من «أحسن ما سمعت» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الباب الحادي عشر في الأمكنة والأبنية
من أحسن ما قيل في بغداد:
سافرت أبغي لبغداد وساكنهامثلاً فحاولت شيئاً دونه الياس
هيهات بغداد الدنيا بأجمعهاعندي وسكان بغداد هم الناس
وقول لآخر فيها أيضاً:
سقى الله بغداد من بلدةحوت كل ما لذ للأنفس
ولكنها منية الموسرينكما أنها حسرة المفلس
ومن أحسن ما سمعت في مدح مصر قول كشاجم:
أما ترى مصراً وقد جمعتبها صنوف الرياض في مجلس
السوسن الغض والبنفسج والورد وصفر البهار والنرجس
كأنها الجنة التي جمعتما تشتهيه العيون والأنفس
كأنما الأرض ألبست حللاًمن فاخر العبقري والسندس
ومن أحسن ما قيل في دمشق قول الصنوبري:
صفت دنيا بدمشق لقاطنيهافلست ترى بغير دمشق دنيا
تفيض جداول البلور فيهاخلال حدائق ينبتن وشيا
مكللةً فواكهن أبهى المناظر في نواظرها وأهيا
فمن تفاحة لم تعد خداًومن أترجة لم تعد ثديا
ومن أبدع ما قيل في همذان قول القائل:
همذان متلفة النفوس ببردهاوالزمهرير وحرها مأمون
غلب الشتاء مصيفها وربيعهافكأنما تموزها كانون
ومن الملح في مدينة هراة:
هراة أرض خصبها واسعونبتها التفاح والنرجس
ما أحد منها إلى غيرهايخرج إلا بعدما يفلس
ومن أملح ما قيل في بخارى:
أقمنا في بخارى كارهيناونخرج إن خرجنا طائعينا
فأخرجنا إله الناس منهافإن عدنا فإنا ظالمونا
ومما يستظرف لأبي الربيع قوله في الشاش:
الشاش في الصيف جنهومن أذى الحر جنه
لكنني يعترينيبها لدى البرد جنه
ومما قيل في الدور والأبنية:
ومن المروءة للفتىما عاش دار فاخره
فاقنع من الدنيا بهاواعمل لدار الآخره
وقول البحتري في الجعفري:
قد تم حصن الجعفري ولم يكنليتم إلا بالخليفة جعفر
في رأس مشرفة حصاها جوهروترابها مسك يشاب بعنبر
مخضرة والغيث ليس بساكبومضيئة والليل ليس بمقمر
ملأت جوانبها السماء وعانقتشرفاتها قطع السحاب الممطر
وقول بعض شعراء الصاحب:
دار على العز والتأييد مبناهاوللمكارم والعياء معناها
فاليمن أقبل مقروناً بيمناهاواليسر أقبل مقروناً بيسراها
لما بنى الناس في دنياك دورهمبنيت في دارك الغراء دنياها
ولو رضيت مكان الفرش أعيننالم تبق عين لنا إلا فرشناها
وقال مؤلف الكتاب في القصر العالي:
وقصر مللك ترى كل الجمال بهوطالع السعد يبدو من جوانبه
كأنما جنة الفردوس قد نزلتإلى خوارزم تعجيلاً لصاحبه
ومن أحسن ما قيل في انتقال الإمارة من يد إلى يد:
أقام بصحنها لؤم ابن سهلوفارق ربعها كرم الحسين
وكانت جنةً فغدت جحيماًفيا بعد اختلاف الحالتين
ومن أحسن ما قيل في الأوطان قول ابن الرومي:
وحبب أوطان الرجال إليهممآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمعهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
وكان الصاحب ينشد كثيراً:
أكرم أخاك بأرض مولدهوأمده من فعلك الحسن
فالعز مطلوب وملتمسوأعزه ما نيل في الوطن
ومن أحاسن ذلك قول بعضهم:
إذا نلت في أرض معاشاً وثروةًفلا تكثرن منها النزاع إلى الوطن
فما هي إلا بلدة مثل بلدةوخيرهما ما كان عوناً على الزمن
ومن أحسن ما قيل في منتزهات الضياع:
شجر مورق وظل ظليلوبقاع كأنها كافوره
ورياض تهتز من زهر الروض ومن كل طرفة باكوره
بين نخل وبين كرم ورمان وتفاحة إلى زعروره
تتغنى الطيور فيها بلحنمنه يبكي المهجور والمهجوره
أحسن ما سمعت في الماء الجاري قول بعضهم:
وماء على الرضراض يجري كأنهصفائح تبر قد سبكن جداولا
كأن بها من شدة الجري جنةوقد ألبستهن الرياح سلاسلا
وقول أبي فراس في الماء يشق الروض:
حيث التفت رأيت ماءً سائحاً ورأيت طلا
والماء يفصل بين زهر الروض في الشطين فصلا
كبساط وشي جردت=أيدي القيون عليه نصلا وجلس يوماً في البستان والماء يندرج في البرك فقال:
انظر إلى زهر الربيعوالماء في البرك البديع
وإذا الرياح جرت عليه في الذهاب أو الرجوع
نثرت على بيض الصفائح بيننا بعض الدروع
وقال أيضاً في ذلك:
كأنما الماء عليه الجسردرج بياض خط فيه سطر
كأننا لما تهيا العبرأسرة موسى يوم شق البحر
وأنشد بعضهم في حوض لبعض الرؤساء:
حوض يجود بجوهر متسلسلساد الجواهر كلها بنفاسته
لا زال عذباً ببقاء منهو مثله في جوده وسلاسته
وقال مؤلف الكتاب:
أيا طيب عيشي أرى بركةًتسوق إلى روضها ماءها
إذا أنت واجهتها في الدجىحسبت الكواكب حصباءها
ومن أحسن ما قيل في الحمام قول السري:
قد أسعد الطالب مطلوبوفاز بالعز المناجيب
فقم بنا ننعم في منزلنعيمه الذائب محبوب
بيت بنته حكماء الورىفهو إلى الحكمة منسوب
مجاور النار ولكنهيجاور الروح به الطيب
طاب فلو رد شباب امرئٍلارتد شباناً به الشيب
وقول مؤلف الكتاب:
وحمام له حر الجحيمولكن دأبه روح النسيم
رأيت به ثواباً في عذابوذقت به نعيماً في جحيم
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع