من «مختارات شعراء العرب» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
قصيدة كعب بن سعد الغنوي
وقال كعب بن سعد الغنوي، يرثي أخاه:
تقولُ سليمَى ما لجسمكَ شاحباكأنكَ يحميكَ الطعامَ طبيبُ
فقلتُ ولم أعْيَ الجوابَ ولم ألحْوللدهرِ في صمِّ السلامِ نصيبُ
يقال: ألاحَ من الشيء: إذا أشفق منه. قال عبد الله ابن عتبة بن مسعود:
لعمرِي لئن شطتْ بعثمةَ دارهالقد كنتُ من وشكِ الفراقِ أليحُ
أروحُ بهم ثم أغدو بمثلهِويحسبُ أني في الثياب صحيحُ
والسلامُ: الحجارة، واحدها سلمة.
تتابعُ أحداثٌ تخر منَ إخوتيوشيبنَ رأسي والخطوبُ تشيبُ
يقال: تخر منه المنون: إذا ذهبتْ به.
لعمري لئن كانتْ أصابتْ منيةٌأخِي، والمنايا للرجالِ شعوبُ
شعوب: اسم من أسماءِ المنية. يقال شعبتهم شعوب: فرقتهم. وشعوب في الأصل: نعتٌ، ثم سمي به. وهو في البيت نكرة.
لقد عجمت مني المنيةُ ماجداًعروفاً لريبِ الدهرِ حينَ يريبُ
عجمتْ: عضتْ. عجمتُ العودَ أعجمه. ويقال: رابني يريبني ريباً، وهو الأكثر. وبعضهم يقول: أرابني إرابةً، وينشد قول الهذلي:
كأنما أربتهُ بريبِ
فتى الحربِ إنْ حاربتَ كانَ سمامَهاوفي السلمِ مفضالُ اليدينِ وهوبُ
السمام: جمع سم، وإن كان قولهم سموم أكثر على ألسنة الناس. وهذا مما اتفق فيه فعول وفعال.
جموعٌ خلالَ الخيرِ من كلِّ جانبإذا جاَء جياءٌ بهنَّ ذهوبُ
فعول وفعال يأتيان للمبالغة، كقولك: ضروبٌ وضراب. وحدث محمد بن زيد عن أبي محلم قال: أنشدتُ يونس أبياتاً من رجزٍ فكتبهنَّ على ذراعه ثم قال لي: إنك لجياءٌ بالخير.
فتًى لا يبالي أن يكونَ بجسمهِإذا نال خلاتِ الكرامِ شحوبُ
فلو كان ميتٌ يفتدى لفديتهبما لم تكنْ عنه النفوسُ تطيبُ
فإنْ تكنِ الأيامُ أحسنَّ مرةًإليَّ فقد عادتْ لهنَّ ذنوبُ
أخٌ كان يكفيني وكان يعيننيعلى نائباتِ الدهرِ حين تنوبُ
عظيمُ رمادِ القدرِ رحبٌ فناؤهُإلى سندٍ لم تحتجبهُ غيوبُ
سند الجبل: ما ارتفع عن الوادي وسفل عن الجبل.
والمعنى أنه يكون حيث يراه الناس إذا طلبَ لم تحتجبه غيوبٌ. والغيب: البطن المنخفض من الأرض.
وروى الأخفش: تحتجنه بالنون: أي تغيبه. والأول من الحجاب.
إذا ما ترا آهُ الرجالُ تحفظوافلن تنطق العوراءُ وهو قريب
أخي ما أخي! لا فاحشٌ عند بيتهِولا ورعٌ عند اللقاءِ هيوبُ
حليفُ الندى يدعو الندى فيجيبهُسريعاً ويدعوهُ الندى فيجيبُ
هو العسلُ الماذيُّ ليناً وشيمةًوليثٌ إذا يلْقَى العدوَّ غضوبُ
الماذي: أجودُ العسلِ وأصفاهُ.
هوتْ أمُّه ما يبعُ الصبحُ غادياًوماذا يردُّ الليلُ حين يئوبُ
كعاليةِ الرمحِ الردينِي لم يكنْإذا ابتدرَ الخيرَ الرجالُ يخيبُ
كعالية الرمح: يريدُ كالرمحِ طولاً، كما قال: الواطئين على صدور نعالهم.
أخُو شتواتِ يعلمُ الحيُّ انهسيكثرُ ما في قدرهِ ويطيبُ
ليبككَ عانٍ لم يجدْ من يعينهوطاوِي الحشا نائي المزارِ غريبُ
كأنَّ أبا المغوارِ لم يوفِ مرقباًإذا ربأَ القومَ الكرامَ رقيبُ
المرقب: المكان العالي. الربيئة: الطليعة، وهو الديدبان والرقيب.
ولم يدعُ فتياناً كراماً لميسرٍإذا اشتدَّ من ريحِ الشتاءِ هبوبُ
يبيتُ الندَى يا أمَّ عمرٍو ضجيعهإذا لم يكنْ في المنقياتِ حلوبُ
إذا شهدَ الأيسارُ أو غاب بعضهمكفى ذاكَ وضاحُ الجبينِ أريبُ
وداعٍ دعا يا منْ يجيبُ إلى الندىفلم يستجبهُ عندَ ذاكَ مجيبُ
فقلتُ ادعُ أخرى وارفعِ الصوتَ دعوةًلعلَّ أبا المغوارِ منكَ قريبُ
يجبكَ كما قدْ كان يفعلُ إنهُنجيبٌ، لأبوابِ العلاءِ طلوبُ
وإني لباكيهِ وإني لصادِقٌعليه، وبعضُ القائلينَ كذوبُ
فتى أريحيٌّ كانَ يهتزُّ للندىكما اهتزَّ ماضي الشفرتينِ قضيبُ
النص من طبعة مطبعة الاعتماد بمصر (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع