من «مختارات شعراء العرب» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
قصيدة لقيط بن يعمر
قال لقيط بن يعمر الإيادي ينذر قومه غزو كسرى إياهم، وكان لقيط كاتباً في ديوان كسرى؛ فلما رآه مجمعاً على غزو إياد كتب إليهم بهذا الشعر؛ فوق الكتاب بيد كسرى، فقطع لسان لقيط، وغزا إياداً:
يا دارَ عمرةَ منْ محتلِّهَا الجرعَاهاجَتْ لي الهمَّ والأحزانَ والوجعَا
الجرَع، والأجْرَع، والجرعاءُ: الرملة لا تنبت.
تامتْ فؤادي بذاتِ الجزعِ خرْعَبَةٌمرت تريدُ بذاتِ العذبةِ البيعَا
تامتْ تيمتْ؛ أي عبدتْ وذللتْ. ومنه تيم الله، كأنه عبد الله. الجزع: منعطف الوادي. والخرعبة: الشابة الحسنة القوام.
بمقلتي خاذلٍ أدماَء طاعَ لهانبتُ الرياضِ تزجى وسطهُ ذرعَا
الذرع: ولد البقرة الوحشية.
وواضح أشنبِ الأنيابِ ذي أشرٍكالأقحوانِ إذا ما نوره لمعا
الشنب: دقة في الأسنان. والأشر: حسن الأسنان وحدة أطرافها.
جرت لما بيننَا حبلَ الشموسِ فلايأساً مبيناً أرى منها ولا طمعَا
الشموس من الدوابّ: الذي لا يكادُ يستقر. شمس يشمس شموسا.
فما أزالُ على شحطٍ يؤرقنيطيفٌ تعمد رحلي حيثما وضعا
إني بعينيَ إذْ أمتْ حمولهمُبطنَ السلوطحِ لا ينظرنَ منْ تبعَا
طوراً أراهم وطوراً لا أبينهمإذا تواضعَ خدرٌ ساعةً لمعَا
بل أيها الراكب المزجي مطيتهُإلى الجزيرة مرتاداً ومنتجعا
الارتياد والنجعة: طلب الكلإ. وانتجعت فلاناً: طلبت خيره
أبلغْ إياداً وخلل في سراتهمأنى أرى الرأي إن لم أعصَ قد نصعَا
نصع: وضح.
يا لهفَ نفسي إنْ كانتْ أموركمُشتى وأحكمَ أمرُ الناسِ فاجتمعا
إني أراكم وأرضاً تعجبونَ بهامثلَ السفينةِ تغشَى الوعثَ والطبعَا
الوعث: أرض مسترخية رطبة. والطَّبع: الصدأ يكثر على السيف. والطبع: تدنس العرضِ وتلطخه. واستعاره. والطبع: الدنس.
ألا تخافونَ قوماً لا أبا لكمُأمسوْا إليكم كأمثالِ الدبَى سرعَا
أبناءُ قومٍ تآووكُم على حنقٍلا يشعرونَ أضرَّ اللهُ أمْ نفعا
ويروى: تأيوكم.
أحرارُ فارسَ أبناءُ الملوكِ لهممن الجموعِ جموعٌ تزدهي القلعا
القلع: السحاب العظيم. ازدهيت فلاناً: تهاونت به.
فهم سراعٌ إليكم، بينَ ملتقطٍشوكاً، وآخر يجني الصابَ والسلعَا
الصاب والسلع: شجرانِ مرانِ. كنَى بذلك عن السلاح.
لو أن جمعهم راموا بهدتهشمَّ الشماريخِ منْ ثهلانَ لانْصدعَا
الشماريخ والشناخيب: رءوس الجبال.
في كل يومٍ يسنونَ الحرابَ لكمْلا يهجعونَ إذا ما غافلٌ هجعا
خزرٌ عيونهم كأنَّ لحظهمُحريقُ غابٍ ترى منه السنَا قطعَا
السنا: الضوء. تخازر: قبض جفنه ليحددَ النظر.
لا الحرثُ يشغلهم بل لا يرونَ لهمْمنْ دون بيضتكم رياً ولا شبعا
البيضة هاهنا كناية عن عقر الدار محلة القوم.
وأنتم تحرثونَ الأرضَ عنْ سفهٍفي كل معتملٍ تبغونَ مُزدرعَا
وتلقحون حيالَ الشولِ آوِنةًوتنتجونَ بدارِ القلعةِ الربعَا
حالت الناقة تحولُ حيالاً: إذا لم تحمل؛ فهي حائل. والجمع حيال. فأما قولهم: لا أفعل ذلك ما أرزمتْ أمُّ حائل. فإن الناقة إذا ولدت ووقع على الولد اسم التذكير والتأنيث؛ فإن الذكر سقب والأنثى حائل.
هذا منزل قلعةٍ: إذا لم يكن مستوطناً؛ والقوم على قلعةٍ: أي رحلة.
وتلبسون ثيابَ الأمنِ ضاحيةًلا تفزعونَ وهذا الليثُ قد جمعا
وقد أظلكمْ منْ شطرِ ثغرِكمهولٌ له ظلمٌ تغشاكمُ قطعَا
مالي أراكمْ نياماً في بلهنيةٍوقد ترونَ شهابَ الحربِ قد سطعا
البلهنية: العيش اللين.
فاشفوا غليلي برأيٍ منكمُ حصدٍيصبحْ فؤادي له ريانَ قد نقعا
حصدٍ: محكم؛ من قولهم: درع حصداء: محكمة.
والنقع: ذهاب العطش.
ولا تكونوا كمنْ قد بات مُكتنعاًإذا يقالُ له افرجْ غمةً كنعَا
مكتنع مجتمع. اكتنع القوم: اجتمعوا. وكنعت العقابُ جناحها للانقضاض. والكنع: تشنج الأصابع وتقبضها.
يسعى ويحسبُ أنَّ المالَ مخلدهُإذا استفاد طريفاً زادهُ طمعا
فاقنوا جيادَكمُ واحملوا ذِماركمُواستشعروا الصبرَ لا تستشعرُوا الجزعَا
الذمار: ما لزمك حفظه.
ولا يدعْ بعضكم بعضاً لنائبةٍكما تركتم بأعلى بيشةَ النخعَا
صونوا جيادَكمُ واجلوا سيوفكمُوجددوا للقسيِّ النبلَ والشرعَا
الشرع: الأوتار، الواحدة شرعة.
أذكوا العيونَ وراَء السرح واحترسواحتى ترى الخيلُ من تعدائها رجعا
رجعا: ترجع أيديها في السير.
واشروا تلادكمُ في حرز أنفسكموحرزِ أهليكم لا تهلكوا هلعَا
فإنْ غلبتُم على ضنٍّ بدراكمُفقد لقيتم بأمرِ الحازم الفزعَا
لا تلهكُم إبلٌ ليستْ لكمْ إبلٌإنَّ العدوَّ بعظمٍ منكمُ قرعا
لا تثمروا المالَ للأعداءِ إنهمُإنْ يظهروا يحتووكم والتلادَ معا
هيهاتَ لا مالَ من زرع ولا إبلٍيرجى لغابركم إنْ أنفكم جدعا
واللهِ ما انفكتِ الأموالُ مذْ أبدٍلأهلها إنْ أصيبوا مرةً تبعَا
يا قوم، إنَّ لكمْ من إرثِ أولكممجداً قد أشفقتُ أنْ يفنى وينقطعا
ماذا يردُّ عليكم عزّ أولكمإنْ ضاعَ آخرهُ أوْ ذلّ واتضعَا
يا قومِ، لا تأمنوا، إنْ كنتمُ غيراًعلى نسائكمُ كسرى وما جمعَا
يا قومِ بيضتكمْ لا تفجعنَّ بهاإني أخافُ عليها الأزْلمَ الجذعَا
الجذَع من الإبل: الذي أتى له خمس. ومن الشاءِ: ما تممت له سنة. ويقال للمهر في السنة الثانية جذع. ويقال للدهر: الأزلم الجذع؛ لأنه جديدٌ أبداً. وقوله: ألقى على يديه الأزلم الجذع. يقال: أراد الدهرَ، ويقال: أراد الأسد.
هو الجلاءُ الذي يجتثُّ أصلكمُفمنْ رأى مثلَ ذا رأياً ومنْ سمعَا
قوموا قياماً على أمشاطِ أرجلكمثم افزعوا قد ينالُ الأمنَ منْ فزِعا
المشط: سلاميات ظهر القدم؛ وهي عظام الأصابع، واحدتها سلامى.
وقلدوا أمركم، للهِ دركمْرحبَ الذراعِ بأمرِ الحرب مضطلعا
الضلاعة: القوة. وفلان يضطلع بهذا الأمر: أي تقوى ضلاعهُ على حمله.
الدر: اللبن. ولله دره: أي لله عمله. ويقولون في الذم: لا درّ درّه: أي لا كثر خيره.
لا مترفاً إنْ رخاءُ العيشِ ساعدهُولا إذا عضَّ مكروهٌ به خشعا
الترفه: النعمة.
لا يطعم النومَ إلا ريثَ يبعثههم يكادُ سناهُ يقصمُ الضلعَا
القصم: أن ينصدع الشيءُ من غير أن يبين. وكل منثنٍ مقصوم. والريث: الإبطاءُ. ورجلٌ ريث: بطيء.
مسهدَ النومِ تعنيهِ أموركمُيرومُ منها إلى الأعداءِ مطلعَا
ما انفكَّ يحلبُ هذا الدهرَ أشطرَهيكونُ متبعاً طوراً ومتبعا
قولهم: حلب فلانٌ الدهر أشطره: معناه مرت عليه ضروب من خيره وشره. وأصل ذلك من أخلاف الناقة: لها خلفان قادمان، وخلفان آخران؛ فكل خلفين شطر.
حتى استمرتْ على شزرٍ مريرتهمستحكمَ الرأي لا قحماً ولا ضرعا
القحم: الشيخ الهم. والضرع: الرجل الضعيف. والحبل المشزور: المفتول مما يلي اليسار. وأمرتُ الحبلَ: شددتُ فتله. والمرة: شدة الفتل. والمرير: الحبل الشديد فتلاً.
وليس يشغله مالٌ يثمرهعنكم ولا ولدٌ يبغي له الرفعا
كما لكِ بن قنانٍ أو كصاحبهِعمرو القنا يومَ لاقَى الحارثينِ معَا
إذْ عابهُ عائبٌ يوماً فقال له:دمثْ لجنبكَ قبلَ الليل مضطجعَا
الدمث: اللين. والمكان اللين: دمث. ويكون ذا رمل. والدماثة: سهولة الخلق.
فشاوروه فألفوهُ أخا عللٍفي الحربِ لا عاجزاً نكساً ولا ورعَا
ورع: جبان.
لقد بذلتُ لكم نصحي بلا دخلٍفاستيقظوا؛ إن خيرَ العلمِ ما نفعَا
الدخل كالدغَل. والدخَل: العيب في الحسب. وبنو فلان في بني فلان دخل: إذا انتسبوا معهم، وليسوا منهم.
هذا كتابي إليكم والنذيرُ لكمْلمنْ رأى رأيه منكمْ ومن سمعَا
النص من طبعة مطبعة الاعتماد بمصر (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع