من «أنس المسجون وراحة المحزون» لصفي الدين الحلبي (ت بعد ٦٢٥هـ)
الفصل السّادس في القناعة والياس ممّا بأيدي النّاس
أصيب حجر بإرمينية مكتوب فيه:
اليأس عمّا بأيدي النّاس نافلةوالمال يعجز والأخلاق تتّسع
لا تجزعنّ على ما فات مطلبههذا جزعت فماذا أحدث الجزع
إنّ السّعادة يأس إن ظفرت بهفدونك اليأس إن الشّقوة الطّمع
وقيل: لا ينبل الرّجل حتّى تكون فيه خصلتان: الاستغناء عمّا في أيدي النّاس، والتّجاوز عمّا يكون منهم.
وأنشد بعضهم:
إنّ التّنزّه عمّا خسّ مطلبهللمرء عزّ وقد يزري به الطّمع
وقال أفلاطون: الاستغناء عن الشّيء خير من الاستغناء به.
بعضهم:
إذا لم يكن للمرء جدي ينالهولا تحف فيما تحوز الموائد
وكان له خبز وملح ففيهماله مقنع حتّى تجيء الفوائد
فما هي إلاّ جوعة قد سددتهاوكلّ طعام بين جنبيّ واحد
آخر:
لا تغبطنّ أخا الدّنيا بمقدرةفيها وإن كان ذا عزّ وسلطان
إنّ اللّيالي لم تحسن إلى أحدإلا أساءت إليه بعد إحسان
وقيل: إنّ عمر بن عبد العزيز أمسى في خلافته صائما، فاشترى بدانقين عنبا، وأكل هو وزوجته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، وقال لها: يا فاطمة، كان يأتي إلى أهلي وأهلك من هذا وقار البغال فلم يكن ينالنا منه إلاّ ما نالنا من هذين الدّانقين.
وقيل: من عفّ وقنع عزّ واستغنى، ومن شره وطمع ذلّ وافتقر.
وأحسن للفتى من يوم عارينال به الغنى كرم وجوع
وقيل لبعض الصّالحين: ما يمنعك من التزويج؟ قال: مكابدة العفّة أيسر من الاحتيال لمصلحة العيال.
وقال بعضهم: العري القادح خير من الزّيّ الفاضح.
وقيل: من ملك الملوك؟ قال: من ملك شهواته.
لعمرو بن كلثوم:
وكنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدىبلغت بأدنى نعمة تستديمها
ولكن فطام النّفس أثقل محملامن الصّخرة الصّماء حين ترومها
وقيل لرجل كان يعمل في المعادن: كيف اخترت هذه الصّناعة؟ فقال: استخراج الدّرهم من الحجارة أيسر من استخراجه من أيدي الناس.
ولبعضهم:
لا ينبغي أن أرى بعينيمكان من لا يرى مكاني
ولي إلى أن أموت رزقلو جهد الخلق ما عداني
الحرّ حرّ ولو تعدّتعليه يوما يد الزّمان
رضيت بالقوت من زمانيوصنت عرضي عن الهوان
خوفا على أن يقال يومافضل فلان على فلان
آخر:
وإنّك إن أعطيت بطنك سؤلهوفرجك نالا منتهى الذّمّ أجمعا
وكان يقال: سخاء النّفس عمّا بأيدي النّاس أكثر من السّخاء بالبذل، ومروءة الرّضا خير من مروءة الإعطاء.
وقال الأصمعيّ: مررت بكنّاف وهو ينشد:
أضاعوني وأيّ فتى أضاعواليوم كريهة وسداد ثغري
فقلت: أمّا سداد الكنف فأنت أحرى به، وأمّا الثّغر فلا علم لنا بك، فكيف أنت فيه؟ قال: فانعطف عليّ وأنشد:
وأكرم نفسي إنّني إن أهنتهاوحقّك لم تكرم على أحد بعدي
فقلت: يا هذا، والله ما يكون من الهوان شيء أكثر ممّا بذلتها له.
فقال: بلى، من الهوان لشر ممّا أنا فيه. فقلت: وما هو؟ فقال: الحاجة إلى مثلك وأمثالك. فانصرفت عنه خجلا.
ومن أمثال العرب: أقلل طعاما تحمد مناما.
وقيل: القناعة راحة الأبدان.
وقيل: الحرص من سبل المتالف.
إبراهيم بن المهدي:
قد شاب رأسي، ورأس الحرص لم يشبإنّ الحريص من الدّنيا لفي تعب
قد يرزق المرء لم تنصب رواحلهويحرم الرّزق من لم يؤت من طلب
وقال بعض الرّهبان: من أراد الحياة الهنيّة قنع ولم يستكثر.
وقيل: القناعة رأس مال لا ينفد.
وقيل: اليأس حرّ، والرّجاء عبد.
وقيل: برد اليأس خير من حرّ الطّمع.
وقال عبد الله بن المعتز عفا الله عنه:
ومن شرّ أيام الفتى بذل وجههإلى غير من حفّت إليه الصّنائع
متى يدرك الإحسان من لم يكن لهإلى طلب الإحسان نفس تنازع
وقيل: إذا طالبتك نفسك برزق غد، فاطلب منها كفيلا بحياة اليوم.
وشكى رجل إلى الشّبلي كثرة عياله، فقال: ارجع إلى بيتك، ومن لم يكن رزقه على الله؛ فأخرجه منه.
وقيل: لو قسمت الأرزاق على قدر العقول ما عاشت البهائم.
أبو تمّام الطّائي:
ينال الفتى من عيشه وهو جاهلويكدي الفتى من دهره وهو عالم
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجاهلكن إذا من جهلهنّ البهائم
وقيل: أحرص الحيوان الذّباب، وأقنعه العنكبوت؛ لا يطلب الرّزق وإنّما ينتظره ليقصده في بيته؛ وقد جعل الله أحرصها رزقا لأقنعها.
وقيل: القناعة سيف لا ينبو.
وقيل: من عدم القناعة لم يزده المال غنى.
الرّزق يأتيك وإن لم تطلبهمالك من حرصك إلاّ تعبه
وقيل: من كثرت شهواته دامت حسراته.
وقال أبو تمّام الطّائي: لمّا دخلت خراسان لم أفرح بها كفرحي ببيت سمعته بها وهو:
لو لم تكن لله متّهمالم تمس محتاجا إلى أحد
وقال بزرجمهر: لا شرف إلاّ شرف العقل، ولا غنى إلاّ غنى النّفس.
أبو فراس بن حمدان:
غنى النّفس لمن يعقـل خير من غنى المال
وفضل النّاس في الأنفس ليس الفضل في الحال
وقيل: الطّامع في وثاق الذّل.
ربّ معرّق قد خاب، ومقتصد قد فاد.
وقيل: عبد الشّهوة أذلّ من عبد الرّقّ.
هشام بن إبراهيم البصري:
وكم ملك جانبته عن كراهةلإغلاق باب أو لتشديد حاجب
ولي في غنى نفسي مراد ومذهبإذا انصرفت عنّي وجوه المذاهب
وروي أنّ شاعرا أتى أبا البختريّ وهب بن وهب، وكان من أجود النّاس، وكان إذا سمع مدح المادح ضحك وسرى السّرور في جوانحه، فأتاه هذا الشاعر وأنشده:
لكلّ أخي فضل فعال من العلاورأس العلا طرّا عقيد النّدى وهب
وما ضرّ وهبا عيب من جحد العلاكما لا يضرّ البدر ينبحه كلب
فثنى له الوسادة وهشّ إليه ورفده، وحمله وأضافه، فلمّا أراد الرّحلة لم يخدمه أحد من غلمان أبي البختريّ ولا عقد ولا حلّ. فأنكر ذلك مع جميل ما فعل به، وأنّه قد تجوّز به أمله، فعاتب بعضهم، فقال الغلام: إنّما نعين النّازل على الإقامة، ولا نعين الرّاحل على الفراق. فبلغ هذا الكلام رجلا من القرشيّين فقال: لفعل هذا العبيد [على] هذا القصد أحسن من رفد سيّدهم.
وقال الحسن والحسين لعبد الله بن جعفر: إنّك قد أسرفت في
بذل المال. فقال: بأبي أنتما وأمّي، إنّ الله قد عوّدني أن يفضل عليّ، وعوّدته أن أفضل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة، فيقطع عنّي المادّة.
قال رجل لإبراهيم بن هرمة الشّاعر: بأيّ شيء استحقّ منك عبد الواحد بن سليمان أن تقول فيه:
أعبد الواحد المأمول إنّيأغصّ حذار سخطك بالقراح
وجدنا غالبا كانت جناحاوكان أبوك قادمة الجناح
قال: إن ذهبت أعدد صنائعه التي استحقّ بها طال القول منّي وأطلت، ولكنّي أخبركم بأصغر صنيعة له عندي: كنت منقطعا إليه بالمدينة أيّام كان يتولاّها، فأغناني عمّن سواه، ثم عزل فظننت أن من يلي يكون مثله، فأقمت بالمدينة أغدو وأروح إلى الوالي طمعا فيه إلى أن لم يبق لي شيء، فقلت لأختي: ويحك، أما ترين ما أنا فيه من الشّدّة، وتعذّر القوت؟ فقالت: هذا أيسر اختيارك. قلت: فبم تشيرين عليّ؟ قالت: ما أعرف لك غير عبد الواحد بن سليمان. قلت: ومن لي به، وهو بدمشق، وأنا بالمدينة؟ قالت: أنا أعينك، وأحسن صحبتك. قلت: افعلي. فباعت حليّا كان
لها، واشترت لي راحلة، وزوّدتني. فسرت عليها إلى دمشق فوافيتها بعد اثنتي عشرة ليلة، وأنخت عشيّا على باب عبد الواحد، وعقلت ناقتي، ودخلت المسجد فحططت رحلى فيه، فلما أذّن المؤذن، خرج عبد الواحد فتطوّع ثم أقيمت الصّلاة، فصلّى ثم جلس يسبّح، ثم حوّل وجهه إلى جلسائه يحدّثهم فلمح النّاقة والرّحل فقال: من هذا؟ فوثبت، وقبّلت يده، وقلت:
أنا يا سيدي عبدك ابن هرمة. فقال: أبا إسحاق، كيف خبرك؟ قلت: بشرّ خبر بعدك أيّها الأمير، تلاعبت بي المحن، وجفاني الصّديق، ونبا بي الوطن، فلم أجد معوّلا إلاّ عليك. فو الله، ما بادرني إلاّ بدموعه، ثم قال:
ويحك، بلغ بك الجهد إلى ما ذكرت؟ فقلت: إي والله أيّها الأمير، وما أخفيته أكثر. فقال: اسكن، ولا ترع. ثم نظر إلى فتية بين يديه جلوس كأنّهم الصّقور فوثبوا، ثم استدعى أحدهم، وهمس إليه بشيء، فمضى مسرعا ثم أومأ إلى الثاني فهمس إليه، ومضى، وفعل كذلك بالثالث. ثم أقبل الأوّل ومعه خادم في يده كيس، فصبّه في حجري، فقال له أبوه: كم هذا؟ فقال: ألف وسبع مئة دينار، والله، ما كان في بيت مالك غيرها. ثم أقبل الثاني وبين يديه عبد على كتفه مثل الكاره، فصبّها بين يدي فإذا هو حليّ مختلع من حليّ بناته ونسائه، وقال لأبيه: والله، ما أبقيت لهما حليّا غير ما ترى. وأقبل الثالث ومعه غلامان معهما كارتان من فاخر ثيابه، فوضع ذلك بين يدي، ثم قال: يا ابن هرمة، أنا أعتذر إليك من قلّة ما حبوتك به، مع بعد هذه الشّقّة، وطول العهد، وسعة الأمل، ولكنّك جئتنا في آخر السّنة، وقد تقسّمت أموالنا الحقوق، ونسفتها أيدي المؤمّلين، فلن يبقى
لنا غير هذه الصّبابة، فآثرناك بها على أنفسنا، واستللناها لك من أفواهنا، ولو بعثت إليّ لأنفذت إليك منها ما يكفيك، فأتاك عفوا ولم تتجشّم إلينا سفرا ولا مشقّة، ولم تحتج إلى سوانا، وذلك لك مني أبدا ما بقيت.
فأقسمت عليك لما أصبحت [إلا] على ظهر ناقتك، وتداركت أهلك فخلّصتهم من هذه المحنة. فقمت إلى ناقتي فإذا هي قد ضعفت فقال:
ما أرى في ناقتك فضلا، يا غلام، ناقتي الفلانية. فجاء بها برحلها فكانت والله أحبّ إليّ من كلّ ما ساقه إليّ، ثم دعا بناقتين فأوقرهما بالمال والثياب وزاد يكفيني لطريقي، ووهب لي عبدين، وقال: هما يسقيان لك، ويرعيان إلى أن ترد، فإن شئت ترتبطهما وإن شئت تبيعهما. أفألام أن أغصّ حذار سخط هذا بريقي فضلا عن الماء القراح؟
مرّ يزيد بن المهلّب بأعرابيّة في خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز فقرته عنزا، فقبلها، ثم قال لابنه معاوية: ما معك من النّفقة؟ فقال: ثمان مئة دينار. فقال: ادفعها إليها. فقال: يا أبه، إنّك تريد الرّجال ولا يكون الرجال إلاّ بالمال، وبعد فهذه يرضيها اليسير، وهي لا تعرفك. فقال: إن كانت ترضى باليسير فأنا لا أرضى إلاّ بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي. ادفع إليها المال.
وذكر العتبي قال: أشرف عمر بن هبيرة الفزاري من قصره يوما
فإذا هو بأعرابيّ يقصد نحو قصره، فقال لحاجبه: إن قصدني هذا، فأوصله إليّ. فلما دنا سأله، قال: قصدت الأمير. فأدخله عليه، فلمّا مثل بين يديه قال له عمر بن هبيرة: ما خطبك؟ فقال:
أصلحك الله قلّ ما بيديفما أطيق العيال إذ كثروا
ألحّ دهر رمى بكلكلهفأرسلوني إليك وانتظروا
قال: فأخذت عمر الأريحيّة، وجعل يهتزّ في مجلسه، ثم قال:
أرسلوك إليّ وانتظروا؟ إذن والله، لا تجلس حتّى تعود إليهم غانما. وأمر له بألف دينار، وأعاده على بعيره لوقته.
وذكر رجل من الأعراب قال: نزلت برجل من طيّئ فنحر لي ناقة فأكلت منها، فلما كان الغد نحر أخرى، فقلت له: إنّ عندك من اللّحم ما يكفي ويغني. فقال: والله، إنّي لا أطعم ضيفي إلاّ لحما عبيطا قال:
وفعل ذلك في اليوم الثّالث. وفي كلّ ذلك آكل شيئا، ويأكل الطائي أكل جماعة، ثم يؤتى باللّبن فأشرب شيئا، ويشرب هو غاية الوطب. فلمّا كان في اليوم الثّالث ارتقبت غفلته، فاضطجع فلما امتلأ نوما استقت قطيعا من إبله، وأقبلت به الفجّ، فانتبه واحتظر عليّ الطريق حتّى وقف لي في مضيق منه، وألقم وتره فوق سهمه، ثم ناداني: أتطيب نفسك عنها؟ قال: فقلت له: أرني آية. قال: انظر إلى ذلك الضّبّ، إني واضع سهمي في مغرز ذنبه.
ورماه، فأندر ذنبه. قلت له: زدني. فقال: انظر إلى أعلى
فقاره. ورماه، فأثبت سهمه في الموضع، ثم قال لي: الثّالثة والله في كبدك. فقال: فقلت: شأنك إبلك. فقال: كلاّ، حتى تسوقها إلى حيث كانت. فلما انتهيت بها، قال: إنّي فكّرت في أمرك، فلم أجد لك عندي ترة تطالبني بها، وما أحسب الذي حملك على أخذ إبلي إلاّ الحاجة. فقلت: هو والله ذاك. قال: فاعمد إلى عشرين من خيارها فخذها. فقلت: إذن والله لا أفعل حتّى تسمع مدحك: والله، ما رأيت رجلا أكرم ضيافة، ولا أهدى لسبيل، ولا أرمى كفّا، ولا أوسع صدرا، ولا أرغب خوفا، ولا أكرم عفوا منك. فاستحيا، وصرف وجهه عني، ثم قال: انصرف بالقطيع مباركا لك فيه.
وقال المازنيّ: دخلت على الواثق، فقال لي: با اسمك؟ -وهي لغة للحارث بن كعب-فقلت: بكر. قال: هل لك من ولد؟ قلت:
أخيّة تحلّ منّي محلّ الولد. قال: فما كان من قولها لك عند رحيلك إلينا؟ قلت: قالت قول الأعشى:
تقول ابنتي حين جدّ الرّحيلأرانا سواء ومن قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنافإنّا بخير إذا لم ترم
ترانا إذا أضمرتك البلاد نجفى وتقطع منّا الرّحم
فقال: والله، لقد ذكّرتك بنفسها، فأحسنت، فبماذا أجبتها؟ قال:
قلت:
ثقي بالله ليس له شريكومن عند الخليفة بالنّجاح
فقال: والله، لقد أحسنت، ثق بالله ثم بالنّجاح، يا غلام، أنجحه بألف دينار. فأخذتها وانصرفت.
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: حضرت يوما بباب الرّشيد فقيل لي: هو نائم. فلقيني جعفر بن يحيى، وقال: ما الخبر؟ قلت: أمير المؤمنين نائم. فقال: قف مكانك. ومضى إلى دار الخليفة، وخرج الحاجب فأعلمه أنّه نائم، ورجع فقال: سر بنا إلى دارنا حتّى نخلو بقيّة يومنا ونأخذ في شأننا من وقتنا. فقلت: نعم. وسرنا إلى داره، ونزعنا ثيابنا، ودعي بالطعام فأكلنا وأمر بإخراج الجواري، وقال: لتبرزن، فليس عندنا من نحتشمه. فلما وضع الشّراب دعا بقميص جديد فلبسه، ودعا بخلوق فتخلّق به، ودعا لي بمثل ذلك، وجعل يغنّيني وأغنّيه، ثم دعا بالحاجب فتقدّم إليه وأمره أن لا يأذن لأحد من النّاس كافّة، وإن جاء رسول أمير المؤمنين أعلمه أنّه مشغول، واحتاط في ذلك، وتقدّم فيه إلى جميع الحجّاب والخدم. ثم قال: إن جاء عبد الملك ائذنوا له-يعني رجلا كان يأنس به ويمازحه ويحضر خلواته-ثمّ أخذنا في شأننا. فو الله إننا على حال سارّة عجيبة إذ رفع السّتر فإذا عبد الملك بن صالح الهاشمي قد أقبل، وغلط الحاجب
ولم يفرّق بين عبد الملك الذي عناه جعفر وبينه، وكان من جلالة القدر والتقشّف والامتناع من منادمة الرشيد على أمر جليل، وكان الرّشيد قد اجتهد أن يشرب قدحا معه فلم يقدر ولم يفعل رفعا لسبقه.
فلما رأيناه مقبلا، أقبل كلّ واحد منّا ينظر لصاحبه، وكاد جعفر أن ينشقّ غيظا. وفهم الرّجل حالنا، فأقبل نحونا حتّى إذا صار إلى الرّواق الذي نحن فيه نزع قلنسوته فرمى بها مع طيلسانه جانبا، ثم قال: أطعمونا شيئا. فدعا جعفر بالطعام، وهو منتفخ غيظا وغضبا، فطعم ثم دعا برطل فشربه ثم أقبل إلى المجلس الذي نحن فيه، وأخذ بعضادتي الباب، وقال: أشركونا فيما أنتم فيه. فقال له جعفر: ادخل. فدخل، ثم دعا بقميص جديد، وخلوق، فلبس وتخلّق، ثم دعا برطل فشربه ورطل حتّى شرب عدّة أرطال، ثم اندفع فغنّى، فكان والله أحسننا جميعا غناء، فلما طابت نفسه ونفس جعفر وسرّي عنه ما كان به التفت إليه، وقال له: ارفع حوائجك. فقال: ليس هذا موضع حوائج. فقال: لتفعلنّ. ولم يزل يلحّ عليه حتى قال: أمير المؤمنين عليّ واجد، وأريد أن تترضاه. قال: فإنّ أمير المؤمنين قد رضي عنك، فهات حوائجك كما أقول. قال: عليّ دين فادح. قال: هذه أربعة آلاف ألف درهم، فإن أحببت أن تقبضها من مالي السّاعة فاقبضها، فإنّه ما يمنعني إعطاءك إيّاها إلاّ أن قدرك يجلّ أن يصله مثلي، ولكنّي ضامن لك إيّاها من مال أمير المؤمنين غدا، فسل أيضا. قال: أحبّ أن تكلّم أمير المؤمنين بولدي لينوّه باسمه. فقال: قد ولاّه أمير المؤمنين مصر، وزوّجه الغالية ابنته،
وأمهرها عنه ألفي ألف درهم. قال إسحاق: فقلت في نفسي: قد سكر الرّجل-أعني جعفرا-
فلما أصبحت لم يكن لي همّة إلاّ حضور دار الرشيد، فلما دخلتها رأيت في الدار جلبة، وإذا أبو يوسف القاضي ونظراؤه قد دعي بهم، ودعي بعبد الملك بن صالح وابنه وأدخلا على الرّشيد، فقال لعبد الملك: إنّ أمير المؤمنين كان عليك واجدا وقد رضي عنك، وأمر لك بأربعة آلاف ألف درهم، فاقبضها من جعفر بن يحيى السّاعة، ثم دعا بابنه، فقال: اشهدوا أنّي زوّجته الغالية ابنة أمير المؤمنين وأمهرتها عنه من مالي ألفي ألف درهم، وولّيته مصر. قال: فلما خرج جعفر بن يحيى سألته عن الخبر. قال: بكرت إلى أمير المؤمنين، وحكيت له جميع ما جرى وما كنّا فيه حرفا حرفا ووصفت له دخول عبد الملك وما صنع، فعجب لذلك، وسرّ به فقلت له: قد ضمنت له عن أمير المؤمنين ضمانا. فقال: وما هو؟ فأعلمته، فقال: أحضره لتفي بضمانك. وأمر بإحضاره فكان ما رأيت.
قال: وقيل: كان بالجزيرة رجل يقال له خزيمة بن بشر الأسدي وكان ربّ نعمة يفضل على إخوانه ومن يقصده، فلم يزل به ذلك حتّى أنفد ماله، واحتاج إلى إخوانه فواسوه حينا ثمّ ملّوه. فلما ظهرت له منهم ملالة، قال لزوجته: إنّي رأيت من إخواني تغيّرا، وظهرت لي منهم جفوة، وقد رأيت أن ألزم بيتي، وأغلق بابي حتّى يأتي الله برزق، أو أموت. قالت:
وفّقك الله. فلزم بيته وجعل ينفق ممّا في يده.
وولي الجزيرة رجل يقال له عكرمة الفياض من ربيعة، وصادف يوم دخوله الجزيرة نفاد ما كان يتقوّت به خزيمة بن بشر فعند ذلك ذكر عكرمة ابن بشر في مجلسه، وقال: ما فعل خزيمة بن بشر الأسدي؟ فقيل له: قد صار من سوء الحال إلى ما لا يوصف. قال: فما وجد له من إخوانه كافيا ولا مواسيا؟ فقيل له: واساه بعضهم ثمّ ملّوه. فقال: واسوأتاه لهذه الأخلاق. ثم دعا خادما له يثق به، وأمره أن يتعرّف منزل خزيمة، ففعل ذلك، ثم أحضر قهرمانه وأمره أن يأتيه بأربعة آلاف دينار. ففعل ذلك، فلما كان بعد هدأة من الليل دعا بذلك الخادم، وأمره أن يحمل ذلك الكيس بين يديه. وركب دابّته بغير ضوء ولا سراج، وليس معه غير الخادم، وقصدا دار خزيمة حتى أوقفه الخادم على بابها، فأخذ الكيس ووضعه على قربوس سرجه، وأمر أن يبعد عنه الخادم، ثم قرع الباب على خزيمة، ففتح وخرج إليه، فقال له عكرمة: أنت خزيمة بن بشر؟ قال: نعم، أصلحك الله.
قال: خذ هذا فأصلح به من شأنك. فتناول منه الكيس، وقال له: من أنت جعلت فداك؟ فقال: ما جئتك في ذا الوقت وأنا أريد أن تعلم من أنا. فأخذ بعنان فرسه وقال: ما كنت لأقبل معروف من لم أعرفه. فأبى عكرمة، وألحّ عليه خزيمة، فقال: أمّا إذ أبيت فأنا جابر عثرات الكرام. قال: زدني، جعلت فداك. قال: ما عندي غير ذلك. وجذب عنان فرسه، وانصرف ودخل خزيمة منزله، فقالت له زوجته: ما وراءك؟ فقال لها: قد أتانا الله بخير عظيم، فإن كان فلوسا فهي كثيرة، فهل من سبيل إلى سراج؟ فقالت:
لا والله، مالي إليه من سبيل، ولا أقدر عليه. فحلّ الكيس، ولمس خشونة
الدّنانير، فلم يصدق لكثرتها، وبات بليلة طويلة.
ورجع عكرمة إلى منزله، وقد سألت عنه زوجته وهي ابنة عمّه، فأخبرت أنّه ركب وليس معه أحد بغير ضوء ولا سراج. فقالت: أمير الجزيرة يركب في مثل هذا الوقت على مثل هذه الحالة؟! والله ما ركب إلاّ لجارية اشتراها، أو امرأة تزوّجها، وبكت وشقّت ثوبها، ولطمت وجهها. فدخل عليها عكرمة، وقال: ما وراءك؟ فقالت: أمير الجزيرة يركب في مثل هذا الوقت على مثل هذه الحالة؟! والله، ما ركبت إلاّ لجارية اشتريتها أو امرأة تزوجتها. فقال: والله، ما كان ركوبي لشيء ظننتيه. فقالت: والله، لا أزال على هذا أو تخبرني بما ركبت له. فأخبرها، فقالت: قد وقع لي أنّ الأمر كذلك كان. وسكتت.
ثم أصبح خزيمة وقد رأى ما أتاه به من الرّزق، فعمد إلى السّوق واشترى الكسوة والخدم والدّوابّ والفرش، وتجهّز للمسير إلى سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ خليفة، وكانت له به حرمة متقدّمة فوصل إليه وهو بفلسطين فلما وقف ببابه استأذن عليه، فأذن له. فلمّا رآه قال: خزيمة بن بشر؟! قال:
نعم، خزيمة يا أمير المؤمنين. قال: ما الذي أبطأ بك عنّا؟ قال: سوء الحال. قال: فكيف قدرت الآن على الوصول؟ فأخبره بالقصّة، فقال له:
فما عرفت الرّجل؟ فقال: لا والله، يا أمير المؤمنين. فقال: والله، لو عرفنا من هو لجبرنا منه أضعاف ما جبر منك. ثم دعا بقناة، وعقد له على الجزيرة، وأمره بالخروج إليها.
فقيل لعكرمة: قد ولي خزيمة بن بشر البلد. فقال: بارك الله له فيها.
فلما قرب من البلد خرج النّاس للقائه، وخرج عكرمة فيمن خرج. فلما دخل تقدّم إلى حاجبه أن يمنع عكرمة من الانصراف إلى منزله. ففعل به ذلك باقي يومه، ثم دعا به من الغد وأمر بمحاسبته، فوجد عليه مالا كثيرا فقال: أدّ هذا المال. فقال: ما هو عندي، أصلح الله الأمير، ولا أقدر عليه. فقال:
لا بدّ من ذلك. فقال: والله، ما أنا ممّن يصون ماله بعرضه ونفسه. فأمر به إلى الحبس وثقّله بالحديد، وضيّق عليه في محبسه، فأقام في ذلك حتى أجهده الأمر وبلغ منه الضّرّ.
واتّصل خبره بابنة عمّه فدعت مولدة لها ذات عقل وأدب وقالت لها:
امضي إلى باب الأمير، وقولي للحاجب: عندي نصيحة للأمير تسرّه. وإذا سألك عنها فقولي: ما أخبر بها إلاّ الأمير. فإذا دخلت إليه فقولي: هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك؟ فبئس ما جزيته وكافيته بالحبس والضّيق والحديد.
قال: فلمّا فعلت ذلك وقصّت عليه القصّة، فلمّا سمع ذلك قال:
وا سوأتاه، وكأنّه هو؟ قالت: إي والله. فأمر من وقته بدابّته فأسرجت، وبعث إلى وجوه أهل البلد فجمعهم، وأتى بهم إلى باب السّجن، ففتح ودخل عليه هو ومن معه، وإذا بعكرمة في قاع السّجن متغيّرا، وقد أضناه الضّرّ. فلمّا نظر إليه عكرمة وإلى الناس معه احتشمه، ونكس رأسه، وجعل يبكي. وأقبل خزيمة على رجليه يقبّلها، وهو يبكي، وأقبل يقول:
وا سوأتاه من الله ومن الناس. فقال عكرمة: وما سبب هذا منك؟ قال خزيمة:
كريم فعلك، وسوء مكافأتي. فقال عكرمة: يغفر الله لنا ولك. ثم أمر الحدّاد ففكّ القيد من رجله، وأخذ خزيمة يضع القيد في رجله، فقال عكرمة: أقسم بالله لا تفعل. فخرجا جميعا إلى دار خزيمة، فودّعه عكرمة وأراد الانصراف فلم يفعل خزيمة. وأمر بالحمّام فأخليت، ودخلا جميعا وخرجا، فخلع عليه وحمله إلى منزله، وحمل إليه مالا كثيرا، ثم سار معه إلى داره، واستأذنه في الاعتذار من ابنة عمّه، واعتذر إليها وتذمّم من ذلك،
ثمّ إنّ خزيمة سأله أن يسير معه إلى الخليفة وكان بالرّملة، فسارا جميعا حتّى قدما على سليمان فدخل الحاجب، فأعلمه بقدوم خزيمة فراعه ذلك، وقال:
والي الجزيرة يقدم بغير إذن، ما هذا إلاّ لحادث عظيم.
فلما دخل عليه قال له سليمان قبل أن يسلّم عليه: ما وراءك يا خزيمة؟ قال: خير يا أمير المؤمنين. قال: فما الذي أقدمك علينا؟ قال: ظفرت بجابر عثرات الكرام، فأحببت أن يسرّك لما رأيت من تلهّفك وشوقك إليه.
قال: ومن هو؟ قال: عكرمة الفيّاض. فأذن له بالدّخول، فدخل وسلّم، وأدناه ورحّب به، فقال: يا عكرمة، ما كان إحسانك إليه إلاّ وبالا عليك.
فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، أليس كان السّبب إلى النّظر إلى وجهك؟ فقال: اكتب لنا بجميع حوائجك. ففعل، فأمر سليمان بقضاء ذلك كلّه، وأمر له بعشرة آلاف دينار وسفطين [من] ثياب، ثم أمر بإحضار قناة وعقد له على الجزيرة وإرمينية وأذربيجان، وقال: أمر خزيمة إليك إن شئت أن تبقيه، وإن شئت أن تعزله. قال: بل أردّه على عمله. ثم انصرفا فلم يزالا عاملين مدّة خلافة سليمان بن عبد الملك.
ثم تمام باب القناعة واليأس.
للشّافعيّ:
ألا يا نفس إن ترضي بقوتفأنت عزيزة أبدا غنيّه
دعي عنك المطامع والأمانيفكم أمنيّة جلبت منيّه
الخريميّ:
العيش لا عيش إلاّ ما قنعت بهقد يكثر المال والإنسان مفتقر
يا حبّذا لذّة الدّنيا وزهرتهالولا السّقام ولولا الموت والكبر
البستي:
دعوني ورسمي في عفافي فإنّنيجعلت عفافي في حياتي ديدني
فأعظم من وقع اليدين على الفتىصنيعة برّ نالها من يدي دني
آخر:
أعزّ النّاس نفسا من تراهيعزّ النّفس عن ذلّ السّؤال
ويقنع بالكفاف ولا يباليبفضل فات من جدة ومال
فكم شقّت ودقّت واسترقّتفضول العيش أعناق الرّجال
وقيل: خير الغنى القنوع، وشرّ الفقر الخضوع.
أبو الفتح البستي:
يا آمري باقتناء المال مجتهداكيما أعيش بمالي في غد رغدا
هبني بجهدي قد حصّلت رزق غدفمن ضميني بتحصيل الحياة غدا
وقال عليّ بن أبي طالب: من قنع بالرّزق استغنى عن الخلق، ومن رضي بالمقدور قنع بالميسور.
بعضهم
أتظنّ رزقك تحتويه بقوّةهيهات أنت بباطل مشغوف
رعت النّسور بقوّة جيف الفلاورعى الذّباب الشّهد وهو ضعيف
آخر:
هوّن عليك بكون ما هو كائنقضي القضاء وجفّت الأقلام
ما الرّزق من عجز ولا بجلادةلكن بما سبقت به الأقسام
آخر:
هي القناعة لا تطلب بها بدلالو لم ينلك سوى التّرفيه في البدن
وانظر إلى من حوى الدّنيا بأجمعهاهل راح منها بغير القطن والكفن
وقال أردشير: إصلاح الشّيم بالقناعة، ونموّ الفضل بالعلم.
وسئل بزرجمهر عن الرّزق فقال: إن كان قسم فلا تعجل، وإن لم يكن قد قسم فلا تتعب.
الرّزق يبغيك كما تبغيه
وأنت ميت حين تستوفيه
والدّهر فيه أبدا وفيه
من لم يكن يغنيه ما يكفيه
فكلّ ما في الأرض لا يغنيه
وقال أرسطاطاليس في وصيّته للإسكندر وعهده إليه: إذا أردت
الغنى، فاطلبه في القناعة؛ فإنّه من لم يكن له قناعة فليس المال مكفيه وإن كثر. وقد قال أوميرس الشاعر:
لا مال يكفي عند ترك القناعة
ولا خير في المرء إذا لم يكن قنوعا.
ومن وصيّة أكثم بن صيفي: من قنع بما هو فيه قرّت عينه.
وقال بعض الحكماء الذين حضروا وفاة الإسكندر: من رأى هذا الشّخص فليقنع ويمسك عن طلب الرّغائب، فإنّ عاجلها قاتل، وآجلها مهلك.
وقيل: أقلّ ما في القناعة الرّاحة.
أبو ذؤيب:
والنفس راغبة إذا رغّبتهاوإذا تردّ إلى قليل تقنع
ويقال:
العبد حرّ إذا قنعوالحرّ عبد إذا طمع
منصور الفقيه المقرئ:
إذا القوت تأتّى لـك والصّحة والأمن
وأصبحت أخا حزنفلا فارقك الحزن
وقيل: سأل عبد الملك بن مروان الهيثم بن الأسود: [ما] مالك؟ فقال: القوام من العيش، والغنى عن النّاس.
وقال بشر بن الحارث: خرج فتى في طلب الرّزق فبينما هو يمشي إذ أعيا، فأوى إلى خراب يستريح فيه، فبينما هو يدير بصره، إذا وقعت عينه على بناء فيه كتاب:
إنّي رأيتك قاعدا مستقبليفعلمت أنّك للهموم قرين
هوّن عليك وكن بربّك واثقاوأخو التّوكّل شأنه التّهوين
طرح الأذى عن نفسه في رزقهلما تيقّن أنّه مضمون
قال: فرجع الفتى إلى منزله، وقال: اللهمّ، أدّبنا أنت.
وقال أبو حازم: ثلاث من كنّ فيه كمل عقله: من عرف نفسه، وملك لسانه، وقنع بما رزقه ربّه.
ومن أمثال التّرك: انتقم من الحرص بالقناعة كما تنتقم من العدوّ بالقصاص.
ووجد في كتاب لجعفر بن يحيى أربعة أسطر مكتوبة بالذهب:
الرّزق مقسوم، والحريص محروم، والحسود مغموم.
وقال سعيد بن المسيّب: من استغنى بالله احتاج إليه الخلق.
وكان يقال: ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى.
وقال الحسن البصري: الحريص الجاهد، والقانع الزّاهد كلاهما مستوف أكله غير منتقص شيئا قدّر، فعلام التّهافت في النّار؟.
وقيل: ما استرقّ الرّجل بأمر يشبه الطّمع.
وكان يقال: أصل العفاف القناعة، وثمرتها الأحزان.
وكان يقال: من قنع مات فقره، والّذي يقنط يموت وروحه في بدنه.
وقال بعض الحكماء: اليأس حرّ، والرّجاء عبد.
وقال: ما الحرص بأذهب بعقول الرّجال من الطّمع.
وقال بعض الحكماء: الغنى والعزّ خرجا فلقيا القناعة فاستترا.
وقال مجاهد: كان يقال: عزّ المؤمن استغناؤه عن النّاس.
وقال إبراهيم بن أدهم: لا تجعل بينك وبين الله منعما، واعدد النّعم منهم عليك مغرما.
وخطب يوما عمر بن الخطاب، فقال: أيّها الناس، من يئس من شيء استغنى عنه.
ويقال: الاستكثار من الدّنيا بعد البلغة هو الحرص.
ولبعضهم:
إذا كنت تأتي المرء تعرف حقّهويجهل منك الحقّ فالتّرك أجمل
وفي الأرض منجاة، وفي الصّبر راحةوفي اليأس عمّن لا يوافيك مرحل
وقيل: من رضي بالقليل من الرّزق، رضي منه بالقليل من العمل.
إنّي رأيت وفي الأيّام تجربةللصّبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جدّ في أمر يطالبهواستصحب الصّبر إلاّ فاز بالظّفر
النص من طبعة دار صادر (١٩٩٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع