرفاًوافق الصبح مرتفع السجوف
صفت وصفت زجاجتها عليهاكمعنىً دق في ذهنٍ لطيف
ومن غرر أبي عثمان الخالدي قوله:
هتف الصبح بالدجى فاسقنيهاقهوةً تترك الحليم سفيها
ليس يدرى لرقةٍ وصفاءٍهي في كأسها أم الكأس فيها
ومن أحسن ما قيل في شعاعها على يد الساقي قول التنوخي:
وراحٍ من الشمس مخلوقةٌبدت لك في قدحٍ من نهار
كأن المدير لها باليمينإذا جال للسقي أو باليسار
تدرَّع ثوباً من الياسمينله فرد كمٍ من الجلنار
وقول السري الموصلي:
وبكرٍ شربناها على الورد بكرةًفكانت لنا ورداً إلى صحوة الغد
إذا قام مبيض اللباس يديرهاتوهمته يسعى بكمٍ مورد
ولأبي القاسم الحريري في رقتها:
قم غلامي وهات كاس رضاب الكرم من فيك مازجاً برضاب
من شاربٍ كأنه في القوارير شهابٌ ممثلٌ في سراب
ليس يدري إذا تناوله الشارب يجلى لأعين الشراب
أشرابٌ ممثلٌ في زجاجٍأم زجاجٌ ممثلٌ في شراب
ومن غرر ابن المعتز:
وخمارةٍ من بنات اليهودترى الزق في بيتها شائلا
وزنا لها ذهباً جامداًفكالت لنا ذهباً سائلا
وقوله أيضاً:
من لي على رغم العذول بقهوةٍبكرٍ ربيبة حانةٍ عذراء
موجٍ من الذهب المذاب يضمهكأسٌ كقشر الدرة البيضاء
وقوله أيضاً:
يا نديمي عاطياني فقد لاح صباحٌ وأذن الناقوس
من كميتٍ كأنه أرض تبرٍفي نواحيه لؤلؤٌ مغروس
ومما يستحسن للنظام قوله:
ما زلت آخذ روح الزق في لطفٍوأستبيح دماً من غير مجروح
حتى انتشيت ولي روحان في بدنيوالزق مطرحٌ جسمٌ بلا روح
وأحسن ما قيل في المطبوخ قول بعضهم:
وراح عذبتها النار حتىوقت شرابها نار العذاب
يذيب الهم قبل الشرب لونلها في مثل ياقوت مذاب
وفي ضده للسري الموصلي:
هات التي تورث شرابهاغداً بيوم الحشر أوزارا
ومن أحسن ما قيل في مزج الشراب قول أبي تمام:
عنبية ذهبية سبكت لهاذهب المعاني صاغة الشعراء
فكأنها وكأن بهجة كأسهانار ونور قيدا بوعاء
صعبت فراض المزج سيء خلقهافتعلمت من حسن خلق الماء
وقول الآخر وهو متنازع:
وحمراء قبل المزج صفراء بعدهأتت بين ثوبي نرجسٍ وشقائق
حكت وجنة المعشوق صرفاً فسلطواعليها مزاجاً فاكتست لون عاشق
ومن أحاسن ابن المعتز قوله:
وأمطر الكأس ماء من أبارقهعليها مزاجاً فاكتست لون عاشق
ومن أحاسن ابن المعتز قوله:
وأمطر الكأس ماءً من أبارقهفانبت الدر في أرضٍ من الذهب
وسبح القوم لما أن رأوا عجباًنوراً من الماء في نارٍ من العنب
ومن أحسن ما قيل قول الدمشقي:
عذبتها بالمزاج فابتسمتعن برد نابت على لهب
كأن أيدي المزاج قد سبكتفي كأسها فضةً على ذهب
ومن قوله أيضاً:
امزج بمائك نار كأسك واسقنيفلقد مزجت مدامعي بدمائي
واشرب على زهر الرياض مدامةًتنفي الهموم بعاجل السراء
فكأنها وكأن حامل كأسهاغذ قام يجلوها على الندماء
شمس الضحى رقصت فنقط وجههابدر الدجى بكواكب الجوزاء
وأظرف ما سمعت في كراهة المزاج قول الصابي:
حرم الماء فأبعده وإن كان مباحا
أقراحٌ أنا حتىأشرب الماء قراحا
ومن أحسن ما قيل في الساقي قول ابن المعتز:
قد حثني بالكأس أول فجرهساقٍ علامة دينه في خصره
وكأن حمرة لونها من خدهوكأن طيب نسيمها من نشره
حتى إذا صب المزاج تبسمتعن ثغرها فحسبته من ثغره
ومن أحسن ما قال أبو فراس الحمداني:
تبسم إذ تبسم عن أقاحٍوأسفر حين أسفر عن صباح
فمن لألاء غرته صباحيومن صهباء ريقته اصطباحي
ومن أحاسن عبد الله بن عبد الله بن طاهر في الساقي:
سقتني في ليلٍ شبيهٍ بشعرهاشبيهة خديها بغير رقيب
فما زلت في ليلين منه ومن دجىوشمسين من راحٍ ووجه حبيب
ومن أحاسن ابن المعتز قوله:
وساقٍ مطيعٌ لأحبابهعلى الرقباء شديد الجره
وفي عطفة الصدغ خالٌ لهكما مست الصولجان الكره
ومن أحاسن الخالدي:
فالكف عاجٌ والحباب لآلئٌٌوالراح تبرٌ والزجاج زبرجد
ومن أحسن ما قيل في وصف الشراب قول ابن الرومي:
ومدامةٍ كحشاشة النفسلطفت عن الإدراك بالحس
فكأنها وكأن شاربهاقمرٌ يقبل عارض الشمس
وقول ابن المعتز:
كأنما الكأس إلى ثغرهامتصلاً بالأنمل الخمس
ياقوتةٌ حمراء قد صيرتواسطةً للبدر والشمس
ومن أحسن ما قيل في نعت الراح على السماح قول بعضهم:
أيسر جودي أنني كلماأسرفت في السكر ولم أدر
ندمت في الصحو على كل ماأبقيت من مالي في السكر
ومن أحسن ما قيل في الاعتذار من هفوة السكر:
قل للأمير أدام الله رفعتهالعفو أفضل ما تنحوه من نحو
إن الشراب له شرطٌ سمعت بهأن لا يعاد حديث السكر في الصحو
وقول الآخر:
يا ابن عثمان بلغوك مقالاًلم أقله ولم يكن من كلامي
إن أكن لم أقله فالعذر فضلٌأو أكن قلته فذنب المدام
وفي ذم النبيذ:
تركت النبيذ وأصحابهوصرت قريناً لمن عابه
شرابٌ يضل سبيل الرشادويفتح للشر أبوابه
ومن أحسن ما قيل في استهداء الشراب قول السري:
أبا حسنٍ إن وجه الربيعجميلٌ يزان بحسن العقار
فإن الربيع نهار السرور والراح شمسٌ لذاك النهار
وإنك مشرقها إن أردتوإن لم ترد غربت في استتار
فأجر إلي بحار العقارفمن فيض كفك فيض البحار
ومن أحسن ما قيل عند زورة الحبيب:
نفسي فداؤك يا أبا غسانخذ قصتي واسمع طرائف شاني
عندي حبيبٌ كاملٌ وحبيبتيبدر الدجى من فوق غصن البان
فابعث بها بكراً كأن حبابهادمعٌ تحدر من جفون عوان
ولك الثنا والود من شرابهاوالإثم في عقبي وفي ميزاني
ومن أحاسن ما يليق في هذا الباب:
قم فاسقني بين خفق الناي والودولا تبع طيب موجودٍ بمفقود
نحن الشهود وخفق العود خاطبنانزوج ابن سحابٍ بنت عنقود
ومن أحسن ما قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
عيد بنا إن هذا يوم تعييدواشرب على الأخوين الناي والعود
ومن أحسن ما قيل في العود ووصف الزامر والمغني معاً:
يا صاح هلا زرتنا في مجلسٍحضر السرور به ونعم الحاضر
زمر المغني فيه من إحسانهوالكأس دائرةٌ وغنى الزامر
ومن أحسن ما قيل في العود قول سعيدٍ بن حميد:
وناطقٍ بلسانٍ لا ضمير لهكأنه فخذٌ نيطت على قدم
يبدي ضمير سواه في الحديث كمايبدي ضمير سواه منطق القلم
ولسيف الدولة في المغني:
ومغن عذب الكلام يجازيك بما تشتهيه في ميدانك
ألمعيٌ كأن قلبك في أضلاعه أو كلامه في لسانك
وقول بعضهم في هجاء المغني:
غناؤك فقرٌ يزيل الغنىوضربك يوجب ضرب العنق
فأنت الكلاب إذا ما عوتوأنت الحمار إذا ما نهق
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع