تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب في الإطناب والإيجاز لبعض الأبواب السابقة

(باب) بسم الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اللهم جنّبنا فضول القول، والثقة بما عندنا، ولا تجعلنا من المتكلّفين.

قد قلنا في الخطوط ومرافقها، وفي عموم منافعها، وكيف كانت الحاجة إلى استخراجها، وكيف اختلفت صورها على قدر اختلاف طبائع أهلها، وكيف كانت ضرورتهم إلى وضعها، وكيف كانت تكون الخلّة عند فقدها.

وقلنا في العقد ولم تكلّفوه، وفي الإشارة ولم اجتلبوها، ولم شبّهوا جميع ذلك ببيان اللّسان حتى سموه بالبيان، ولم قالوا: القلم أحد اللسانين، والعين أنمّ من اللّسان.

وقلنا في الحاجة إلى المنطق وعموم نفعه، وشدة الحاجة إليه، وكيف صار أعمّ نفعا، ولجميع هذه الأشكال أصلا، وصار هو المشتقّ منه، والمحمول عليه، وكيف جعلنا دلالة الأجسام الصامتة نطقا والبرهان الذي في الأجرام الجامدة بيانا.

وذكرنا جملة القول في الكلب والدّيك في الجزأين الأوّلين، وذكرنا جملة القول في الحمام، وفي الذّبّان، وفي الغربان، وفي الخنافس، وفي الجعلان، إلّا ما بقي من فضل القول فيهما، فإنّا قد أخرنا ذلك، لدخوله في باب الحشرات، وصواب موقعهما في باب القول في الهمج- في الجزء الثالث.

وإذا سمعت ما أودعها الله تعالى من عظيم الصّنعة، وما فطرها الله تعالى عليه من غريب المعرفة، وما أجرى بأسبابها من المنافع الكثيرة، والمحن العظيمة، وما جعل فيها من الدّاء والدّواء- أجللتها أن تسميها همجا، وأكبرت الصنف الآخر أن تسمّيه حشرة، وعلمت أنّ أقدار الحيوان ليست على قدر الاستحسان، ولا على أقدار الأثمان.

وذكرنا جملة القول في الذّرّة والنّملة، وفي القرد والخنزير، وفي الحيّات والنّعام، وبعض القول في النّار في الجزء الرابع.

والنار- حفظك الله- وإن لم تكن من الحيوان، فقد كان جرى من السّبب المتّصل بذكرها، ومن القول المضمر بما فيها، ما أوجب ذكرها والإخبار عن جملة القول فيها.

وقد ذكرنا بقيّة القول في النّار، ثمّ جملة القول في العصافير، ثمّ جملة القول في الجرذان والسّنانير والعقارب. ولجمع هذه الأجناس في باب واحد سبب سيعرفه من قرأه، ويتبيّنه من رآه! ثمّ القول في القمل والبراغيث والبعوض، ثمّ القول في العنكبوت و؟؟؟

القول في الحبارى، ثمّ القول في الضّأن والمعز، ثمّ القول في الضفادع والجراد؟؟؟

القول في القطا.

وقد بقيت- أبقاك الله تعالى- أبواب توجب الإطالة، وتحوج إلى الإطناب.

وليس بإطالة ما لم يجاوز مقدار الحاجة، ووقف عند منتهى البغية.

وإنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، وقليلها لقليلها، وشريفها لشريفها، وسخيفها لسخيفها. والمعاني المفردة، البائنة بصورها وجهاتها، تحتاج من الألفاظ إلى أقلّ مما تحتاج إليه المعاني المشتركة، والجهات الملتبسة.

ولو جهد جميع أهل البلاغة أن يخبروا من دونهم عن هذه المعاني، بكلام وجيز يغني عن التفسير باللّسان، والإشارة باليد والرأس- لما قدروا عليه.

وقد قال الأوّل: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون!».

وليس ينبغي للعاقل أن يسوم اللّغات ما ليس في طاقتها. ويسوم النّفوس ما ليس في جبلّتها. ولذلك صار يحتاج صاحب كتاب المنطق إلى أن يفسّره لمن

طلب من قبله علم المنطق، وإن كان المتكلم رفيق اللّسان، حسن البيان، إلّا أنّي لا أشكّ على حال أنّ النفوس إذ كانت إلى الطّرائف أحنّ، وبالنّوادر أشغف، وإلى قصار الأحاديث أميل، وبها أصبّ- أنّها خليقة لاستثقال الكثير، وإن استحقّت تلك المعاني الكثيرة، وإن كان ذلك الطّويل أنفع، وذلك الكثير أردّ.

وسنبدأ بعون الله تعالى وتأييده، بالقول في الحشرات والهمج، وصغار السباع، والمجهولات الخاملة الذّكر من البهائم، ونجعل ذلك كله بابا واحدا، ونتّكل، بعد صنع الله تعالى، على أنّ ذلك الباب إذ كان أبوابا كثيرة، وأسماء مختلفة- أنّ القارئ لها لا يملّ بابا حتّى يخرجه الثّاني إلى خلافه، وكذلك يكون مقام الثّالث من الرّابع، والرّابع من الخامس، والخامس من السّادس.

وليس الذي يعتمد عليه من شأن الحيوان عظم الجثة، ولا كثرة العدد، ولا ثقل الوزن! والغاية التي يجرى إليها، والغرض الذي نرمي إليه غير ذلك، لأن خلق البعوضة وما فيها من عجيب التركيب، ومن غريب العمل، كخلق الذّرّة وما فيها من عجيب التركيب، ومن الأحساس الصّادقة، والتدابير الحسنة، ومن الرويّة والنظر في العاقبة، والاختيار لكلّ ما فيه صلاح المعيشة، ومع ما فيها من البرهانات النيرة، والحجج الظّاهرة.

وكذلك خلق السّرفة وعجيب تركيبها، وصنعة كفّها، ونظرها في عواقب أمرها.

وكذا خلق النّحلة مع ما فيها من غريب الحكم، وعجيب التّدبير، ومن التقدّم فيما يعيشها، والادخار ليوم العجز عن كسبها، وشمّها ما لا يشمّ، ورؤيتها لما لا يرى، وحسن هدايتها، والتّدبير في التأمير عليها، وطاعة ساداتها، وتقسيط أجناس الأعمال بينها، على أقدار معارفها وقوّة أبدانها.

فهذه النّحلة، وإن كانت ذبابة، فانظر قبل كل شيء في ضروب انتفاع ضروب الناس فيها، فإنّك تجدها أكبر من الجبل الشامخ، والفضاء الواسع.

وكلّ شيء وإن كان فيه من العجب العاجب، ومن البرهان النّاصع، ما يوسّع فكر العاقل، ويملأ صدر المفكّر، فإنّ بعض الأمور أكثر أعجوبة، وأظهر علامة. وكما تختلف برهاناتها في الغموض والظّهور، فكذلك تختلف في طبقات الكثرة، وإن شملتها الكثرة، ووقع عليها اسم البرهان.

ولعلّ هذا الجزء الذي نبتدئ فيه بذكر ما في الحشرات والهمج، أن يفضل من ورقه شيء، فنرفعه ونتمّه بجملة القول في الظّباء والذئاب، فإنّهما بابان يقصران عن الطوال، ويزيدان على القصار.

وقد بقي من الأبواب المتوسّطة والمقتصدة المعتدلة، التي قد أخذت من القصر لمن طلب القصر بحظّ، ومن الطّول لمن طلب الطّول بحظّ وهو القول في البقر، والقول في الحمير، والقول في كبار السّباع وأشرافها، ورؤسائها، وذوي النّباهة منها، كالأسد والنّمر، والببر وأشباه ذلك، مما يجمع قوّة أصل النّاب، والذّرب، وشحو الفم، والسّبعيّة وحدّة البرثن، وتمكّنه في العصب، وشدّة القلب وصرامته عند الحاجة، ووثاقة خلق البدن، وقوّته على الوثب.

وسنذكر تسالم المتسالمة منها، وتعادي المتعادية منها، وما الذي أصلح بينها على السّبعيّة الصّرف، واستواء حالها في اقتيات اللّحمان، حتّى ربّما استوت فريستها في الجنس.

وقد شاهدنا غير هذه الأجناس يكون تعاديها من قبل هذه الأمور التي ذكرناها.

وليس فيما بين هذه السّباع بأعيانها تفاوت في الشّدّة، فتكون كالأسد الذي يطلب الفهد ليأكله، والفهد لا يطمع فيه ولا يأكله. فوجدنا التّكافؤ في القوّة والآلة من أسباب التّفاسد. وإنّ ذلك ليعمل في طباع عقلاء الإنس حتّى يخرجوا إلى تهارش السّباع، فما بالها لم تعمل هذا العمل في أنفس السّباع؟!

وسنذكر علّة التسالم وعلّة التعادي، ولم طبعت رؤساء السّباع على الغفلة وبعض ما يدخل في باب الكرم، دون صغار السّباع وسفلتها، وحاشيتها وحشوها، وكذلك أوساطها، والمعتدلة الآلة والأسر منها.

ولم نذكر، بحمد الله تعالى، شيئا من هذه الغرائب، وطريفة من هذه الطرائف إلا ومعها شاهد من كتاب منزل، أو حديث مأثور، أو خبر مستفيض، أو شعر معروف، أو مثل مضروب، أو يكون ذلك ممّا يشهد عليه الطبيب، ومن قد أكثر قراءة الكتب، أو بعض من قد مارس الأسفار، وركب البحار، وسكن الصّحاري واستذرى بالهضاب، ودخل في الغياض، ومشى في بطون الأودية.

وقد رأينا أقواما يدّعون في كتبهم الغرائب الكثيرة، والأمور البديعة، ويخاطرون من أجل ذلك بمروءاتهم، ويعرّضون أقدارهم، ويسلّطون السّفهاء على أعراضهم، ويجترّون سوء الظّنّ إلى أخبارهم، ويحكّمون حسّاد النّعم في كتبهم، ويمكّنون لهم من مقالتهم. وبعضهم يتّكل على حسن الظّنّ بهم، أو على التسليم لهم، والتقليد لدعواهم. وأحسنهم حالا من يحبّ أن يتفضّل عليه ببسط العذر له، ويتكلّف الاحتجاج عنه، ولا يبالي أن يمنّ بذلك على عقبه، أو من دان بدينه، أو اقتبس ذلك العلم من قبل كتبه.

ونحن حفظك الله تعالى، إذا استنطقنا الشّاهد، وأحلنا على المثل، فالخصومة حينئذ إنّما هي بينهم وبينها، إذ كنّا نحن لم نستشهد إلّا بما ذكرنا. وفيما ذكرنا مقنع عند علمائنا، إلّا أن يكون شيء يثبت بالقياس، أو يبطل بالقياس، فواضع الكتاب ضامن لتخليصه وتلخيصه، ولتثبيته وإظهار حجّته.

فأمّا الأبواب الكبار فمثل القول في الإبل، والقول في فضيلة الإنسان على جميع الحيوان، كفضل الحيوان على جميع النامي، وفضل النّامي على جميع الجماد.

وليس يدخل في هذا الباب القول فيما قسم الله، ﷿، لبعض البقاع من التّعظيم دون بعض، ولا فيما قسم من السّاعات والليالي، والأيّام والشّهور وأشباه ذلك، لأنّه معنى يرجع إلى المختبرين بذلك، من الملائكة والجنّ والآدميّين.

فمن أبواب الكبار القول في فصل ما بين الذّكورة والإناث، وفي فصل ما بين الرّجل والمرأة خاصّة.

وقد يدخل في القول في الإنسان ذكر اختلاف النّاس في الأعمار، وفي طول الأجسام، وفي مقادير العقول، وفي تفاضل الصّناعات، وكيف قال من قال في تقديم الأوّل، وكيف قال من قال في تقديم الآخر.

فأما الأبواب الأخر، كفضل الملك على الإنسان، وفضل الإنسان على الجانّ، وهي جملة القول في اختلاف جواهرهم، وفي أيّ موضع يتشاكلون، وفي أيّ موضع يختلفون؛ فإن هذه من الأبواب المعتدلة في القصر والطّول.

وليس من الأبواب باب إلّا وقد يدخله نتف من أبواب أخر على قدر ما يتعلّق بها من الأسباب، ويعرض فيه من التضمين. ولعلك أن تكون بها أشدّ انتفاعا.

وعلى أني ربما وشّحت هذا الكتاب وفصّلت فيه بين الجزء والجزء بنوادر كلام، وطرف أخبار، وغرر أشعار، مع طرف مضاحيك. ولولا الذي نحاول من استعطاف على استتمام انتفاعكم لقد كنّا تسخّفنا وسخّفنا شأن كتابنا هذا.

وإذا علم الله تعالى موقع النّيّة، وجهة القصد، أعان على السّلامة من كلّ مخوف

ولم نجعل لما يسكن الملح والعذوبة، والأنهار والأدوية، والمناقع والمياه الجارية، من السّمك وممّا يخالف السّمك، ممّا يعيش مع السمك- بابا مجرّدا، لأنّي لم أجد في أكثره شعرا يجمع الشّاهد ويوثق منه بحسن الوصف، وينشّط بما فيه من غير ذلك للقراءة. ولم يكن الشّاهد عليه إلّا أخبار البحريّين، وهم قوم لا

يعدّون القول في باب الفعل، وكلّما كان الخبر أغرب كانوا به أشدّ عجبا، مع عبارة غثّة، ومخارج سمجة.

وفيه عيب آخر: وهو أنّ معه من الطّول والكثرة ما لا تحتملونه، ولو غنّاكم بجميعه مخارق، وضرب عليه زلزل، وزمر به برصوما، فلذلك لم أتعرّض له.

وقد أكثر في هذا الباب أرسطاطاليس، ولم أجد في كتابه على ذلك من الشّاهد إلّا دعواه.

ولقد قلت لرجل من البحريّين: زعم أرسطاطاليس أنّ السّمكة لا تبتلع الطّعم أبدا إلّا ومعه شيء من ماء، مع سعة المدخل، وشرّ النفس. فكان من جوابه أن قال لي: ما يعلم هذا إلّا من كان سمكة مرّة، أو أخبرته به سمكة، أو حدّثه بذلك الحواريّون أصحاب عيسى، فإنهم كانوا صيّادين، وكانوا تلامذة المسيح.

وهذا البحريّ صاحب كلام، وهو يتكلّف معرفة العلل. وهذا كان جوابه.

ولكني لن أدع ذكر بعض ما وجدته في الأشعار والأخبار، أو كان مشهورا عند من ينزل الأسياف وشطوط الأودية والأنهار، ويعرفه السّمّاكون، ويقرّ به الأطبّاء- بقدر ما أمكن من القول.

وقد روى لنا غير واحد من أصحاب الأخبار، أنّ إياس بن معاوية زعم أنّ الشّبّوطة كالبغل، وأنّ أمّها بنيّة، وأباها زجر، وأنّ من الدّليل على ذلك أنّ الناس لم يجدوا في بطن شبّوطة قطّ بيضا.

وأنا أخبرك أنّي قد وجدته فيها مرارا، ولكنّي وجدته أصغر جثّة، وأبعد من الطّيب، ولم أجده عامّا كما أجده في بطون جميع السمك.

فهذا قول أبي واثلة إياس بن معاوية المزني الفقيه القاضي، وصاحب الإزكان، وأقوف من كرز بن علقمة، داهية مضر في زمانه، ومفخر من مفاخر العرب.

فكيف أسكن بعد هذا إلى أخبار البحريّين، وأحاديث السمّاكين، وإلى ما في كتاب رجل لعلّه أن لو وجد هذا المترجم أن يقيمه على المصطبة، ويبرأ إلى النّاس من كذبه عليه، ومن إفساد معانيه بسوء ترجمته.

والذي حضرني من أسماء الحشرات، ممّا يرجع عمود صورها إلى قالب واحد، وإن اختلفت بعد ذلك في أمور. فأوّل ما نذكر من ذلك الضبّ.

والأجناس التي ترجع إلى صورة الضّبّ: الورل، والحرباء، والوحرة، والحلكة، وشحمة الأرض، وكذلك العظاء، والوزغ، والحرذون. وقال أبو زيد:

وذكر العظاية هو العضرفوط. ويقال في أمّ حبين حبينة وأشباهها مما يسكن الماء الرّقّ، والسّلحفا، والغيلم، والتّمساح، وما أشبه ذلك.

وممّا نحن قائلون في شأنه من الحشرات: الظربان، والعثّ والحفّاث والعربد، والعضرفوط، والوبر، وأم حبين، والجعل، والقرنبى والدّسّاس، والخنفساء، والحيّة، والعقرب، والشّبث والرّتيلاء، والطّبّوع،

والحرقوص، والدّلم، وقملة النّسر، والمثل، والنّبر، وهي دويبّة إذا دبّت على جلد البعير تورّم، ولذلك يقول الشاعر، وهو يصف إبله بالسّمن:

كأنّها من بدن واستيقاردبّت عليها ذربات الأنبار

وقال الآخر:

حمر تحقّنت النّجيل كأنمابجلودهن مدارج الأنبار

والضّمج، والقنفذ، والنّمل، والذّرّ، والدّساس، [ومنها ما] تتشاكل في وجوه، وتختلف من وجوه: كالفأر والجرذان والزباب، والخلد واليربوع، وابن عرس، وابن مقرض ومنها العنكبوت الذي يقال له منونة، وهي شرّ من الجرّارة والضّمج.

وسنقول في الأجناس التي يكون في الجنس منها الوحشيّ والأهليّ، كالفيلة، والخنازير، والبقر، والحمير، والسّنانير.

والظّباء قد تدجن وتولّد على صعوبة فيها. وليس في أجناس الإبل جنس وحشيّ، إلّا في قول الأعراب.

وممّا يكون أهليّا ولا يكون وحشيّا وهو سبع- الكلاب وليس يتوحّش منها إلّا الكلب الكلب. فأمّا الضّباع والذّئاب، والأسد، والنمور، والببور، والثعالب، وبنات آوى، فوحشيّة كلها، وقد يقلّم الأسد وتنزع أنيابه، ويطول ثواؤه مع الناس حتى يهرم مع ذلك، ويحسّ بعجزه عن الصّيد، ثمّ هو في ذلك لا يؤتمن عرامه ولا شروده، إذا انفرد عن سوّاسه، وأبصر غيضة قدّامها صحراء.

وقد كان بعض الأعراب ربّى جرو ذئب صغيرا، حتّى شبّ، وظنّ أنه يكون أغنى غناء من الكلب، وأقوى على الذّبّ عن الماشية، فلمّا قوي شيئا وثب على شاة فذبحها- وكذلك يصنع الذّئب- ثمّ أكل منها فلمّا أبصر الرّجل أمره قال:

أكلت شويهتي وربيت فينافمن أنباك أنّ أباك ذيب

وقد أنكر ناس من أصحابنا هذا الحديث، وقالوا: لم يكن ليألفه ويقيم معه بعد أن اشتدّ عظمه! ولم لم يذهب مع الذّئاب والضّباع، ولم تكن البادية أحبّ إليه من الحاضرة، والقفار أحبّ إليه من المواضع المأنوسة.

وليس يصير السبع من هذه الأجناس أو الوحشيّ من البهائم أهليّا بالمقام فيهم، وهو لا يقدر على الصّحاري. وإنما يصير أهليّا إذا ترك منازل الوحش وهي له معرضة.

وقد تتسافد وتتوالد في الدّور وهي بعد وحشيّة، وليس ذلك فيها بعامّ. ومن الوحش ما إذا صار إلى النّاس وفي دورهم ترك السّفاد، ومنها ما لا يطعم ولا يشرب

البتّة بوجه من الوجوه، ومنها ما يكره على الطّعم ويدخل في حلقة كالحيّة، ومنها ما لا يسفد ولا يدجن، ولا يطعم ولا يشرب، ولا يصيح حتى يموت وهذا المعنى في وحشيّ الطّير أكثر.

والذي يحكى عن السوداني القنّاص الجبليّ ليس بناقض لما قلنا، لأنّ الشّيء الغريب، والنادر الخارجيّ، لا يقاس عليه. وقد زعموا أنّه بلغ من حذقه بتدريب الجوارح وتضريتها أنّه ضرّى ذئبا حتّى اصطاد به الظّباء وما دونها، صيدا ذريعا، وأنه ألفه حتى رجع إليه من ثلاثين فرسخا، وقد كان بعض العمّال سرقه منه. وقد ذكروا أنّ هذا الذّئب قد صار إلى العسكر، وأن هذا السّودانيّ ضرّى أسدا حتى اصطاد له الحمير فما دونها صيدا ذريعا، وأنه ضرّى الزّنابير فاصطاد بها الذّبّان. وكلّ هذا عجب، وهو غريب نادر، بديع خارجيّ وذكروا أنّه من قيس عيلان، وأن حليمة ظئر النبي ﷺ قد ولدته.

وليس عندي في الحمار الهنديّ شيء. وقد ذكره صاحب المنطق. فأما الدّباب، وفأرة المسك، والفنك، والقاقم، والسّنجاب، والسّمّور، وهذه الدوابّ ذوات الفراء والوبر الكثيف النّاعم، والمرغوب فيه، والمنتفع به، فهي عجيبة.

وإنّما نذكر ما يعرفه أصحابنا وعلماؤنا، وأهل باديتنا. ألا ترى أنّي لم أذكر لك

الحريش، والدّخس، ولا هذه السّباع المشتركة الخلق، المتولّدة فيما بين السّباع المختلفة الأعضاء، المتشابهة الأرحام، التي إذا صار بعضها في أيدي القرّادين والمتكسّبين والطوّافين، وضعوا لها أسماء، فقالوا: مقلاس، وكيلاس، وشلقطير، وخلقطير وأشباه ذلك، حين لم تكن من السّباع الأصلية والمشهورة النسب، والمعروفة بالنّفع والضّرر.

وقد ذكرنا منها ما كان مثل الضبع، والسّمع، والعسبار، إذ كانت معروفة عند الأعراب، مشهورة في الأخبار، منوّها بها في الأشعار.

وإنّما أعتمد في مثل هذا على ما عند الأعراب، وإن كانوا لم يعرفوا شكل ما احتيج إليه منها من جهة العناية والفلاية، ولا من جهة التذاكر والتكسّب. ولكن هذه الأجناس الكثيرة، ما كان منها سبعا أو بهيمة أو مشترك الخلق، فإنّما هي مبثوثة في بلاد الوحش: من صحراء، أو واد، أو غائط، أو غيضة، أو رملة، أو رأس جبل، وهي في منازلهم ومناشئهم، فقد نزلوا كما ترى بينها، وأقاموا معها. وهم أيضا من بين النّاس وحش، أو أشباه الوحش.

وربّما؛ بل كثيرا ما يبتلون بالناب والمخلب، وباللدغ واللّسع، والعضّ والأكل، فخرجت بهم الحاجة إلى تعرّف حال الجاني والجارح والقاتل، وحال المجنيّ عليه والمجروح والمقتول، وكيف الطّلب والهرب، وكيف الداء والدواء، لطول الحاجة، ولطول وقوع البصر، مع ما يتوارثون من المعرفة بالدّاء والدواء.

ومن هذه الجهة عرفوا الآثار في الأرض والرّمل، وعرفوا الأنواء ونجوم الاهتداء، لأنّ كلّ من كان بالصّحاصح الأماليس - حيث لا أمارة ولا هادي، مع حاجته إلى بعد الشّقّة- مضطرّ إلى التماس ما ينجيه ويؤديه.

ولحاجته إلى الغيث، وفراره من الجدب، وضنّه بالحياة، اضطرته الحاجة إلى تعرّف شأن الغيث.

ولأنه في كلّ حال يرى السّماء، وما يجري فيها من كوكب، ويرى التّعاقب بينها، والنّجوم الثوابت فيها، وما يسير منها مجتمعا وما يسير منها فاردا، وما يكون منها راجعا ومستقيما.

وسئلت أعرابيّة فقيل لها: أتعرفين النجوم؟ قالت: سبحان الله! أما أعرف أشباحا وقوفا عليّ كلّ ليلة! وقال اليقطريّ: وصف أعرابيّ لبعض أهل الحاضرة نجوم الأنواء، ونجوم الاهتداء، ونجوم ساعات اللّيل والسّعود والنّحوس، فقال قائل لشيخ عباديّ كان حاضرا: أما ترى هذا الأعرابيّ يعرف من النّجوم ما لا نعرف! قال: ويل أمّك، من لا يعرف أجذاع بيته؟

قال: وقلت لشيخ من الأعراب قد خرف، وكان من دهاتهم: إني لا أراك عارفا بالنّجوم! قال: أما إنّها لو كانت أكثر لكنت بشأنها أبصر، ولو كانت أقلّ لكنت لها أذكر.

وأكثر سبب ذلك كلّه- بعد فرط الحاجة، وطول المدارسة- دقّة الأذهان، وجودة الحفظ. ولذلك قال مجنون من الأعراب- لمّا قال له أبو الأصبغ بن ربعيّ: أما تعرف النجوم؟ قال: وما لي أعرف من لا يعرفني؟! فلو كان لهذا الأعرابيّ المجنون مثل عقول أصحابه، لعرف مثل ما عرفوا.

ولو كان عندي في أبدان السّمّور، والفنك، والقاقم، ما عندي في أبدان الأرانب والثّعالب، دون فرائها، لذكرتها بما قلّ أو كثر، لكنّه لا ينبغي لمن قلّ علمه أن يدع تعليم من هو أقلّ منه علما.

ولو كانت الدّسّاس من أصناف الحيّات لم نخصّها من بينها بالذّكر، ولكنها وإن كانت على قالب الحيّات وخرطها، وأفرغت كإفراغها وعلى عمود صورها، [فخصائصها] دون خصائصها، كما يناسبها في ذلك الحفّاث والعربد.

وليسا من الحيّات، كما أن هذا ليس من الحيّات، لأنّ الدّسّاس ممسوحة الأذن، وهي مع ذلك ممّا يلد ولا يبيض. والمعروف في ذلك أنّ الولادة هي في الأشرف، والبيض في الممسوح.

وقد زعم ناس أنّ الولادة لا تخرج الدّسّاس من اسم الحيّة، كما أن الولادة لا تخرج الخفّاش من اسم الطير.

وكلّ ولد يخرج من بيضه فهو فرخ، إلا ولد بيض الدّجاج فإنّه فرّوج.

والأصناف التي ذكرناها مع ذكر الضّبّ تبيض كلّها، ويسمى ولدها بالاسم الأعم فرخا.

وزعم لي ابن أبي العجوز، أنّ الدّسّاس تلد. وكذلك خبّرني به محمد بن أيوب ابن جعفر عن أبيه، وخبّرني به الفضل بن إسحاق بن سليمان فإن كان خبرهما عن إسحاق فقد كان إسحاق من معادن العلم.

وقد زعموا بهذا الإسناد أنّ الأرويّة تضع مع كلّ ولد وضعته أفعى في مشيمة واحدة.

وقال الآخرون: الأرويّة لا تعرف بهذا المعنى، ولكنه ليس في الأرض نمرة إلا وهي تضع ولدها وفي عنقه أفعى في مكان الطّوق. وذكروا أنّها تنهش وتعضّ، ولا تقتل.

ولم أكتب هذا لتقرّ به، ولكنها رواية أحببت أن تسمعها. ولا يعجبني الإقرار بهذا الخبر، وكذلك لا يعجبني الإنكار له. ولكن ليكن قلبك إلى إنكاره أميل.

وبعد هذا فاعرف مواضع الشّكّ، وحالاتها الموجبة له، لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له، وتعلم الشّكّ في المشكوك فيه تعلّما. فلو لم يكن في ذلك إلّا تعرّف التوقّف ثمّ التثبّت، لقد كان ذلك ممّا يحتاج إليه.

ثمّ اعلم أنّ الشكّ في طبقات عند جميعهم. ولم يجمعوا على أن اليقين طبقات في القوّة والضعف.

ولمّا قال ابن الجهم للمكّيّ: أنا لا أكاد أشكّ! قال المكّيّ: وأنا لا أكاد أوقن! ففخر عليه المكيّ بالشكّ في مواضع الشّك، كما فخر عليه ابن الجهم باليقين في مواضع اليقين.

وقال أبو إسحاق: نازعت من الملحدين الشاك والجاحد فوجدت الشّكّاك أبصر بجوهر الكلام من أصحاب الجحود.

وقال أبو إسحاق: الشاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى كان قبله شكّ، ولم ينتقل أحد عن اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتّى يكون بينهما حال شكّ.

وقال ابن الجهم: ما أطمعني في أوبة المتحيّر لأنّ كل من اقتطعته عن اليقين الحيرة فضالته التبيّن، ومن وجد ضالته فرح بها.

وقال عمرو بن عبيد: تقرير لسان الجاحد أشدّ من تعريف قلب الجاهل.

وقال أبو إسحاق: إذا أردت أن تعرف مقدار الرجل العالم، وفي أيّ طبقة هو، وأردت أن تدخله الكور وتنفخ عليه، ليظهر لك فيه الصّحّة من الفساد، أو مقداره من الصّحّة والفساد، فكن عالما في صورة متعلّم، ثم اسأله سؤال من يطمع في بلوغ حاجته منه.

والعوامّ أقلّ شكوكا من الخواص، لأنّهم لا يتوقّفون في التصديق والتكذيب ولا يرتابون بأنفسهم، فليس عندهم إلّا الإقدام على التّصديق المجرّد، أو على التكذيب المجرد، وألغوا الحال الثالثة من حال الشّكّ التي تشتمل على طبقات الشك، وذلك على قدر سوء الظنّ وحسن الظّن بأسباب ذلك. وعلى مقادير الأغلب.

وسمع رجل، ممّن قد نظر بعض النظر، تصويب العلماء لبعض الشكّ، فأجرى ذلك في جميع الأمور، حتّى زعم أنّ الأمور كلها يعرف حقها وباطلها بالأغلب.

وقد مات ولم يخلّف عقبا، ولا واحدا يدين بدينه. فلو ذكرت اسمه مع هذه الحال لم أكن أسأت، ولكنّي على حال أكره التّنويه بذكر من قد تحرّم بحرمة الكلام، وشارك المتكلّمين في اسم الصّناعة، ولا سيّما إن كان ممّن ينتحل تقديم الاستطاعة.

فأمّا القول في الأوعال، والثّياتل، والأيايل وأشباه ذلك، فلم يحضرنا فيها ما إن نجعل لذكرها بابا مبوبا. ولكننا سنذكرها في مواضع ذكرها من تضاعيف هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.