من «أحسن ما سمعت» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الباب السابع في الربيع وآثاره
من أحاسن ما قيل في الربيع قول ابن المارداني:
أما ترى الأرض قد أعطتك عذرتهامخضرةً واكتسى بالنور عاريها
فللسماء بكاءٌ في حدائقهاوللرياض ابتسامٌ في نواحيها
وقول الصنوبري:
تبارك الله ما أحلا الربيع فلايغرر مقايسه بالصيف مغرور
من شم طيب جنيات الربيع يقللا المسك مسكٌ ولا الكافور كافور
وقول بعضهم:
طاب هذا الهواء وازداد حتىليس يزداد طيب هذا الهواء
ذهبٌ حيث ما ذهبنا ووردٌحيث ردنا وفضةٌ في الفضاء
وقول أبي الفتح بن العميد:
أسعد بنيروزٍ أتاك مبشراًبسعادة وزيارةٍ ودوام
واشرب فقد حل الربيع نقابهعن منظرٍ متهللٍ بسام
وقول مؤلف الكتاب:
أظن الربيع الآن قد جاء تاجراًففي الشمس بزازاً وفي الريح عطارا
وما العيش إلا أن تواجه وجههوتقضي بين الوشي والمسك أوطارا
ومن بدائع أبي الفرج قوله في قوس قزحٍ:
سقياً ليومٍ ترى قوس السماء بهوالشمس مسفرةٌ والبرق خلاس
كأنها قوس رامٍ والبروق لهارشق السهام وعين الشمس برجاس
ومن أحسن ما قيل في الأيام الربيعية الموصوفة بالدجن والمطر وحسن الأثر قول ابن المعتز:
يوم كأن سماءهحجبت بأجنحة الفواخت
وكأن قطر يثارهدر على الأغصان نابت
وقول المهلبي الوزير:
يومٌ كأن سماءهشبه الحصان الأبرش
وكأن زهرةً أرضيهفرشت بأحسن مفرش
والشمس تظهر تارةًوتغيب كالمستوحش
شبهت حمرة عينهابخمار عين المنتشي
ومن أحسن ما قيل في الشرب على الدجن والمطر:
لا يكن للكأس في يدك يوم الدجن لبث
أو ما تعلم أن الدجن ساقٍ مستحث
وقول ابن المعتز:
اشرب فقد دارت الكؤوسوفارقت يومك النحوس
في كل يومٍ جديد روضٍعليه دمع الندى حبيس
ومأتم في السماء يبكيوالأرض من تحتها عروس
وقول الحمداني:
الخمر شمسٌ في غلالة لاذتجري ومطلعها من الخرداذي
فاشرب على رش الغمام فيومنافي مجلس البستان يوم رذاذ
وانظر إلى لمع البروق كأنهايوم الضراب صفائح الفولاذ
وأحسن ما قيل في اليوم المتلون قول علي بن الجهم:
أما ترى اليوم ما أحلا شمائلهصحو وغنيم وإبراقٌ وإرعاد
كأنه أنت يا من لا شبيه لهوصلٌ وهجر وتقريبٌ وإبعاد
وأحسن ما قيل في الرياض والزهر:
وروض عن صنيع الغيث راضٍكما رضي الصديق عن الصديق
إذا ما القطر أسعده صبوحاًأتم له الصنيعة بالغبوق
كأن الدر منتثراً عليهبقايا الدمع في خد المشوق
كأن غصونه شربت رحيقاًفماست ميس شراب الرحيق
كأن شقائق النعمان فيهمحضرة كؤوسٌ من عقيق
كأن النرجس الروضي فيهمداهن من لجين للخلوق
يذكرني بنفسجه بقاياصنيع اللطم بالخد الرقيق
ومن ملح ابن سكرة قوله:
أما ترى الروضة قد نورتوظاهر الروضة قد أعشبا
كأنما الروض سماءٌ لنانقطف منها كوكباً كوكبا
ولابن المعتز في النسيم:
يا رب ليل سحرٌ كلهمفتضح البدر عليل النسيم
تلتقط الأنفاس برد الندىفيه فتهديه لحر الهموم
وفي غناء الطير:
ذرى شجرٍ للطير فيها تشاجركأن صنوف الزهر فيها جواهر
كأن القماري والبلابل فوقهاقيانٌ وأوراق الغصون ستائر
شربنا على ذاك الترنم قهوةًكأن على حافاتها الدر دائر
ولابن المعتز في النرجس:
عيونٌ إذا عاينتها فكأنماوقوع الندى من فوق أجفانها در
محاجرها بيضٌ وأحداقها صفرٌوأجسادها خضر وأنفاسها عطر
ومن أحسن ما قيل في الورد قول علي بن الجهم:
زائر يهدي إلينانفسه في كل عام
حسن الوجه ذكي الرْرِيح إلف للمدام
كأنما صبغته وجنتا خجلٍقد حل عقد سراويل وأزرارا
فلو رآه حبيسٌ وسط صومعةٍلقال في مثل هذا فادخلوا النارا
وقال ابن الحجاج في غلامٍ حياه بوردةٍ:
جنى من البستان لي وردةًأحسن من إنجازه وعدي
فقال والخمرة في كفهكالورد أو أزكى من الورد
اشرب هنيئاً لك يا عاشقيريقي من كفي على خدي
وقد ظرف بعضهم في قوله:
أتى الورد في زي الخدود من المردوزاد فحيا بالعبير وبالند
شربنا عليه قهوةً طال عهدهافرقت كما رق الشجي من الوجد
كأنا من الورد النضير وفعلهبألواننا وردٌ أضيف إلى ورد
وقوله في باكورة وردٍ لم تفتح:
ووردة تحكي لهذا الوردطليعةً تسرعت من جند
قد ضمها في الغصن قرص البردضم فمٍ لقبلةٍ من بعد
ومن أحسن ما قيل في الورد:
ووردةٌ في بنان معطارحيث به في لطيف أسرار
كأنها وجنة الحبيب وقدنقطها عاشقٌ بدينار
وأحسن ما قيل في التمثيل بالورد قول ابن أبي عيينة:
أرى عهدها كالورد ليس بدائمولا خير فيمن لا يدوم له عهد
وعهدي بها كالآس حسناً وزينةًله منظرٌ يبقى إذا ذهب الورد
ومن أحسن ما قيل في تشبيه الملول به قول ابن الجهم:
ما أخطأ الورد منك شيئاًحسناً وطيباً ولا ملالا
أقام حتى إذا أنسنابقربه أسرع انتقالا
وما قيل في البنفسج:
بنفسج بذكي الروح مخصوصما في زمانك إن وافاك تنغيص
كأنه شعلة الكبريت بارزةٌأو خد أغيد بالتجميش مقروص
ولابن المعتز في النور المختلف:
وترى البهار معانقاً لبنفسجٍوكأن ذلك زائرٌ ومزور
وكأن نرجسه عيون كحلتبالزعفران جفونها الكافور
تحيي النفوس بطيبها فكأنهاطعم الرضاب يناله المهجور
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع