تجاوز إلى المحتوى

من «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)

الاستخدام

اعلم أن الاستخدام هو إن يكون للكلمة معنيان فتحتاج إليهما فتذكرها وحدها تخدم للمعنيين، كمما قال الله ﷾: " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " والصلاة ههنا تحمل إن تكون فعل الصلاة أو موضع الصلاة، فاستخدم الصلاة بلفظ واحد لأنه قال سبحانه: " إلا عابري سبيل "، فدل على أنه أراد موضع الصلاة، وقال تعالى: حتى تعلموا ما تقولون فدل على أنه فعل الصلاة.

وأنشدوا للبحتري:

فسقى لغضا والساكنيه وإن هموشبوهُ بين جوانحٍ وقلوب

فالغضى يحتمل أن يكون الموضع، ويحتمل أن يكون الشجر، فاستخدم المعنيين بقوله: والساكنيه، وبقوله: وإن هم شبوه.

ومن ذلك قول بعض العرب:

إذا نزلَ السماءُ بأرضِ قومٍرعيناهُ وإن كانوا غضابا

فالسماء تحتمل معنيين: المطر، والنبات، فاستخدم المعنيين بقوله: إذا نزل السماء يعني المطر ورعيناه، يعني النبات.

وكما قال أبو العلاء:

وفقيه أفكاره شدنَ للنعمانِما لم يشدهُ شعرَ زيادِ

النعمان يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون النعمام بن المنذر الملك، أو النعمان ابن ثابت الفقيه فاستخدم المعنيين بلفظ واحد فقال شدن للنعمان، يعني أبا حنيفة، وقال: شعر زياد، يعن النعمان بن المنذر وهو النابغة وكان كثير المدح للنعمان.

وكما قال أبو تمام:

وإذا مشتْ تركتْ بصدرك ضعفَ مابحليها من شدةِ الوسواسِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»

لأن الوسواس يحتمل معنيين، وهو بلابل الصدر وصوت الحلي، فاستخدم المعنيين بقوله: تركت بصدرك يعني البلابل، وبقوله: ضعف ما بحليها يعني صوت الحلي.

ومنه:

اسمُ من ملني ومن صدَّ عنيوجفاني من غير ذنبٍ وجرمِ
والذي ضنَّ بالوصالِ علينامثلما ضنَّ بالهوى قلبُ نعمِ

هذا الستخدام في الإعراب لأن قلب مرفوعه بخبر للابتداء وبفاعل ضن، وهو أيضاً استخدام في المعنى لأن معنى قلب من المقلوب ومعنى العكس لأن الاسم معن.

النص من طبعة وزارة الثقافة بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البديع في نقد الشعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.