من «أنس المسجون وراحة المحزون» لصفي الدين الحلبي (ت بعد ٦٢٥هـ)
الفصل السابع في مكارم الأخلاق والكرم ومحاسن الأخلاق والشّيم
قال عبد الملك بن مروان لأسماء بن خارجة الفزاري: بلغني عنك أخلاق شريفة، فصفها لي. فقال: يا أمير المؤمنين، هي من غيري أحسن. فقال: أقسمت عليك لتفعلنّ. فقال: يا أمير المؤمنين، ما قدّمت ركبتي أمام جليسي قطّ؛ كراهة أن يظنّ ذلك تطاولا منّي عليه، ولا دعوت أحدا إلى طعامي إلا لم أزل بفضله عارفا، ولا بذل رجل لي وجهه في حاجة فرأيت أنّ شيئا من الدّنيا صغيرا أو كبيرا عوضا عن بذل وجهه، ولا شتمني أحد أو سفه عليّ إلا حملته: إمّا أن يكون لئيما فلا أساويه، أو كريما زلّ فأنا أحقّ باحتماله، أو نظيرا فأفضل عليه بحلمي عنه. فضرب عبد الملك بيده على
فخذه، وقال: حقّ لك أن تكون سيّدا.
سألزم نفسي الصّفح عن كلّ مذنبوإن عظمت منه عليّ الجرائم
وما النّاس إلاّ واحد من ثلاثةشريف ومشروف ومثل مقاوم
فأمّا الذي فوقي فأعرف فضلهوألزم نفسي ظلمه وهو ظالم
وأمّا الذي مثلي فإن زلّ أو هفاتفضّلت إنّ الفضل بالعزّ حاكم
وأمّا الذي دوني فإن قال منكراأجانبه عرضي وإن لام لائم
أبو بكر العروضي:
إذا لم يكن للمرء فضل ولم يكنيدافع عن أقوامه لم يسوّد
وكيف يسود القوم من هو مثلهمبلا منّة منه عليهم ولا يد
وقيل: لما هرب يزيد بن المهلّب من الحجّاج حيث عزله عن خراسان، وغرّمه ستّة آلاف ألف درهم، وقيّده وطالبه بها، وعذّبه، فهرب ليلا وكان أعدّ دوابّا ضمّرا في مواضع من الطريق، فكان كلّما وقفت به فرس استقبلته أخرى حتّى قدم فلسطين، فنزل على سليمان بن عبد الملك، فكتب سليمان إلى أخيه الوليد يعرّفه قدومه عليه، واستجارته به، ويسأله أن يؤمّنه، وكتب: إن بعثت به إليك، قدمت معه عليك، فأنشدك الله أن تفضحني أو تحقرني. فكتب إليه الوليد: لو قدمت معه لم أؤمّنه، فابعثه في وثاق.
فقال يزيد لسليمان: ابعث بي إليه، والطف في الكتاب، فلست أحبّ أن أوقع بينك وبين أخيك حربا. فبعث به إليه مع ابنه في سلسلة، فلمّا دخلا على الوليد ونظر إلى ابن أخيه في الوثاق، فقال: والله، لقد أبلغنا من سليمان.
فقال الغلام: نفسي فداؤك، لا تخفرنّ ذمّة أبي، فإنّك أحقّ من منعها، ولا تقطع [منّا] رجاء من رجا السّلامة بجوارنا لمكاننا منك، ولا تذلّنّ من أمّل العزّ في انقطاعه إلينا بك. ثم دفع إليه كتاب أبيه، فلما وقف عليه، قال: لقد أشفقنا على سليمان. وتكلّم يزيد فأمّنه، وأجلسه.
لخليلي عليّ منّي ثلاثواجبات أبيحها إخواني
حفظه في المغيب إن غاب عنّيولقاه بالبشر إن لاقاني
ثم بذلي لما حوته يمينيمسعدا في الخطوب أنّى دعاني
هذه عادة الصّديق فإن خانفعندي عوائد الإحسان
وقيل: من مكارم الأخلاق: الصّون للعرض، والقيام بالفرض، والأخذ بالفضل، والوفاء بالعهد، والإنجاز بالوعد.
وقيل: في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق.
وقال الأصمعي: سمعت [سيّدا] من قيس يقول لقومه: إنّما أنا رجل منكم، ليس لي فضل عليكم، ولكن أبسط لكم وجهي، وأبذل لكم مالي، وأحفظ حريمكم، وأقضي حقوقكم، وأعود مرضاكم، وأتبع جنائزكم، فمن فعل هذا فهو مثلي، ومن زاد عليه فهو خير منّي، ومن قصّر عنه فأنا خير منه. قيل له: فما حملك على هذا؟ قال: أبعثكم على مكارم الأخلاق.
وقال بزرجمهر: خير النّاس أكرمهم عند الضّيق، وأعدلهم عند الغضب، وأبعدهم من الظّلم إذا قدروا، وأرحمهم إذا سلّطوا، وأبسطهم وجها عند المسألة، وأشكرهم على النّعمة، وأصبرهم على الشدّة.
وقيل لأنوشروان العادل: من أطول النّاس عمرا؟ قال: من كثر معروفه فشرف به عقبه، ومن كثرت معرفته فيتأدّب به غيره.
وقيل أيضا لأنوشروان: من أشكر النّاس؟ قال: من حمد على كلّ حال، ورضي به.
وقال عبد الملك لقومه: يا بني مروان، كفّوا أذاكم، وابذلوا نداكم، واعفوا إذا قدرتم، ولا تخلفوا إذا وعدتم.
وجاء قوم إلى سلم بن قتيبة، فقالوا: جئناك فيما لا يشقّ عليك. قال: هذه أبغض الحوائج إليّ.
وروي عن الواقدي قال: كان لي صديقان أحدهما هاشميّ [والآخر نبطيّ]، وكنّا كنفس واحدة، فنالتني ضائقة شديدة، وحضر العيد فقالت لي امرأتي: يا هذا، أمّا نحن فنصبر على البؤس والشدّة، وأمّا صبياننا فقد قطّعوا قلبي رحمة لهم، لأنّهم يرون صبيان جيرانهم قد تزيّنوا في عيدهم، وأصلحوا من شأنهم، وهم على هذه الحال، فلو احتلت في شيء
نصرفه في كسوتهم. قال: فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التّوسعة عليّ بما حضر. فوّجه إليّ كيسا مختوما، وذكر أنّ فيه ألف درهم. فما استقرّ قراره عندي حتى كتب إليّ الصّديق الآخر يشكو إليّ مثل ما شكوت إلى صاحبي. فوجّهت إليه بالكيس كهيئته، وخرجت إلى المسجد، فأقمت ليلتي مستحيا من امرأتي، فلما دخلت عليها استحسنت ما كان منّي، ولم تعنّفني عليه، فبينما أنا كذلك إذا وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس بحاله، وقال:
اصدقني عمّا [فعلته فيما] وجهت به إليك. فعرّفته الخبر على جهته، فقال: إنّك وجّهت إليّ وما أملك على وجه الأرض غير الذي بعثت به إليك، وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة، فوجّه إليّ بالكيس وهو بختمي. قال:
فتواسينا الألف درهم فيما بيننا أثلاثا بعد أن أخرجنا للمرأة مئة درهم. ونما خبرنا إلى المأمون، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، لكلّ منّا ألفا دينار، وللمرأة ألف دينار.
قال: وسأل معاوية خالد بن قيس عن الأحنف، فقال خالد:
إن شئت أخبرناك به ثلاثة، وإن شئت اثنتين، وإن شئت واحدة. قال: هات الثّلاثة. قال: كان لا يشره، ولا يحسد، ولا يمنع. قال: هات الاثنتين.
قال: كان موفقا للخير، معصوما عن الشّرّ. قال: فهات الواحدة. قال:
كان أقوى الناس سلطانا على نفسه.
وقال ثمامة بن أبي ثمامة: كنت في موكب يحيى بن خالد يوما إذ عرض له رجل فسبّه وذمّه، فتبادرت إليه الحجّاب ليوقعوا به. فقال لهم
يحيى: دعوه، وكفّوا عنه. ثم دعا به، وقال: أتعلم أنّي قادر على الإساءة عليك؟ قال: نعم. قال: قدرتي تمنعني عنك.
وقال بعض أهل الفضل: إنه يعرض الإنسان إليّ حاجة، فأبادر إلى قضائها مخافة أن يستغني عنها، فتذهب حلاوة الكرم.
وقال معاوية لعرابة بن أوس: بم سدت على قومك؟ قال:
بإعراضي عن جاهلهم، وإعطائي سائلهم، وإسراعي في حوائجهم.
وقال بعض العقلاء: ما ذللت إلا لأحد رجلين: رجل له عندي صنيعة، ورجل لي عنده صنيعة، فأمّا الذي له عندي صنيعة فيذلّني له الشّكر، وأمّا الذي لي عنده صنيعة فيذلّني الخوف من فسادها.
وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: إذا أقبلت الدّنيا عليك فأنفق، فإنّه لا يفنى، وإذا أدبرت، فأنفق فإنّه لا يبقى.
وأخذ هذا المعنى شاعر فقال:
أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمتبين العباد مع الآجال أرزاق
لا ينفع البخل مع دنيا مولّيةولا يضرّ مع الإقبال إنفاق
وقال المأمون: بلوت رعيّتي بالكرم والسّيف، فكان الكرم أنجع
فيهم من السّيف.
وقيل: ما استعبد الكريم بمثل الإكرام.
وسئل بعض مشايخ العرب: أيّ الأعمال أحبّ إلى الله تعالى؟ قال: إدخال السّرور على قلوب النّاس. قيل: فما بقي من لذّاتك؛ قال:
التّفضّل على الإخوان.
وأوصى رجل بنيه، فقال: يا بنيّ، اقصدوا العدل وما هو خير منه. قالوا: وما هو الذي خير من العدل؟ قال: التّفضّل.
وقال الأصمعيّ: نزلت على رجل من جعدة في سنة مجاعة فقدّم لي كسيرات وتميرات، وأقبل يعتذر ويقول: إن الله ﷿ يقول في كتابه:
ما كلّف الله نفسا فوق طاقتهاولا تجود يد إلا بما تجد
فقلت: يا هذا، ليس هذا من كتاب الله، فقال: إنه حسن فألصقوه به.
إبراهيم بن هرمة:
قوم لهم شرف الدّنيا وسؤددهاصفوا على النّاس لم يخلط بهم رنق
إن حاربوا وضعوا أو سالموا رفعواأو عاقدوا ضمنوا أو حدّثوا صدقوا
وقال: أيّها النّاس، لا تملّوا المعروف؛ فإنّ صاحبه يعوّض خيرا: إمّا شكرا في الدّنيا، أو ثوابا في الآخرة.
وقال بعض أهل الكرم: ما أصبحت ذا صباح قطّ ولم أر ببابي أحدا يطلب حاجة أو يستعين بي على أمر إلا وكان ذلك عليّ من المصائب التي
أسأل الله العون عليها.
وقال بعض أهل الكرم: أيّها النّاس، لا يعدّنّ أحدكم المعروف معروفا إذا لم يخرج عنه وهو في إخراجه مسرور، والله لو رأيتم المعروف لرأيتموه حسنا جميلا، ولو رأيتم البخل لرأيتموه قبيحا دميما، وأنشد:
ولم أر كالمعروف أمّا مذاقهفحلو وأمّا وجهه فجميل
وسأل معاوية الأحنف بن قيس، فقال له: أنت سيّد قومك؟ فقال: ألجأهم الدّهر إليّ. فقال معاوية: هكذا تكون مخادعة الكريم وأهل الشّرف.
وقيل: إنّ أخت شرف الدّولة بن حمدان خرجت من بلد قاصدة إلى الموصل في هودج ومعها إماؤها وخدمها، فلقيها الصّيّاد الشّاعر البلدي في بعض الطّريق، فأنشدها:
ته كيف شئت وسر على مهلكلّ الجمال عليك يا جمل
وعليّ أن لا تشتكي كللاما دام فوقك هذه الكلل
فألقت إليه جميع ما عليها من الحليّ والحلل، وكان ينيف على ثلاثة آلاف دينار. فلما وصلت إلى الموصل وأخبر شرف الدّولة بذلك عاتبها على فعلها، وقال: الكرم في الرّجال محمود، وفي النّساء مذموم. قالت:
صدقت، بأعجازهنّ لا بأموالهن. فلم يحر جوابا.
ووصف بعض العرب صديقا له، قال: بلغ من كرمه على قومه أنّه كان يعتذر إليهم إذا جاد عليهم، ويشكرهم إذا سلم منهم.
وقيل لبعض الحكماء: بأيّ خلّة نكبت عدوّك؟ قال: بأن أزداد
فضلا في نفسي، وتفضّلا على غيري.
وقيل إن رجلا زوّر عن الحسن بن سهل كتابا إلى بعض أصحابه وأوصله إليه. وشكّ فيه، وأنفذه إلى صاحبه الحسن فكتب إليه وهو يعلم أنّ الكتاب مزور: أمّا بعد، أما كان في كثرة نعمائنا عليك ما تصدّق به مخيلة من توسّل بنا إليك وإن كان مبطلا، فكيف وهو محقّ؟ فلما وقف الرّجل على الكتاب أحسن إلى موصله، وقضى حوائجه وصرفه مسرورا.
وكان مخلد بن يزيد من أجود أهل زمانه، فقال لأبيه:
ما الجود؟ فقال له أبوه: العطيّة لمن سأل. فقال: هذا ثمن السّؤال. فقال له أبوه: فما الجود يا بني؟ قال: العطيّة قبل السّؤال.
أبو فراس بن حمدان:
ليس جودا عطيّة بسؤالقد يهزّ السّؤال غير الجواد
إنّما الجود ما أتاك ابتداءلم تذق فيه ذلّة التّرداد
وقيل: سأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوة معه، فلما أخليا ابتدأ الرّجل يكلّمه، فقال عبد الملك: إيّاك أن تمدحني، فإنّي أعرف بنفسي منك، أو تكذبني فإنّي لا أرى الكذب، أو تسعى إليّ بأحد فإن السّعاية عندي كاسدة، وإن شئت إقالتك أقلتك. قال: أقلني. قال: امض راشدا.
ووشى واش برجل إلى الإسكندر، فقال: أتحبّ أن أقبل منك
فيه على أن أقبل منه فيك؟ قال: لا. قال: فكفّ عن الشّرّ يكفّ عنك.
وقيل: قدّم رجل رجلا في حكومة إلى زياد بن أبيه، فقال:
يا زياد، خصمي هذا يدلّ بخاصّة منك. فقال زياد: صدق، وسأخبرك بما ينفعه باختصاصه منّي، إن يكن الحقّ له عليك، أخذتك به أخذا عنيفا، وإن يكن الحقّ لك عليه قضيت لك عليه، ثم قضيت عنه.
وقيل: ولي محمّد بن عليّ إرمينية، فاجتمع يوما إلى كاتبه جماعة وقالوا: إن هاهنا ضياعا قد انقطعت، وحقوقا قد بطلت، وأموالا قد احتجنت. فكتب رقعة بما ذكره القوم إلى محمد بن عليّ، فقرأها ووقّع على ظهرها: قرأت هذه الرّقعة المذمومة وأنكرتها، وأنا أنهاك إلى مثلها، لأنّ سوق السّعاية عندنا كاسدة، وتجائرها بائرة، وألسنتهم في أيامنا معقولة.
فذمّ التّكشّف والتّتبّع؛ فإنّهما يعقبان ذمّا وإثما، وأجر الناس على عوائدهم وقوانينهم، وسهّل رسومهم التي جرت عادتهم بها؛ فإنا لم نرد إلى ناحية لإحياء الرّسوم العافية، والنّظر في السّنن الخالية، فإنّما هي أيّام تمضي ومدّة تنقضي، فإمّا ذكر جميل أو جزاء طويل، وإيّاك وقول جرير:
وكنت إذا حللت بدار قومرحلت بخزية وكشفت عارا
فأجهر الدّعاء لنا ولا علينا، والسّلام.
وقيل: شتم رجل الشّعبيّ، فقال: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك.
وقيل: دعا عليّ بن أبي طالب خادما له فلم يجبه، وهو يسمع، فلما أتاه، قال: ما لك لم تجب دعوتي؟ قال: لأنّي أمنت عقوبتك.
فقال: الحمد لله الذي جعلني مأمن عقوبتي.
وقال الرّشيد لمعن بن زائدة: أعطيت على بيت من الشّعر عشرين ألف درهم؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، نالتني يدك فأحببت أن أريها النّاس كثير شكرها فيك، ويبقى ذكرها لك. فقال الرّشيد: أعطوه على هذا الكلام ما أعطى على البيت.
وقيل: دخلت ابنة زهير على عائشة وعندها ابنة هرم تسأل عائشة، فقالت ابنة هرم لابنة زهير: أوما أعطى أبي أباك ما أغناه، وأغناك عن المسألة؟! فقالت ابنة زهير: إنّ أباك أعطى أبي ما يفنى، وأبي أعطى أباك ما يبقى، ثم قالت:
فإنّك إن ذوّقتني ثمن الغنىحمدت الذي أوليك من ثمن الشّكر
وإن يفن ما تعطيه في اليوم أو غدفإنّ الذي أعطيك يبقى على الدّهر
حدثني الشيخ الصالح أوحد الدين الكرماني قال: كان بهراة رجل قد خصّه الله بتشبيه الخطوط، وحكاية خطّ من شاء، قال: فكتب هذا الرّجل توقيعا عن السّلطان شهاب الدّين الغوريّ، صاحب هراة إلى النّواب بها بمبلغ خمس مئة دينار لنفسه، وحكى خطّ الكاتب، وتوقيع السّلطان، وأحضره إلى النّواب، فلمّا وقف النائب عليه قبّله وقبله بالسّمع والطّاعة، وهمّ ليوصله المبلغ في وقته، فتناول النّاظر التّوقيع ليشاهده، وكان يعرف الرّجل بالتّزوير، فلما شاهده شكّ فيه، وتقدّم إلى النّائب، وقال له مسرّا:
المصلحة تأخير المبلغ إلى حيث معاودة السّلطان في ذلك، فإنّ هذا الرّجل معروف بالتّزوير. وكان السّلطان منتزحا عن هراة في بعض حروبه، فقال له النّائب: تؤخّرنا أياما إلى حين تحصيل المبلغ. فعلم الرّجل أنّه قد علم بحاله، فقام وهو لا يعلم أين يهتدي، وركب لوقته وقصد السّلطان، فلمّا وصل مخيّمه طلب الإذن في الحضور، فلمّا أذن له، طلب الخلوة، فلمّا خلا الموضع، قال: يا مولانا، قد فعلت كيت وكيت، وذكر قصّة التّوقيع، وقد حضرت مقرّا بذنبي، فإن قتلتني فحقّ لك، وإن عفوت عنّي فبفضلك.
فأطرق شهاب الدين مليّا، وقال: اخرج؛ لأفكّر في أمرك. فلما خرج أحضر الكاتب وقال: اكتب كتابا للنّواب بهراة، وقل لهم: نكتب توقيعا بخمس مئة دينار تماطلوه بها، كيف جسرتم على فعل ذلك؟ ومرهم أن يعطوه المبلغ لوقته.
فحين كتب الكاتب التوقيع وقّع عليه، وتركه بين يديه، وأمر أن يعطى الرّجل خلعة سنيّة، وبغلة بسرجها ولجامها، فلمّا أعطي ذلك أحضره بين يديه، وقال له: ذنبك عظيم، والعفو عن مثلك من مكارم الأخلاق، ولكنّي لو أظهرت العفو عن جرمك لكان سمة عليك وعلى عقبك إلى يوم القيامة، وأصعب من القتل، فيقال: هذا الذي زوّر عن السّلطان وعفا عنه، فتتّسم بذلك مدى الأيام، ولكن خذ التوقيع، وامض خذ المبلغ في كلّ سنة لك علينا بمثله. وكلّما احتجت إلى شيء فعرّفنا نوصله إليك، ولا تعاود فعل شيء ممّا كان منك. فقبّل الرّجل الأرض بين يديه، ودعا له بالبقاء، وأخذ التّوقيع وعاد إلى هراة، وأوصله إلى النّائب، فلمّا وقف عليه أوصله المبلغ وصرفه مسرورا.
وقيل: أخذ مصعب بن الزّبير رجلا من أصحاب المختار، فأمر بضرب عنقه، فقال: أيها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، ووجهك هذا الجميل الذي يستضاء به فأتعلّق بك، ثم
أقول: يا ربّ، سل مصعبا فيم قتلني؟ فقال مصعب: قد عفوت عنك.
فقال: أيّها الأمير، اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض، فإنّه لا عيش للفقير. فقال: ردّوا عليه عطاءه، وأعطوه مئة ألف درهم. فقال: أشهد الله أنّي قد جعلت نصفها لابن قيس الرّقيات. قال: ولم ذلك؟ قال: لقوله فيك:
إنّما مصعب شهاب من اللّـه تجلّت عن وجهه الظّلماء
ملكه ملك رحمة ليس فيهجبروت ولا به كبرياء
يتّقي الله في الأمور وقد أفلح من كان همّه الاتّقاء
فضحك مصعب وقال: إنّي أرى فيك موضعا للصنيعة. وجعله في جملة ندمائه، وأحسن صلته.
وقيل: كان داود كاتب أمّ جعفر قد حبس وكيلا لها وجب لها عليه مئتا ألف درهم، فكتب الوكيل إلى عيسى بن هلال، وسهل بن
الصّباح وكانا له صديقين، ليسألهما الرّكوب إلى داود في أمره. فركبا فلقيهما الفيض بن أبي صالح، فسألهما عن خبرهما، فأخبراه، فقال: أتحبّان أن أكون معكما؟ فقالا: نعم. وصاروا إلى داود وكلّموه في إطلاق الرّجل، فقال: أنا أكتب إلى أمّ جعفر. وكتب إليها يعلمها حضور القوم ومسألتهم.
فكتبت في الرّقعة: أن تعرّفهم ما وجب لنا من المال عليه، وتعلمهم أنّه لا سبيل إلى إطلاقه دون المال. فأقرأهم التوقيع، واعتذر إليهم. فقال عيسى وسهل: قد قضينا حقّ الرّجل، وقد أبت أمّ جعفر أن تطلقه إلا بالمال، فقوموا ننصرف. فقال لهما الفيض: كأنّا إنّما جئنا لنؤكّد حبس الرّجل!؟ قالا له: فماذا نصنع؟ قال: نؤدّي عنه المال. ثم أخذ الدّواة، وكتب إلى وكيله بحمل المال عن الرّجل، ودفع الكتاب إلى داود، وقال له: قد أزحنا العلّة في المال، فادفع إلينا الرّجل. فقال: لا سبيل إلى ذلك حتى أعرّفها الخبر.
وكتب إليها بذلك فوقّعت: أنا أولى بهذه المكرمة من الفيض، فاردد عليه كتابه بالمال، وادفع إليه الرّجل، وقل له: لا يعاود إلى مثل ما كان منه.
قال: ولم يكن الفيض يعرف الرّجل، وإنّما ساعد عيسى وسهلا على الكلام في أمره.
أراك تؤمّل حسن الثّناءولم يرزق الله ذاك البخيلا
وكيف يسود أخو بطنةيمنّ كثيرا ويعطي قليلا
قال أرسطو: الأخلاق ثمان، وهي: من النّاس من يفعل الخير
طبعا وهي خلق الأحرار، ومنهم من يحسن إلى من أحسن إليه وهو خلق الشّاكرين، ومنهم من ينكر المحسن إحسانه وهو خلق كافري النّعمة، ومنهم من يسيء إلى من أحسن إليه وهو خلق الأنذال، ومنهم من يقترف الشّرّ طبعا وهو خلق الحيوان السمي، ومنهم من يسيء إلى من أساء إليه وهو خلق ذوي الحقد، ومنهم من يصبر وإن أسيء إليه وهو خلق ذوي العقول، ومنهم من يحسن إلى من أساء إليه وذلك خلق الملائكة العلويّين.
من «أمالي ثعلب»:
همّته في كلّ حالاتهمعونة الجار وفكّ العناه
يحسن حتّى يتمنّى الذيأمسى مطيعا أنّه في عماه
وأخبرت أنّ الملك الناصر صلاح الدين يوسف تغمّده الله برحمته كان نازلا بحلب، ووصله كتاب نائبه بمصر يذكر فيه أنّ أحد المعاملين عنده تخلّف عليه في حسابه نيف وعشرون ألف دينار، وأنّه هرب، ويسأل تطلّبه من بلاد الشام وغيرها، والبحث عنه. ولم يستتمّ قراءة الكتاب حتّى دخل بعض الحجاب، وقال: يا مولانا، فلان المبقى عليه المال بالباب. فقال صلاح الدّين: النائب بمصر قد يتطلّبه، فليتوار عنه، ولا يتوقّع في يده. ولم يتعرض له.
وقيل: إنّ ابن حيّوس الشّاعر قصد حلب، ومالكها يومئذ ابن
صالح فأقام بها مدّة، ولم يتهّيأ له مدح ابن صالح ولا الاجتماع به، فقفل عن حلب، فلمّا سار عنها أخبر ابن صالح به، فأنفذ من ردّه، وتقدّم إلى القاصد أن يستعلم ما عنده من حمد أو ذمّ، فلّما لحقه القاصد سأله عن صناعته، قال: أقول الشّعر والأدب. فقال له: لم لا مدحت الأمير مع محبّته للأدب؟ قال: لم أجد لي عنده وجها. قال: فهلاّ هجوته؟ قال: لم يسىء فأذمّه، ولا أحسن فأشكره، وإنّما أنا صاحب سلعة إن نفقت عنده وإلا نفقت عند غيره. ثم أعاده واجتمع بابن صالح، ومدحه بقصيدة أثابه عليها ألف دينار، وأقطعه أقطاعا تغلّ في كلّ سنة جملة، وأقام في خدمته، ثم درات دوائر الدّهر، وتقلّبت صروف الزّمان، وانقرض ملك آل صالح.
وملك حلب شرف الدّولة، وطلب ابن حيّوس الحضور بين يديه وامتداحه، فقيل لشرف الدولة: هذا لا ينشد شعره إلا وهو جالس، والأمير ملك عن كثب، ولا بدّ من إقامة الحرمة. قال: فما الحيلة؟ قال: يفرش
للأمير بساط لا يفضل عنه، وإذا حضر ولم ير له ما يجلس عليه ينشد قائما.
فلما حضر ابن حيّوس ورأى ذلك علم أنّه قد عمل لأجله، فوقف قائما وأنشد:
ما أدرك العزمات مثل مصمّمإن أحجمت أعداؤه لم يحجم
فلما بلغ إلى قوله:
أنت الذي نفق الثّناء بسوقهوجرى النّدى بعروقه قبل الدّم
اهتزّ شرف الدولة، وحرّكته الأريحيّة العربية، فأوسع له في البساط، وأجلسه إلى جانبه، وتمم إنشاده القصيدة، ثمّ سأل شرف الدّولة عمّا أعطاه ابن صالح، فقيل له: ألف دينار. فقال: ابن صالح مع بخله يعطيه ألف دينار! أعطوه ألفي دينار. وضاعف أقطاعه، وأقام في خدمته، ثم توفّي ابن حيّوس وخلّف مالا كثيرا ولم يكن له وارث. فأشار بعض أصحاب شرف الدّولة عليه بحمله إلى خزانته، فقال له: يا ويلك، أتشير عليّ أن أعمد إلى مال قد سمحت به أكفّ الكرم، وجمع من فضلات عطاياهم، فأحمله إلى خزانتي، اغرب عنّي، لا حاجة لي في خدمتك. ثمّ أمر بحرز المال فبقي مدّة محروزا، ثمّ بلغ شرف الدّولة أنّ له ببلد الجزيرة بنت بنت أخت وهي غير مستحقّة للميراث، فأمر بدفع المال إليها.
النص من طبعة دار صادر (١٩٩٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع