من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب في القطا
تقول العرب: «أصدق من قطاة » و «أهدى من قطاة».
وفي القطا أعجوبة، وذلك أنها لا تضع بيضها أبدا إلا أفرادا، ولا يكون بيضها أزواجا أبدا. وقال أبو وجزة:
وهنّ ينسبن وهنا كلّ صادقةباتت تباشر عرما غير أزواج
والعرم التي عنى: بيض القطا، لأنها منقّطة. وقال الأخطل:
شفى النّفس قتلى من سليم وعامرولم يشفها قتلى غنيّ ولا جسر
ولا جشم شرّ القبائل إنهمكبيض القطا ليسوا بسود ولا حمر
وقال معقل بن خويلد:
أبا معقل لا توطئنكم بغاضتيرؤوس الأفاعي في مراصدها العرم
يريد: الأفاعي العرم في مراصدها. وهي منقّطة الظهور. وما أكثر ما تبيض العقاب ثلاث بيضات، إلا أنها لا تلحم ثلاثة، بل تخرج منهنّ واحدة. وربما باضت الحمامة ثلاث بيضات، إلا أن واحدة تفسد لا محالة. وقال الآخر في صفة البيض:
وبيضاء لا تنحاش منّا وأمّهاإذا ما رأتنا زال منها زويلها
نتوج ولم تقرف لما يمتنى لهإذا أنتجت ماتت وحيّ سليلها
يعني البيضة. نتوج، حامل: ولم تقرف: لم تدان. لما يمتنى: أي للضّراب.
والامتناء: انتظارك الناقة إذا ضربت ألاقح هي أم لا.
وقال ابن أحمر:
بتيهاء قفر والمطيّ كأنهاقطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها
وذلك أنها قد كانت قبل ذلك الوقت تشرب من الغدر، فلما أفرخت صافت، فاحتاجت إلى طلب الماء من مكان بعيد، فذلك أسرع لها.
ويشبّه مشي المرأة إذا كانت سمينة غير خرّاجة طوّافة بمشي القطاة في القرمطة والدّلّ. وقال ابن ميّادة:
إذا الطّوال سدون المشي في خطلقامت تريك قواما غير ذي أود
تمشي ككدريّة في الجوّ فاردةتهدي سروب قطا يشربن بالثّمد
وقال جران العود:
فلمّا رأين الصّبح بادرن ضوءهرسيم قطا البطحاء، أو هنّ أقطف
وقال الكميت:
يمشين مشي قطا البطاح تأوّداقبّ البطون رواجح الأكفال
وقال الآخر في غير هذا المعنى:
كأنّ القلب ليلة قيل يغدىبليلى العامريّة أو يراح
قطاة غرّها شرك فباتتتجاذبه وقد علق الجناح
وقال آخر:
وكنّا كزوج من قطا بمفازةلدى خفض عيش ونق مورق رغد
فخانهما ريب الزّمان فأفرداولم تر عيني قطّ أقبح من فرد
وفي صدق القطاة يقول الشاعر:
وصادقة ما خبّرت قد بعثتهاطروقا وباقي الليل في الأرض مسدف
ولو تركت نامت، ولكن أعشّهاأذى من قلاص كالحنيّ المعطّف
وتقول العرب: «لو ترك القطا لنام». ويقال: أعششت القوم إعشاشا: إذا نزلت بهم وهم كارهون لك فتحوّلوا عن منزلهم.
وقال الكميت:
لا تكذب القول إن قالت قطا صدقتإذ كلّ ذي نسبة لابد ينتحل
وقال مزاحم العقيليّ، في تجاوب القطاة وفرخها:
فنادت وناداها، وما اعوجّ صدرهابمثل الذي قالت له لم يبدّل
والقطاة لم ترد اسم نفسها، ولكن الناس سموها بالحروف التي تخرج من فيها، وزاد في ذلك أنها على أبنية كلام العرب، فجعلوها صادقة ومخبرة، ومريدة وقاصدة.
ويقال سرب نساء، وسرب قطا، وسرب ظباء. كل ذلك بكسر السين وإسكان الراء. فإذا كان من الطريق والمذهب قالوا: خلّ سربه. و: فلان خليّ السّرب؛ بفتح السين وإسكان الراء. وهذا عن يونس بن حبيب. وقال الشاعر:
أما القطاة فإنّي سوف أنعتهانعتا يوافق نعتي بعض ما فيها
سكّاء مخطوفة في ريشها طرقسود قوادمها صهب خوافيها
ويقال في ريشها فتخ، وهو اللّين. ويقال في جناحه طرق: إذا غطى الرّيش الأعلى الأسفل. وقال ذو الرّمّة:
طراق الخوافي واقع فوق ريعةندى ليلة في ريشه يترقرق
ويقال: اطّرقت الأرض: إذا ركب التراب بعضه بعضا، ولزم بعضه بعضا، فصار كطراق النّعال طبقا. وقال العجاج:
فاطّرقت إلا ثلاثا دخّسا
والطّرق، بإسكان الراء: الضرب بالحصى، وهو من فعال الحزاة والعائفين:
وقال لبيد، أو البعيث:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصىولا زاجرات الطير ما الله صانع
قال: ويقال طرّقت القطاة ببيضها: إذا حان خروجه وتعضلّت به شيئا. قال أبو عبيد ولا يقال ذلك في غير القطاة. وغرّه قول العبديّ:
وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزهانسيفا كأفحوص القطاة المطرّق
وهذا الشاعر لم يقل إن التطريق لا يكون إلا للقطاة، بل يكون لكل بيّاضة، ولكلّ ذات ولد. وكيف يقول ذلك وهم يروون عن قابلة البادية أنها قالت لجارية
تسمى «سحابة»، وقد ضربها المخاض وهي تطلق على يدها:
أيا سحاب طرّقي بخيروطرّقي بخصية وأير
ولا ترينا طرف البظير
وقال أوس بن حجر:
بكلّ مكان ترى شطبةمولّية، ربها مسبطر
وأحمر جعدا عليه النسوروفي ضبنه ثعلب منكسر
وفي صدره مثل جيب الفتاة تشهق حينا وحينا تهر
فإنا وإخوتنا عامراعلى مثل ما بيننا نأتمر
لنا صرخة ثم إسكاتةكما طرّقت بنفاس بكر
فهذا كما ترى يردّ عليه.
وإنما ذكر أوس بن حجر البكر دون غيرها، لأن الولاد على البكر أشدّ، وخروج الولد أعسر، والمخرج أكزّ وأضيق، ولولا أن البكر أكثر ما تلد أصغر جثة وألطف جسما، إلى أن تتسع الرحم بتمطّي الأولاد فيها لكان أعسر وأشقّ.
وقال المرّار، أو العكبّ التغلبي، وهي أجود قصيدة قيلت في القطا:
بلاد مروراة يحار بها القطاترى الفرخ في حافاتها يتحرّق
يظلّ بها فرخ القطاة كأنّهيتيم جفا عنه مواليه مطرق
بديمومة قد مات فيها وعينهعلى موته تغضي مرارا وترمق
شبيه بلا شيء هنالك شخصهيواريه قيض حوله متفلّق
له محجر ناب وعين مريضة وشدق بمثل الزّعفران مخلّق
تعاجيه كحلاء المدامع حرّةلها ذنب وحف وجيد مطوّق
سماكية كدريّة عرعريّةسكاكيّة غبراء سمراء عسلق
إذا غادرته تبتغي ما يعيشهكفاها رذاياها النّجاء الهبنّق
غدت تستقي من منهل ليس دونه،مسيرة شهر للقطا، متعلّق
لأزغب مطروح، بجوز تنوفةتلظّى سموما قيظه، فهو أورق
تراه إذا أمسى وقد كاد جلدهـ من الحرّ عن أوصاله يتمزّق
غدت فاستقلّت ثم ولّت مغيرةبها حين يزهاها الجناحان أولق
تيمّم ضحضاحا من الماء قد بدتدعاميصه فالماء أطحل أورق
فلما أتته مقذحرّا تغوّثتتغوّث مخنوق فيطفو ويغرق
تحير وتلقي في سقاء كأنّهمن الحنظل العاميّ جرو مفلّق
فلما ارتوت من مائه لم يكن لهاأناة وقد كادت من الرّيّ تبصق
طمت طموة صعدا ومدّت جرانهاوطارت كما طار السّحاب المحلّق
وقال البعيث:
نجت بطوالات كأنّ نجاءهاهويّ القطا تعرو المناهل جونها
طوين سقاء الخمس ثمّت قلّصتلورد المياه واستتبّت قرونها
إذا ما وردن الماء في غلس الضّحىبللن أداوى ليس خرز يشينها
أداوى خفيفات المحامل أشنقتإلى ثغر اللّبّات منها حصينها
جعلن حباب الماء حين حملنهإلى غصص قد ضاق عنها وتينها
إذا شئن أن يسمعن والليل واضعهذا ليله والريح تجري فنونها
تناوم سرب في أفاحيصه السّفاوميّتة الخرشاء حيّ جنينها
يروّين زغبا بالفلاة كأنّهابقايا أفاني الصّيف، حمرا بطونها
«يروّين» من قولك: روّيت: أي حملت في راوية.
إذا ملأت منها قطاة سقاءهافلا تعكم الأخرى ولا تستعينها
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع