من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب في الضب
(الضب)
وأنا مبتدئ على اسم الله تعالى في القول في الضّبّ. على أنّي أذمّ هذا الكتاب في الجملة، لأنّ الشواهد على كلّ شيء بعينه وقعت متفرّقة غير مجتمعة.
ولو قدرت على جمعها لكان ذلك أبلغ في تزكية الشّاهد، وأنور للبرهان، وأملأ للنفس، وأمتع لها، بحسن الرّصف. وأحمده، لأنّ جملة الكتاب على حال مشتملة على جميع تلك الحجج، ومحيطة بجميع تلك البرهانات، وإن وقع بعضه في مكان بعض، تأخّر متقدّم، وتقدّم متأخر.
وقالوا: ومن كيس الضّبّ أنّه لا يتخذ جحره إلّا في كدية وهو الموضع الصّلب- أو في ارتفاع عن المسيل والبسيط، ولذلك توجد براثنه ناقصة كليلة، لأنّه يحفر في الصّلابة، ويعمّق الحفر، ولذلك قال خالد بن الطّيفان:
ومولى كمولى الزّبرقان دملتهكما دملت ساق تهاض، بها كسر
إذا ما أحالت والجبائر فوقهامضى الحول لا برء مبين ولا جبر
تراه كأنّ الله يجدع أنفهوأذنيه إن مولاه ثاب له وفر
ترى الشّرّ قد أفنى دوائر وجههكضبّ الكدى أفنى براثنه الحفر
وقال كثيّر:
فإن شئت قلت له صادقاوجدتك بالقفّ ضبّا جحولا
من اللاء يحفرن تحت الكدىولا يبتغين الدّماث السّهولا
وقال دريد بن الصّمّة:
وجدنا أبا الجبّار ضبّا مورّشاله في الصّفاة برثن ومعاول
له كدية أعيت على كلّ قانصولو كان منهم حارشان وحابل
ظللت أراعي الشمس لولا ملالتيتزلّع جلدي عنده وهو قائل
وأنشد لدريد بن الصمة:
وعوراء من قيل امرىء قد رددتهابسالمة العينين طالبة عذرا
ولو أنني إذ قالها قلت مثلهاوأكثر منها، أورثت بيننا غمرا
فأعرضت عنها وانتظرت به غدالعلّ غدا يبدي لمنتظر أمرا
لأخرج ضبّا كان تحت ضلوعهوأقلم أظفارا أطال بها الحفرا
وقال أوس بن حجر، في أكل الصّخر للأظفار:
فأشرط فيها نفسه وهو معصموألقى بأسباب له وتوكّلا
وقد أكلت أظفاره الصّخر، كلّماتعايا عليه طول مرقى توصّلا
فقد وصفوا الضّبّ كما ترى، بأنه لا يحفر إلّا في كدية، ويطيل الحفر حتّى تفنى براثنه، ويتوخّى به الارتفاع عن مجاري السّيل والمياه، وعن مدق الحوافر، لكيلا ينهار عليه بيته.
ولمّا علم أنّه نسّاء سيّئ الهداية، لم يحفر وجاره إلّا عند أكمة، أو صخرة، أو شجرة، ليكون متى تباعد من جحره لطلب الطّعم، أو لبعض الخوف فالتفت ورآه؛ أحسن الهداية إلى جحره. ولأنّه إذا لم يقم علما فلعلّه أن يلج على ظربان أو ورل، فلا يكون دون أكله له شيء.
فقالت العرب: «خبّ ضبّ»؛ و: «أخبّ من ضبّ»؛ و «أخدع من ضبّ»؛ و: «كلّ ضبّ عند مرداته».
وإذا خدع في زوايا حفيرته فقد توثّق لنفسه عند نفسه.
ولهذه العلّة اتخذ اليربوع القاصعاء، والنافقاء، والدّامّاء، والرّاهطاء، وهي أبواب قد اتخذها لحفيرته، فمتى أحسّ بشرّ خالف تلك الجهة إلى الباب.
ولهذا وشبهه من الحذر كان التوبير من الأرانب وأشباهها. والتوبير: أن تطأ على زمعاتها فلا يعرف الكلب والقائف من أصحاب القنص آثار قوائمها.
ولما أشبه هذا التّدبير صار الظبي لا يدخل كناسه إلّا وهو مستدبر، يستقبل بعينه ما يخافه على نفسه وخشفه.
وقد جمع يحيى بن منصور الذّهليّ أبوابا من حزم الضب، وخبثه وتدبيره. إلّا أنّه لم يرد تفضيل الضب في ذلك. ولكنه بعد أن قدّمه على حمقى الرّجال. قال:
فكيف لو فكّرتم في حزم اليربوع والضبّ.
وأنشدني فقال:
وبعض النّاس أنقص رأي حزممن اليربوع والضبّ المكون
يرى مرداته من رأس ميلويأمن سيل بارقة هتون
ويحفر في الكدى خوف انهيارويجعل مكوه رأس الوجين
ويخدع إن أردت له احتيالارواغ الفهد من أسد كمين
ويدخل عقربا تحت الذّنابىويعمل كيد ذي خدع طبين
فهذا الضبّ ليس بذيحريم مع اليربوع والذّئب اللّعين
وقد ذكر يحيى جميع ما ذكرنا، إلّا احتياله بإعداد العقرب لكفّ المحترش، فإنه لم يذكر هذه الحيلة من عمله. وسنذكر ذلك في موضعه. والشّعر الذي يثبت له ذلك كثير.
فهذا شأن الضّب في الحفر، وإحكام شأن منزله.
ومن كلام العرب أنّ الورل إنّما يمنعه من اتّخاذ البيوت أنّ اتخاذها لا يكون إلّا بالحفر، والورل يبقي على براثنه، ويعلم أنّها سلاحه الذي به يقوى على ما هو أشدّ بدنا منه. وله ذنب يؤكل ويستطاب، كثير الشّحم.
والأعراب لا يصيدون يربوعا، ولا قنفذا، ولا ورلا من أول الليل، وكذلك كل شيء يكون عندهم من مطايا الجنّ، كالنّعام والظّباء.
ولا تكون الأرنب والضّبع من مراكب الجن، لأن الأرنب تحيض ولا تغتسل من الحيض، والضبّاع تركب أيور القتلى والموتى إذا جيّفت أبدانهم وانتفخوا وأنعظوا ثم لا تغتسل عندهم من الجنابة. ولا حنابة إلا ما كان للإنسان فيه شرك. ولا تمتطي القرود، لأن القرد زان، ولا يغتسل من جنابة.
فإن قتل أعرابيّ قنفذا أو ورلا، من أول الليل، أو بعض هذه المراكب، لم يأمن على فحل إبله، ومتى اعتراه شيء حكم بأنه عقوبة من قبلهم.
قالوا: ويسمعون الهاتف عند ذلك بالنّعى، وبضروب الوعيد.
وكذلك يقولون في الجانّ من الحيّات. وقتل الجان عندهم عظيم. ولذلك رأى رجل منهم جانّا في قعر بئر، لا يستطيع الخروج منها، فنزل على خطر شديد حتّى أخرجها، ثم أرسلها من يده فانسابت، وغمّض عينيه لكيلا يرى مدخلها كأنّه يريد الإخلاص في التقرّب إلى الجن.
قال المازني: فأقبل عليه رجل فقال له: كيف يقدر على أذاك من لم ينقذه من الأذى غيرك؟!
وقال: ثلاثة أشياء لا يتمّ لها التّدبير إذا دخلت الأسراب، والأنفاق، والمكامن والتّوالج حتّى يغص بها الخرق.
- فمن ذلك: أن الظربان إذا أراد أن يأكل حسلة الضب أو الضبّ نفسه؛ اقتحم جحر الضّب مستدبرا، ثم التمس أضيق موضع فيه، فإذا وجده قد غصّ به، وأيقن أنّه قد حال بينه وبين النسيم، فسا عليه، فليس يجاوز ثلاث فسوات حتى يغشى على الضب فيأكله كيف شاء.
- والآخر: أن الرجل إذا دخل وجار الضبع ومعه حبل، فإن لم يسدّ ببدنه وبثوبه جميع المخارق والمنافذ ثم وصل إلى الضبع من الضياء بمقدار سمّ الإبرة، وثبت عليه. فقطّعته، ولو كان أشدّ من الأسد.
- والثالث: أنّ الضب إذا أراد أن يأكل حسوله وقف لها من جحرها في أضيق موضع من منفذه إلى خارج، فإذا أحكم ذلك بدأ فأكل منها، فإذا امتلأ جوفه انحطّ عن ذلك المكان شيئا قليلا، فلا يفلت منه شيء من ولده إلا بعد أن يشبع ويزول عن موضعه، فيجد منفذا.
وقال بعض الأعراب:
ينشب في المسلك عند سلّتهتزاحم الضبّ عصى في كديته
وقال: الدّليل على أنّ الضّبّ يأكل ولده قول عملّس بن عقيل بن علّفة لأبيه:
أكلت بنيك أكل الضّبّ حتىوجدت مرارة الكلأ الوبيل
فلو أنّ الأولى كانوا شهودامنعت فناء بيتك من بجيل
وأنشد لغيره:
أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّىتركت بنيك ليس لهم عديد
وقال عمرو بن مسافر: عتبت على أبي يوما في بعض الأمر، فقلت:
كيف ألوم أبي طيشا ليرحمنيوجدّه الضّبّ لم يترك له ولدا
وقال خداش بن زهير:
فإن سمعتم بجيش سالكا سرفاأو بطن قوّ فأخفوا الجرس واكتتموا
ثمّ ارجعوا فأكبّوا في بيوتكمكما أكبّ على ذي بطنه الهرم
جعله هرما لطول عمره. وذي بطنه: ولده.
وقال أبو بكر بن أبي قحافة لعائشة، ﵄: إنّي كنت نحلتك سبعين وسقا من مالي بالعالية، وإنّك لم تحوزيه، وإنما هو مال الوارث، وإنما هو أخواك وأختاك. قالت: ما أعرف لي أختا غير أسماء. قال: إنّه قد ألقى في روعي أن ذا بطن بنت خارجة جارية.
قال آخرون: لم يعن بذي بطنه ولده، ولكنّ الضّبّ يرمي ما أكل، أي يقيء؛ ثم يرجع فيأكله. فذلك هو ذو بطنه. فشبّهوه في ذلك بالكلب والسّنّور.
وقال عمرو بن مسافر: ما عنى إلا أولاده، فكأنّ خداشا قال: ارجعوا عن الحرب التي لا تستطيعونها، إلى أكل الذّريّة والعيال.
قال: وقال أبو سليمان الغنويّ: أبرأ إلى الله تعالى من أن تكون الضّبّة تأكل أولادها! ولكنها تدفنهنّ وتطمّ عليهنّ التّراب، وتتعهدهنّ في كلّ يوم حتّى يخرّجن، وذلك في ثلاثة أسابيع. غير أنّ الثّعالب والظّربان والطّير، تحفر عنهنّ فتأكلهنّ. ولو أفلت منهنّ كلّ فراخ الضّباب لملأن الأرض جميعا.
ولو أنّ إنسانا نحل أمّ الدّرداء، أو معاذة العدويّة، أو رابعة القيسيّة، أنهنّ يأكلن أولادهنّ، لما كان عند أحد من النّاس من إنكار ذلك، ومن التكذيب عنهنّ، ومن استعظام هذا القول، أكثر مما قاله أبو سليمان في التّكذيب على الضّباب أن تكون تأكل أولادها.
قال أبو سليمان: ولكن الضبّ يأكل بعره، وهو طيّب عنده. وأنشد:
يعود في تيعه حدثان مولدهفإن أسنّ تغدّى نجوه كلفا
قال: وقال أفّار بن لقيط: التّيع: القيء. ولكنّا رويناه هكذا. إنما قال: «يعود في رجعه». وكذلك الضّبّ، يأكل رجعه.
وزعم أصحابنا أنّ أبا المنجوف السّدوسيّ روى عن أبي الوجيه العكليّ قوله:
وأفطن من ضبّ إذا خاف حارشاأعدّ له عند التلمّس عقربا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع