من «أنس المسجون وراحة المحزون» لصفي الدين الحلبي (ت بعد ٦٢٥هـ)
الفصل الأول في الشكر واستدامته النعم وصرفه المحن والنقم
قال بعض العلماء لابنه: يا بني، عليك بالشّكر، فإنّه يديم النّعمة ويزيل المحنة، وأكثر من الدّعاء؛ فإنّه يمحّص الذّنوب.
وقيل: من صفة المؤمن أن يكون في الرّخاء شكورا، وفي البلاء صبورا.
وقيل: الكمال في ثلاث: الشّكر مع الفقر، والصّبر عند المصيبة، وحسن التّدبير في المعيشة.
وقال بعض الرّهبان: طوبى لمن شغل قلبه بشكر النّعم عن البطر بها.
وقيل: قد عجز من لم يعدّ لكلّ بلاء صبرا، ولكلّ نعمة شكرا، ومن لم يعلم أن مع العسر يسرا.
وقيل: النّعمة عروس مهرها الشّكر.
وقال الجنيد: دخلت على السّريّ السّقطي، فقال لي:
ما الشّكر يا غلام؟. فقلت: ألاّ نستعين بنعم الله على معاصيه.
وقيل: علامة الشّكر دوام النّعمة.
وقيل: تألّفوا النّعم بحسن مجاورتها، والتمسوا الزّيادة فيها بالشّكر عليها.
وقيل: من شكر الباري فقد وجب عليه شكران: شكر النّعمة، وشكر إذ وفّقه لشكره. وهذا شكر الشّكر.
محمود الورّاق:
إذا كان شكري نعمة الله نعمةعليّ له في مثلها يجب الشّكر
فكيف بلوغ الشّكر إلاّ بفضلهوإن طالت الأيام واتّسع العمر
إذا عمّ بالسرّاء عمّ سرورهاوإن عمّ بالضرّاء أعقبها الأجر
فما منهما إلاّ له فيه نعمةتطول بها الأوهام والبرّ والبحر
وقالت هند بنت المهلّب: إذا رأيتم النّعم مستدرّة فبادروا بالشّكر قبل حلول الزّوال.
وقال الحسن البصري: نعم الله أكثر [من]
أن تشكر إلاّ ما أعان عليه. وذنوب ابن آدم أكثر من أن يسلم منها إلاّ ما عفا عنها.
وكان بعض النّسّاك يقول في دعائه: اللهمّ، اجعلني أواصل شكرك، وأكثر ذكرك، وأطيع أمرك؛ فإنني أعلم إذا واصلتك بالشّكر واصلتني بالإحسان، وإذا أكثرت ذكرك ذكرتني في شدّتي، وإذا أطعت أمرك جعلتني في الآخرة من الطائعين.
وقال بعض الفضلاء: الشّكر تجارة رابحة، ومكسبة فاضلة جعله الله تعالى مفتاحا لخزائن رزقه، وبابا إلى مزيد فضله فأقيموا تجارة الشّكر تقم لكم أرباح المزيد.
وقيل: من أعطي أربعا لم يعدم أربعا: من أعطي الشّكر لم يعدم المزيد، ومن أعطي التوبة لم يعدم القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يعدم الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يعدم الصّواب.
وقيل: على قدر الشّكر يكون دوام النّعمة، وعلى قدر المؤنة تكون المعونة، وعلى قدر المصيبة يكون الصبر.
وقال عمر بن الخطاب: قيّدوا النعم بالشكر، والعلم بالكتاب.
العلم صيد والكتابة قيدهقيّد صيودك بالحبال الواثقهْ
فمن الحماقة أن تصيد غزالةوتركتها مثل الحليلة طالقه
وقيل: لا زوال للنّعمة إذا شكرت، ولا دوام لها إذا كفرت.
شعر:
لو شكروا النّعمة زادتهملكنّه كفرهم غالها
لئن شكرتم لأزيدنّكممقالة الله التي قالها
وقيل: ليس يخلو الإنسان من ذنب ومن نعمة، وليس يصلحه إلاّ الاستغفار من هذا والشّكر على هذه.
وقيل: من أضاع الشّكر فقد خاطر بالنّعمة.
وقيل: شكرك نعمة سالفة تقتضي لك نعمة مستأنفة.
وقال المأمون لثمامة: أيّما أفضل الشّاكر أو المنعم؟ فقال:
المنعم أمنّ فعلا، وأعلى في فعله فضلا، لأنّ الإنعام لقاح الشّكر وبه يستهلّ سبيل الشّاكر إلى جميل البشر؛ فجالب الشّكر أوكد سببا من الشّكر. فقال المأمون: ما علمت شيئا، بل الشّكر أفضل والقول بتقديمه أعدل، لأنّ الشّكر يمتري المزيد، ويحكم عقد النّعمة بالتوطيد، وموجب
النّعمة أفضل من النّعمة [النعمة] إلى نفاد، ويسير الشّكر باق إلى المعاد. ومن فضله ندب الله عباده إليه، وحضّهم عليه، وأوجب لهم المزيد بإدامته.
وقال الشاعر:
فلو كان يستغني عن الشكر ماجدلعزّة ملك وارتفاع مكان
لما أمر الله العباد بشكرهفقال اشكروا لي أيّها الثّقلان
وقيل: من أراد أن يكون أقوى النّاس فليتوكّل على الله تعالى، ومن أحبّ أن يكون أكرم النّاس فليثق بالله تعالى، ومن أحبّ أن يكون أغنى النّاس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده، ومن أحبّ بقاء جميع ذلك فليشكر الله تعالى دائما.
وقيل: الشّكر عصمة من النّقمة.
وقيل: الشّكر قيد النّعمة؛ وأحسن كلّ حسن نعمة مشكورة.
وقيل: لا راحة إلاّ في بدن صابر، ولسان ذاكر، وقلب شاكر.
وقيل: الشّكر نعمة في الدنيا وشرف في الآخرة.
وقيل: أفضل الخصال: الشّكر عند النّعمة، والصبر عند البليّة.
وقال الحسن البصريّ: الخير الذي لا شرّ فيه الصّبر مع النّازلة، والشّكر مع النّعمة.
وقال الشاعر:
لئن ساءني دهر لقد سرّني دهروإن مسّني عسر لقد مسّني يسر
لكلّ من الأيام عندي عادةفإن ساءني صبر، وإن سرّني شكر
وقيل: من تلقّى أوائل النّعم بالشّكر ثمّ أمضاها في سبل البرّ فقد حصّنها من الزّوال، وحرسها من الانتقال.
وقال إبراهيم بن هلال الصّابئ: إنّ للنعم من الشّكر شرطا ما يريم ما وجدته، ولا يقيم ما فقدته.
وقيل: من كانت فيه ثلاث خلال رزقه الله التوفيق في الدّنيا والنعيم في الآخرة: إذا أعطى شكر، وإذا منع صبر، وإذا قدر غفر.
وقال بعض الرّهبان: الصّلاة التامّة حمد الله وشكره والتّسليم لأمره.
وأوصى بعض الحكماء ولده فقال: يا بني، كن كريم القدرة إذا قدرت، شريف الهمّة إذا ظفرت، صبورا إذا امتحنت؛ لا تردنّ حوض لئيم
لظمئك، ولا تأتينّ دنيّة لضيق حالك، واستجلب النّعم بالشّكر، واستدفع البلاء بالصبر.
وقيل: الشّكر مغنم، والكف [عنه] مغرم.
وقيل: ثمرة المعروف الشّكر، وثمرة الشّكر الرّضا.
وقال بعض الصالحين: إنّي لأصاب بالمصيبة فأشكر الله تعالى عليها أربع مرار: شكرا إذ لم تكن أعظم مما هي، وشكرا إذ رزقني الصّبر عليها، وشكرا لما أرجوه من زوالها، وشكرا إذ لم تكن في ديني.
اشكر فإنّك واجدأبدا مع الشّكر الزّياده
لا تتّكل في الرّزق منك-م-على التّصرف والجلاده
وقيل: حقّ الله في العسر الرّضى والصبر، وفي اليسر البرّ والشّكر.
وقيل: إذا أحببت نعمة وأحببت طول مجاورتها فتعهّدها بالحمد، واستدمها بالشّكر.
وقال بعض العلماء: ما رأيت أثبت أركانا، ولا أشرف بنيانا ولا أحدث لنعمة، ولا أصرف لنقمة من الشّكر لله تعالى.
وقيل: ثلاثة يبلغ بها الإنسان ما يحبّ: حسن الظنّ بالله تعالى، والمكافأة على القبيح بالجميل، وشكر الله على الشدّة.
وقال أبو الفرج الببّغاء:
صبرت ولم أحمد على الصّبر شيمتيلأنّ مآلي لو جزعت إلى الصّبر
ولله في أثناء كلّ ملمّةوإن آلمت لطف يحضّ على الشّكر
وقيل: من أخلاق المؤمن الفضل في الغنى، والقنوع في الفاقة والصّبر في الشّدّة، والشّكر في الرّخاء.
وقيل: من شكر النّعمة فليثق بالزيادة والدوام، ومن كفرها فليثق بالزوال والنّقصان.
وقيل: إنّ الشّكر وإن قلّ ثمن لكلّ نوال وإن جلّ.
وكان المأمون إذا رفع الطعام من بين يديه يقول: الحمد لله الذي جعل أرزاقنا أكثر من أقواتنا.
وزعم الأصمعيّ أنّ حربا كانت بالبادية، ثمّ اتّصلت بالبصرة، فتفاقم الأمر ثمّ مشي بين الناس بالصّلح، فاجتمعوا في المسجد الجامع.
قال: فبعثت وأنا غلام إلى عبد الله بن عبد الرحمن العقفاني فاستأذنت
عليه، فأذن لي، فدخلت فإذا هو في شملة يخلط بزرا لعنز له حلوب، فخبّرته بمجتمع الناس، فأمهل حتى أكلت العنز، ثم غسل الصّحفة، وصاح: يا جارية، غدّينا. فأتته بزيت وتمر، قال: فدعاني، فقذرته أن آكل معه، حتى إذا قضى من أكله، وثب إلى طين ملقى في الدار، فغسل به يده، ثم صاح: يا جارية، اسقيني ماء. فأتته بماء، فشربه، ومسح فضله على وجهه، ثمّ قال: الحمد لله ماء الفرات، بتمر البصرة، وزيت الشّام، متى نؤدّي شكر هذه النعمة! ثمّ قال: عليّ بردائي. فأتته برداء عدنيّ فارتدى به على تلك الشّملة.
قال الأصمعي: فتجافيت عنه استقباحا لزيّه، فلمّا دخل المسجد صلّى ركعتين، ثمّ مشى إلى القوم، فلم تبق حبوة إلاّ حلّت إعظاما له، ثمّ جلس فتحمّل جميع ما كان بين الأحياء في ماله، وانصرف.
وقال بعض الحكماء: إنّ عندنا من نعم الله ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه، فما ندري ما نشكر له: جميل ما نشر، أم قبيح ما ستر، أم عظيم ما أبلى، أم كثير ما أعفى؟
وقيل: احتمل ما تكره لما ترجو، أو دع ما تهوى لما تخشى، وكما تهادي أكفاءك فواس أتباعك، وكما تشكر لمن أنعم عليك فأنعم على من شكرك.
وقال الشاعر:
يد المعروف غنم حيث كانتتحمّلها كفور أم شكور
فعند الشّاكرين لها جزاءوعند الله ما كفر الكفور
وقال عمر بن الخطّاب ﵁: لو كان الصّبر والشّكر بعيرين ما باليت أيّهما ركبت.
وقيل: لا انقطاع للنعم مع الشّكر، ولا دوام لها مع الكفر.
وسئل بعض الفضلاء: من أحق بالصّنيعة؟ فقال: الذي إذا أعطي شكر، وإذا منع عذر، وإذا موطل صبر.
وقيل: إنّ بعض الرّهبان أصابته محنة، فقال: يا ربّ، ليت شعري، أيّ شيء عملت لك حتّى شكرتني عليه فأبليتني بما أرى حتى أدوم لك عليه.
وقال الأحنف: كنت في إبل لي فاشتكيت بطني، فتمنّيت من
أشكو له علّتي، فمرّ بي عمّي صعصعة بن معاوية يريد إبلا له، فركبت بعيرا لي وتبعته لأشكو إليه، وتفوّهت لأتكلّم فأسكتني، وقال: يا ابن أخي، إذا نزل بك أمر فلا تشكه إلى مخلوق مثلك؛ فإنّه ما يقدر أن يدفع عن نفسه مثل الّذي نزل بك، بل اشكه إلى الذي ابتلاك به، فهو يقدر على دفعه عنك، واعلم أنك تشكو إلى أحد رجلين: إمّا عدوّ فتسرّه، أو صديق فتسوءه، يا ابن أخي، أما ترى عيني هذه قد ذهبت مذ أربعين سنة ما أعلمت بها زوجتي ولا أهلي ولا ولدي، وشكري لله بعد ذهابها يزيد على أيام سلامتها، لأنّه أدّبني تأديبا انتفعت به من حيث لم يكشفه لغيري، ولا أوقف شيئا من أمري.
وقيل: إنّ صوفيا خرج من بغداد مسافرا فلقيه صوفي قد ورد من بلخ، فقال البلخيّ للبغداديّ: كيف خلّفت إخوانك ببغداد؟ فقال: إن أعطوا شكروا، وإن منعوا صبروا. فقال: كذا خلّفت الكلاب ببلخ. فقال: فكيف
خلّفت إخوانك ببلخ؟ فقال: إن أعطوا آثروا، وإن منعوا شكروا.
وقال الحجّاج بن يوسف: ما سلبت نعمة إلاّ بكفرها، ولا تمّت إلاّ بشكرها.
اشكر ولا تكفر تزد نعمةواتل مقالا من حكيم مجيد
لئن شكرتم لأزيدنّكموإن كفرتم إنّ عذابي شديد
وأوصى عبد الله بن شداد بن الهاد ولده فقال: يا بني، إنّي أرى الموت لا يقلع، ومن مضى فليس يرجع، ومن بقي فإليه يسرع، وإنّي أوصيك بوصيّة فاحفظها: اتقّ الله، وليكن أولى الأمور بك الشّكر لله، وحسّن النيّة في السّرّ والعلانية، فإنّ الشّكر مزاد، والتقوى خير زاد.
وقال بعض الرّهبان: الحزن على فقد الغنيات الدنياوية دليل على فقد غيرها؛ والشّكر والرّضا بفقدها دليل على سرعة خلفها.
وقيل: الشّكر تميمة لتمام النّعمة.
وقيل: كان الحسن بن سهل إذا قلّل الشّيء، يقول: هو أعزّ من نعمة مشكورة.
وقيل: هو أحلى في عيني من نعمة مشكورة.
وقيل: الشّكر أكثر من النّعمة؛ لأنّ النّعمة تفنى والشّكر يبقى.
لا يغلونّ عليك الشّكر في ثمنفليس شكر وإن أقصرت بالغالي
الشّكر يبقى على الأيام ما بقيتويذهب الدّهر والأيّام بالمال
وقيل: سمع ثلاثة أنفس كلاما بليغا، فقال أحدهم: حقّ هذا الكلام أن يكتب بالغوالي على خدود الغواني. وقال الآخر: حقّ هذا الكلام أن يكتب بأنامل الحور في ورق النّور. وقال الآخر: حقّ هذا الكلام [أن] يكتب بقلم الشّكر في ورق النّعم.
وقال بعضهم: إنّ الشّكر من الله بأحسن المواضع، فازدد منه تزدد به، وحافظ عليه تحفظ له.
وقيل: من أنعم الله عليه، وأنعم [هو] على الناس فقد شكر النّعمة وأمن من المحنة.
وقيل: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك.
وقال الحسن البصري: لا زوال للنّعم إذا شكرتها، ولا إقامة لها إذا كفرتها، والشّكر زيادة في النّعم، وأمان من النّقم.
منصور الفقيه:
أعارك ما له لتقوم فيهبطاعته وتعرف فضل حقّه
فلم تشكر لنعمته ولكنقويت على معاصيه برزقه
ولأبي إسحاق هلال الصابئ ابتداء رسالة: أمّا بعد، فإنّ لله قضايا نافذة وأقدارا ماضية فيهنّ النّعم السّوابغ والنّقم الدّوامغ، فأمّا النّعم فإنه يؤتيها عباده أجمعين بادئة، ثمّ يجزي بها الشّاكرين عائدة؛ وأمّا النّقم فلا تقع سلفا وابتداء لكن قصاصا وجزاء بعد إمهال وإنظار، وتحذير وإنذار؛ وإذا حلّت بالقوم الظّالمين فقد طوي في إثباتها صنع لآخرين معتبرين.
وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: الشّكر أمنة من الزّوال، وجنّة من الانتقال.
وقيل: الشّكر يتمّ النّعم.
وقال الصّابئ: الشّكر قيد النّعم وشكالها، وحبسها وعقالها.
وقال: موضع الشّكر من النّعمة موضع القرى من الضّيف، إن وجدته لم ترم، وإن فقدته لم تقم.
وقال إسحاق الموصلي: العفاف زينة الفقر، والشّكر زينة
الغنى.
وشكا رجل إلى بشر بن الحارث كثرة العيال، فقال: فرّغك فلم تشكره، فعاقبك بالشّغل.
وكتب محمد بن عبد الملك إلى عبد الله بن طاهر: لو لم يكن من فضل الشّكر إلاّ أنّه يرى بين نعمة عليه مقصورة أو زيادة منتظرة. فقال عبد الله لكاتبه: كيف تسمع هذه الكلمتين؟ فقال: كلاهما قرطان بينهما وجه حسن.
وقال الفضل بن سهل: من أحبّ الازدياد من النّعمة فليشكر، ومن أحبّ المنزلة عند سلطانه فليكفه، ومن أحبّ بقاء عزّه فليسقط الدّالة،
ومن أحبّ السّلامة فليلزم الحذر.
وقال الحسن البصري لفرقد: بلغني يا أبا يعقوب أنّك لا تأكل الفالوذج. فقال: يا أبا سعيد، أخاف [أ] لاّ أؤدي شكره. فقال الحسن:
يا لكع، فهل تؤدّي شكر الماء البارد؟!.
وقال يحيى بن أكثم: كنت عند المأمون يوما وقد أتي برجل ترعد فرائصه، فلمّا مثل بين يديه، قال له: كفرت نعمتي، ولم تشكر معروفي.
فقال: يا أمير المؤمنين، وأين يقع شكري في جنب ما أنعم الله بك عليّ.
فنظر المأمون، وأنشد متمثّلا ببيتين-تقدّم ذكرهما-:
فلو كان يستغني عن الشّكر ماجد
وأطلق سبيله.
وقيل: لو لم يعذّب الله على معصية، لكان ينبغي ألاّ يعصى في شكر نعمة.
وكان يقال: احذروا ثلاثا: النّعمة تقول: يا ربّ، كفرت؛
والأمانة تقول: يا ربّ، أكلت، والرّحم تقول: يا ربّ، قطعت.
وقال عمر بن عبد العزيز: تذاكر النّعمة شكر.
وقال أبو حازم: إذا رأيت ربّك يتابع نعمة عليك، وأنت تعصيه، فاحذره.
وقال الرّبيع بن خثيم: نظرت ما خير لا شرّ فيه فما وجدته إلاّ أن يعافى رجل فيشكر.
وكان يقال: حسب من منعه عدم القدرة عن الجزاء أن يبسط خدّه للشّكر والثّناء.
وقيل لأعرابي: إنّك لجيد الكدنة. قال: ذلك عنوان نعم الله عندي.
وكان يقال: نعمة لا تشكر لسيئة.
وكان يقال: الشّكر ثلاثة منازل منها: ضمير القلب، وثناء اللّسان، والمكافآت بالعقل، والضمير مع خفائه أعظم ذلك وأجدر أن يكمل بنفسه، ولا يكمل غيره إلاّ به، وفي الثّناء وفاء لا يطاق إلاّ باللّسان، والمكافآت غاية الشّكر.
وكان يقال: من كفر النّعمة استوجب السّلب، ومنع المزيد.
وكتب رجل إلى أخيه: أمّا بعد، فليكن افتخارك بذكر الشّكر إذا ذكرته أعظم من استحيائك لذكره بخمول صاحبه؛ فإن الشّكر يرفعك إن كنت وضيعا، والكفر يضعك إن كنت شريفا.
وعن أنس بن عياض عن هشام عن محمد بن كعب القرظي: أن نوحا ﵇ كان إذا أكل قال: الحمد لله، وإذا شرب قال: الحمد لله. وإذا لبس قال: الحمد لله، فسمّاه الله: عَبْداً شَكُوراً.
وكان العتابي يقول: سبحان الله الذي جعل معرفة العارفين بالتّقصير عن شكره شكرا لهم، كما جعل علم العالمين بأنّهم لا يدركونه إيمانا به.
وقيل: للطّاعم الشّاكر أجر الصّائم القائم.
وكان يقال: من بذل بعض عنايته لك فابذل له جميع شكرك.
وكان الحسن يقول: معرفة النّعمة [شكر] والحمد زيادة.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: أهل الشّكر في مزيد من الله تعالى.
النص من طبعة دار صادر (١٩٩٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع