من «المطرب من أشعار أهل المغرب» لابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣هـ)
ابن أبي الخصال
أبو عبد الله محمد بن مسعود
حدثني عنه خمسون شيخاً، منهم قاضي القضاة إمام النحويين، بقية أعلام مشيخة الأندلسيين، أبو جعفر أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سعد بن مضاء اللخمي رضى الله عنه.
فمما أنشدونا له في مطرب:
وافَي وقد عَظُمتْ علىّ ذُنُوبُهفي غَيبة قَبُحت بها آثارُهُ
فَمَحَا إساَءته بها إحسانُهواستغفرتْ لذُنوبه أوتارُه
وله يعتذر من استبطاء المكاتبة:
ألم تَعْلموا والقلْبُ رَهْنٌ لَديكميُخبِّركم عَنِّي بمُضْمرِه بَعدِي
ولو قَبِلتْنِي الحادثاتُ مكانَكملأنْهبتها وَفْري وأوطأتها خدّي
ألم تعلموا أنّي وأهْلي وواحِديفِداءُ ولا أرْضَى بتَقْدِمتي وحدي
ولابن أبي الخصال تصانيف كثيرة، مستحسنة أثيرة؛ منها: كتاب ظل الغمامة وطوق الحمامة، في مناقب من خصه رسول الله ﷺ من صحابته ﵃ بالكرامة، وأحلهم بشهادته الصادقة دار المقامة. والقصيدة الموسومة بمعراج المناقب، ومنهاج الحسب الثاقب؛ في نسب رسول الله ﷺ. وما انتظم به من مناقب صحابته الأبرار. إلى غير ذلك من ترسله الفائق، وشعره الرائق، وذلك في خمس مجلدات.
وأنشدني الوزير الفقيه المحدث الفاضل الكاتب أبو عبد الله محمد ين أبي القاسم ابن عميرة المروي؛ المنسوب إلى مدينة المرية، على ما تقتضيه صناعة العربية؛ قال: حدثني بجميع تصانيفه الوزير أبو نصر الفتح بن خاقان، سامحه الله بما سلف منه وكان، وكان طبعه في الانقياد له في ميدان البلاغة سلس العنان؛ وقد قدمنا أنه قتل ذبحا، ورأوا له في تشحطه بدمائه سبحا.
فمن شعره يخاطب أبا يحيى محمد بن الحاج، وقد كان وقع بينه وبينه في بعض الأيام تنازع أدى إلى الانفصال، وتعطيل تلك البكر والآصال؛
ثم انقشعت تلك المخيلة، وتحركت فيه المودة الدخيلة؛ وأكدت تجديد ذلك العهد الرائق، وكف أيدي العوائق، فكتب إليه:
أكعبةَ عليَاءٍ وهَضْبة سُؤدَدٍورَوْضةَ مَجْدٍ بالمفَاخر تُمْطِرُ
هَنيئاً لمُلْكٍ زانَ نُورُك أفْقَهوفي صَفْحَتيه من مَضائك أسْطَر
وإني لخفَّاق الجنَاحَين كلمّاسَرَى لك ذكرٌ أو نَسيم مُعَطَّر
وقد كان واشٍ هاجَنا لتنافُرٍفَبِتُّ وأحشائي جَوًى تَتفطّر
فهل لك في وُدّ ذَوَي لك ظاهراًوباطِنُه يَنْدَى صَفَاءً ويَقْطُر
ولستُ بِعِلْقٍ بِيعَ بَخْساً وإنّنيلأرْفَعُ أعْلاقِ الزمان وأنْضَر
الأعلاق: جمع علق، وهو الشيء النفيس، فأمر الأمير ذو الوزارتين أبا عبد الله ابن أبي الخصال بمراجعته، فكتب عنه بقطعة منها:
ثَنيتَ أبا نَصْر عِنَاني وربَّماثنَتْ عَزْمةَ السَّهم المُصمم أسُطُر
ونالت هوًى ما لم تكن لَتنالَهسُيوفٌ مواضٍ أو قَنًا تَتأطّر
وما أنَا إلا مَن عرفتَ وإنّمابَطِرْتَ ودادي والمودّةُ تُبْطِر
نظرتَ بعينٍ لو نظرتَ بغيرهاأصَبْتَ وجفْنُ الرّأي وسْنَانَ يَسْطر
الوزير الحسيب العالم الأوحد:
النص من طبعة دار العلم للجميع (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع