تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب التغاير

وهو تضاد المذهبين إما في المعنى الواحد بحيث يمدح إنسان شيئاً بذمه، أو يذم ما مدحه غيره، أو يفضل شيئاً على شيء، ثم يعود فيجعل المفضول فاضلاً، أو يفعل ذلك مع غيره، فيجعل المفضول عند غيره فاضلاً، وبالعكس. فإما التفضيل بين الشيئين المتغايرين من كل وجه فلم يقل به إلا ضياء الدين بن الأثير رحمه الله تعالى، وسنأتي بتفصيل مذهبه في آخر هذا الباب، وأما مدح الإنسان ما ذمه غيره فلم أسمع فيه كقول الإمام علي ﵇ في خطبة له مدح فيها الدنيا مغايراً لنفسه في ذمها عليها، أم هي المترجمة عليك؟ متى استهوتك، أم متى غرتك؟ كم غرتك؟ بمصارع آباك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بكفيك، وكم مرضت بيديك، تبغي لهم الشفاء، وتستوصف لهم الأطباء، لم ينفع أحدهم إشفاقك، ولم تسعف فهي بطلبتك، ولم تدفع عنه بقوتك، قد مثلت لك به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك، وإن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار

موعظة لمن اتعظ بها، مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكته ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها، وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها فمثلت لهم ببلائها الإبلاء، وشوقتهم بسرورها إلى السرور، راحت بعاقبة، وابتكرت بفجيعة، ترغيباً وترهيباً، وتخويفاً وتحذيراً، فذمها رجال غداة الندامة، وحمدها آخرون يوم القيامة، ذكرتهم فذكروا، وحدثتهم فصدقوا، ووعظتهم فاتعظوا، فقلت ناظماً لمعاني هذه الخطبة على أحد طريقي البلاغة، وهو الإيجاز خفيف:

من يذم الدنيا بظلم فإنيبطريق الإنصاف أثنى عليها
وعظتنا بكل شيء لو أناحين جدت في الوعظ من مصطفيها
وأرتنا الوجهين منها فهمناللهوى بالبيان من وجهيها
نصحتنا فلم نر النصح نصحاًحين أبدت لأهلها ما لديها
أعلمتنا أن المآل يقيناللبلى حين جددت عصريها
كم أرتنا مصارع الأهل والأح؟باب لو نستفيق بين يديها
ولكم مهجة بزهرتها اغتررت فأدمت ندامة كفيها
أتراها أبقت على سبإ منقبلنا حين بدلت جنتيها
يوم بؤس لها ويوم رخاءفتزود ما شئت من يوميها
وتيقن زوال ذاك وهذاتسل عما تراه من حادثيها
دار زاد لمن تزود منهاوغرور لمن يميل إليها
مهبط الوحي والمصلى التي كمعفرت صورة بها خديها
متجر الأولياء قد ربحوا الجن؟نة فيها وأوردوا عينيها
رغبت ثم رهبت ليرى كل؟ل لبيب عقباه من حالتيها
فإذا أنصفت تعين أن يث؟نى عليها ذو البر من ولديها

وأما قوله مغايراً لنفسه فإنه في أكثر كلامه يذم الدنيا، ومنه قوله: يا دنيا أبي تعرضت، أم إلي تشوفت؟ هيهات هيهات، غري غيري، قد بنتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق.

وروى له ﵇ في ذلك سريع:

يا مؤثر الدنيا على دينهوالتائه الحيران في قصده
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «يا مؤثر الدنيا على دينه»
أصبحت ترجو الخلد فيها وقدأبرز ناب الموت عن حده
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «يا مؤثر الدنيا على دينه»
هيهات، إن الموت ذو أسهممن يرمه يوماً بها يرده
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «يا مؤثر الدنيا على دينه»
لا يشرح الواعظ صدر امرئلم يعزم الله على رشده

وأما ما جاء من ذلك في الشعر، فقول بعض العرب يمدح قوماً بالأنفة كامل:

لا يشربون دماءهم بأكفهمإن الدماء الشافيات تكال

فإنه وصف هؤلاء القوم بالأنفة من أخذ الدية عن قتلاهم، فيصير حاصل ما يأخذونه شربهم اللبن، فكأنهم شربوا دماءهم، ثم قال: إن مثل هذا الدم لا يشفي، وإنما يشفي من الدماء ما أخذه مكايلة صاعاً بصاع، يعني دماً بدم كفء، فحاصل معناه أن الدماء تكال؛ وقال الآخر مغايراً لهذا المعنى وقد قتل بقتيله دونه معتذراً عن ذلك، مغايراً للمعنى الأول طويل:

فيقتل خير بامرئ لم يكن لهوفاء ولكن لا تكايل بالدم

ويروى: لم يكن له بواء بباء موضع الفاء، أي كفء مأخوذ من قولهم لمن يقتلونه في دم: بؤبدم فلان، فذهب هذا القائل إلى أن قتيله لا نظير له، فلو ذهب إلى أنه لا يقبل به إلا كفأه لطاح دمه هدراً، إذ لم يجد له كفؤاً، فلهذا اضطر إلى قتل من دونه، ثم قال: لا تكايل بالدم، مستدلاً بذلك القول على صحة ما أتاه، لكون أرباب الدماء متفاوتي الدرجات، فلا تتكافأ دماؤهم، هذا مذهب الجاهلية، قد أتى الإسلام بخلافه، قال رسول الله ﷺ: " المسلمون تتكافأ دماؤهم " ولهذا قال عمر ﵁ لجبلة: الإسلام ساوى بينكما فتغاير المعنيان، وهما مع المغايرة صحيحان، وقد أتى حكم الله في كتابه العزيز مغايراً هذا الحكم، فقوله تعالى: " ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل " وقوله: " الحر بالحر والعبد

بالعبد والأنثى بالأنثى " مما يصحح قول رسول الله ﷺ: " تتكافأ دماؤهم "؛ وقد غايرت أحكام القرآن العزيز أحكام الجاهلية في عدة مواضع، وذم من ابتغى حكم الجاهلية، ومن ذلك ذم الظلم وأهله، وقد كانت العرب تمدحه وتمدح به وأشياء غير ذلك.

ومن هذا قول أبي تمام يغاير جميع الناس في تفضيل التكرم على الكرم، بقوله لأبي سعيد الثغري خفيف:

قد بلونا أبا سعيد حديثاًوبلونا أبا سعيد قديما
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إن عهدا لو تعلمان ذميما»
ووردناه سائحاً وقليباًودعيناه بارضاً وجميما
فعلمنا أن ليس إلا بشق الن؟نفس صار الكريم يدعى كريما
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إن عهدا لو تعلمان ذميما»

ثم غايره المتنبي فقال على الطريق المألوف منسرح:

لو كفر العالمون نعمتهلما عدت نفسه سجاياها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
كالشمس لا تبتغي بما صنعتمنفعة عندهم ولا جاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

وهذا المعنى من قول أبي تمام بسيط

لا يتعب النائل المبذول همتهوكيف يتعب عين الناظر النظر
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»

وكل ذلك من قول بشار خفيف:

ليس يعطيك للرجاء لوا الخوف ولكن يلذ طعم العطاء

وأبو تمام أخذ معناه الذي غاير فيه الناس من قبل إبراهيم بن سيار، النظام، لأنه غاير فيه جميع العلماء في استدلاله على أن شكر المنعم لا يجب عقلاً ولا شرعاً، وقال في نظم الدليل كلاماً نقحته وحررته فقلت: المعطي لا يعدو بعطائه أحد أربعة أقسام حاصرة: إما للخوف، وإما للرجاء، وإما لطلب الثناء، وإما للعشق في العطاء.

فأما المعطي للخوف، فحثه على ذلك العطاء اتقاؤه ما خافه بعطائه، فلا يجب شكره، والمعطي للرجاء إما أن يرجو المكافأة عن عطائه ممن أعطاه، أو يرجو بذلك ثواب الله، وهو في كلتا حالتيه لا يجب شكره، والمعطي لطلب الثناء حق عطائه أن يثنى عليه، فإذا أثنى عليه، فقد سقط حقه، فلا يجب شكره، والمعطي للعشق في العطاء، مسكن بعطائه غليل قلبه، ومنفس به من كربه، فلا يجب شكره، ووجه الرد على النظام أن يقال: المعطي لطلب الثناء، إما أن يكون عطاؤه موجباً للثناء عليه، أو لا يكون، فإن كان الأول فقد وجب شكر المنعم، وإن كان الثاني فقد فسد التقسيم الأول، وصار للعطاء قسم خامس لغير العلل التي علل بها، ولم تبق علة لهذا التقسيم من العطاء سوى التبذير والعبث، وهذا القسم مرفوض لا يستحق الكلام عليه، فإن قيل المعطي للثناء قد يثني عليه وقد لا يثنى فإن أثنى عليه فقد سقط حقه، فلا يجب شكره، وإن لم يثن عليه خلا عطاؤه عن الفائدة.

قلت: القعود عن أداء الواجب لا يسقط الواجب، فإن تارك الصلاة لا يسقط إخلاله بهذا الواجب وجوبها، ولا يخلو المثنى على المعطي لطلب

الثناء إما أن يكون فعل واجباً، فقد وجب شكر المعطي، وإما أن يكون ما فعله غير واجب فقد صار العطاء لا للثناء. ثم أقول: المعطي رغبة في الثناء لا يخلو إما أن يكون المثنى فعل بثنائه واجباً أولاً، فإن كان الأول فقد وجب شكر المنعم، وإن كان الثاني، فإما أن يكون عدم الثناء عليه من جهة تقصير المعطي، فقد بينا أن الإخلال لا يسقط وجوب الشكر، فإن قلت: إنما أثنى المثنى عليه تفضيلاً. قلت: هذا محال لأنه تقدم منه العطاء ليشتري به الثناء، فثناء المعطى ثمن لإنعام المعطي، فكيف يعد تفضلاً؟! فقد ثبت وجوب شكر المنعم، وفسد تقسيم النظام، ثم قول القائل: لا يخلو المعطي للثناء، إما أن يثني عليه وإما أن لا يثني عليه لازم في جميع الأقسام، فإن المعطي لطلب المكافأة. إما أن يكافأ، وإما أن لا يكافأ، وكذلك المعطى للخوف، ولم يبق قسم لا يدخله هذا الاحتمال، سوى المعطي للعشق في العطاء، فإنه وإن لم يجب شكره على نفس العطاء لكونه مسكناً به غليل قلبه، ومشبعاً غرض نفسه، فهو مشكور على عشق أحسن الخلال، وأكرم الفعال، وكيف لا يستحق المنعم الشكر، والمنعم على كل تقدير أحد رجلين: رجل مطبوع على العطاء مجبول عليه، فهو مشكور على كرم طبع، وسماحة جبلته، ورجل غير مطبوع على ذلك فهو يجاهد نفسه، ويغلب طبعه على التكرم حتى يتعمد العطاء ويتكلف الحباء، وهذا كما قال سيد المرسلين محمد ﷺ: " إنما

الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تخاف الفقر وتأمل الغنى ". ومن هنا قال أبو تمام خفيف:

فعلمنا أن ليس إلا بشق الن؟نفس صار الكريم يدعى كريما
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إن عهدا لو تعلمان ذميما»

ولقد أحسن المتنبي حين أخذ هذا المعنى من أبي تمام، وزاد عليه ونقله من فن المدح إلى فن الأدب، فقال مخرجاً ذلك مخرج المثل بسيط

لولا المشقة ساد الناس كلهمالجود يفقر والإقدام قتال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

ومن التغاير تفضيل القلم على السيف، والمعتاد عكس ذل، ويدل عليه قول البحتري في صاحب خراسان المعروف بابن هرمة بسيط

تعنو له وزراء الملك راغبةوعادة السيف أن يستخدم القلما

وما سمعت في هذا المعنى مثل قول ابن الرومي بسيط

إن يخدم القلم السيف الذي خضعتله الرقاب ودانت خوفه الأمم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «إن يخدم القلم السيف الذي خضعت»
فالموت والموت لا شيء يعادلهما زال يتبع ما يجري به القلم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريتأن السيوف لها مذ أرهفت خدم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «إن يخدم القلمَ السيفُ الذي خضعتْ »

وغايره المتنبي فقال على الطريق المألوف بسيط

حتى رجعت وأقلامي قوائل ليالمجد للسيف ليس المجد للقلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حتام نحن نساري النجم في الظلم»
أكتب بها أبداً قبل الكتاب بنافإنما نحن للأسياف كالخدم

فانظر إلى تقصير المتنبي في المعاني وسبكها، وإلى كونه قليل الابتكار لا يتوكأ إلا على المعاني المطروقة، ولا يرى فيها إلا تابعاً مقصراً، فإنه أخذ هذا المعنى من قول أبي تمام بسيط

السيف أصدق أنباء من الكتب

فإن حاصل بيت المتنبي مأخوذ من هذا الصدر، ليس في بيته زائد على ما في الصدر، سوى ما أخذه من ابن الرومي وقصر وهو قوله في العجز:

فإنما نحن للأسياف كالخدم

لأن ابن الرومي جعل السيوف خدماً للأقلام، والمتنبي جعلها كالخدم، وفرق بين عين الشيء وبشبيهه، ولا يقال: إن صدر بيت المتنبي هو المأخوذ من صدر بيت أبي تمام، فلم قلت: إن بيت المتنبي كله مأخوذ من صدر بيت أبي تمام، لأني أقول: صدر بيت المتنبي مفتقر لما قبله، أو

لتقديم ما بعده، لما فيه من الضمائر الظاهرة والمستترة التي متى أفرد لا يوجد فيه ما يعود عليه، فلا يكمل معناه الذي أخذه من بيت أبي تمام حتى يقدر تقديم العجز، فيصير تقدير البيت: نحن للأسياف كالخدم فاكتب بالأسياف قبل أن تكتب بنا، وحاصل هذا كله قول أبي تمام:

السيف أصدق أنباء من الكتب

فلم يرض أبو تمام أن يقول: السيف أصدق أنباء من القلم حتى قال: من الكتب التي لا تكتب إلا بالقلم، والدواة والقرطاس، والكاتب المطلق اليد واللسان والجنان فالحظ الفرق بين كلامه، وكلام المتنبي لتعلم مقدار ما بينهما.

وقد غاير ابن الرومي الناس في إبطال فائدة التناسي حيث قال خفيف:

ومعز عن الشباب مؤسبمشيب اللدات والأتراب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا شبابي وأين مني شبابي»
قلت لما انتحى يعد أساةمن مصاب يشيبه ومصاب
ليس تأسو كلوم غيري كلوميما بهم ما بهم وما بي ما بي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا شبابي وأين مني شبابي»

فإنه غاير القائل طويل:

ولولا الأسى ما عشت في الناس بعدهولكن متى ما شئت جاوبني مثلي
للشاعر حريث بن زيد الخيل، اقرأ القصيدة

وأمثاله كثير، وكل ما أتيت به مما غاير فيه الشعراء بعضهم بعضاً.

وأما ما يغاير الشاعر فيه نفسه، فكقول الفرزدق طويل:

؟ ألم تسمعا يا بني حكيم حنينهاإلى السيف تستبكي إذا لم تعقر

فذكر أن إبله تحن إلى السيف لإلفها به إذا لم يعقرها للضيفان.

وقال يصفها بالجزع من الموت طويل:

ترى النيب من ضيفي إذا ما رأينهضموراً على جراتها ما يجيرها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فرب ربيع بالبلاليق قد رعت»

وهذا من قول بعض الشعراء يمدح رسول الله ﷺ كامل:

وأبيك حقاً إن إبل محمدعزل نوائح أن تهب شمال
وإذا رأين لدى الفناء غريبةفدموعهن على الخدود سجال

يقول هذا الشاعر: إذا هبت الشمال، وهي من ريح الشتاء، وهبوبها من علامات المحل، أيقنت هذه الإبل أن رسول الله ﷺ ينحرها للضيفان والجيران، فهي نوائح لذلك، واستعار لها لفظة عزل: من الرجال الذين لا سلاح معهم يدفعون به عنهم، أي هي لا تمانع؛ ثم قال في البيت الثاني: وإذا رأين ناقة غريبة عرفن أنها ناقة ضيف فتذرى

كل واحدة دمعها لا تدري أهي المنحورة أم غيرها؟ وقوله حقاً بعد القسم ليست من الحشو الذي تسد به الأبيات لإقامة الوزن، وإنما هي مؤكدة لصدق القسم، إذ المدح في رسول الله ﷺ، ولو كان في غيره لكانت حشواً لا يفيد إلا إقامة الوزن، وهذا من دقيق ما في الشعر، وهو من لطيف المدح، وقل كل مدح في حق رسول الله ﷺ، ومثل هذا التتميم الذي وقع لهذا الشاعر ﵁ في المدح تتميم وقع للأخطل في الهجاء حيث قال بسيط

وأقسم المجد حقاً لا يحالفهمحتى يحالف بطن الراحة الشعر

ومن التغاير ما قاله زبان بن منظور الفزري، وقد اتفق مع النابغة على الغزو، فوقعت جواده على النابغة، فتطير بها ورجع، ومضى زبان فغنم وسلم، فقال النابغة وافر:

تعلم أنه لا طير إلاعلى متطير وهو الثبور
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة
بلى شيء يوافق بعض شيءأحاييناً وباطله كثير
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة
ومن ينزح به لا بد يوماًيجيء به نعي أو بشير
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة

فغاير النابغة معظم العرب في ذلك، وأعجبني مقاله لموافقته قول رسول الله ﷺ " لا هامة ولا طيرة ولا صفر ".

وهذه أمثلة التغاير في المعنى الواحد.

وأما تغاير المعنيين المتضادين فإن الترجيح بينهما راجع إلى النظر في مفردات الألفاظ وتركيبها لتعلم كم في كل كلام منهما من ضروب العيوب،

وأنواع المحاسن، ويقابل كل ضرب بضرب مثله: فما كانت محاسنه، أكثر وعيوبه أقل كان أفضل من الآخر، وهذا هو الذي أشار إليه ضياء الدين بن الأثير، ووعدت في أول هذا الباب بذكره، فإنه أيضاً غاير النقاد في هذا المكان، إذ عادتهم ألا يرجحوا بين الكلامين إلا إذا اشتركا في معنى واحد والله أعلم.

ومثال ما تقع فيه المفاضلة بين الكلامين المختلفي المعنى قول الله ﷾: " وقيل يا أرض ابلعي ماءك " وقال ﷿: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " الآية، فإن الأولى في الطبقة العليا من البلاغة والفصاحة، والثانية في الطبقة الوسطى بالنسبة إليها، لأن الثانية وإن كانت بليغة فالأولى أبلغ، وإن كنت كثيرة المعاني، فالأولى أكثر، فالأولى أفضل مع كون مقصد الاثنين مغايراً مختلفاً، وعلى هذا فقس ترشد والله ﷿ أعلم.

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجز الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.