تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب في الجراد

(القول في الجراد) أحضرني على اسم الله ذهنك، وفرّغ لما ألقيه إليك قلبك، فربّ حرف من حروف الحكم الشريفة، والأمثال الكريمة- قد عفا أثره، ودثر ذكره، ونبا الطَّرف عنه، ولم يشغل الذهن بالوقوف عليه. وربّ بيت هذا سبيله، وخطبة هذه حالها.

ومدار الأمر على فهم المعاني لا الألفاظ، والحقائق لا العبارات. فكم من دارس كتابا خرج غفلا كما دخل، وكم من متفهّم لم يفهم؟! ولن يستطيع الفهم إلا من فرَّع قلبه للتفهم، كما لا يستطيع الإفهام إلا من صحت نيته في التعليم.

فأقول: إن الفرق الذي بين الإنسان والبهيمة، والإنسان والسّبع والحشرة، والذي صيّر الإنسان إلى استحاق قول الله ﷿:

وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ

ليس هو الصورة، وأنه خلق من نطفة وأن أباه خلق من تراب، ولا أنه يمشي على رجليه، ويتناول حوائجه بيديه، لأن هذه الخصال كلها مجموعة في البله والمجانين، والأطفال والمنقوصين.

والفرق الذي هو الفرق إنما هو الاستطاعة والتمكين. وفي وجود الاستطاعة وجود العقل والمعرفة. وليس يوجب وجودهما وجود الاستطاعة.

وقد شرّف الله تعالى الجانّ وفضّله على السّبع والبهيمة، بالذي أعطاه من الاستطاعة الدالة على وجود العقل والمعرفة.

وقد شرّف الله الملائكة وفضلهم على الجانّ، وقدمهم على الإنسان وألزمهم من التكليف على حسب ما خوّلهم من النعمة. وليست لهم صورة الإنسان ولم يخلقوا من النّطف، ولا خلق أبوهم من التراب. وإنما الشأن في العقل، والمعرفة، والاستطاعة.

أفتظنّ أن الله ﷿ يخصّ بهذه الخصال بعض خلقه دون بعض، ثم لا يطالبهم إلا كما يطالب بعض من أعدمه ذلك، وأعراه منه؟! فلم أعطاه العقل، إلا للاعتبار والتفكير؟! ولم أعطاه المعرفة، إلا ليؤثّر الحقّ على هواه؟! ولم أعطاه الاستطاعة، إلا لإلزام الحجة؟! فهل فكّرت قطّ في فصل ما بينك وبين الخلق المسخّر لك، وبين الخلق الذي جعل لك والخلق المسلط عليك؟! وهل فكّرت قط في فصل ما بين ما جعله عليك عاديا؟! وبين ما جعله لك غاذيا؟! وهل فكرت قطّ في فصل ما بين الخلق الذي جعل لك عذابا، والخلق الذي جعل لك قاتلا، وبين ما آنسه بك وبين ما أوحشه منك، وبين ما صغّره في عينك وعظّمه في نفسك، وبين ما عظّمه في عينك وصغّره في نفسك؟!.

بل هل فكرت في النحلة والعنكبوت والنملة، أنت ترى الله تقدّس وعزّ كيف نوّه بذكرها ورفع من قدرها، وأضاف إليها السّور العظام، والآيات الجسام، وكيف جعل الإخبار عنها قرآنا وفرقانا، حيث يقول: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ

. فقف

على صغر النحلة وضعف أيدها، ثمّ ارم بعقلك إلى قول الله: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا

، فإنك تجدها أكبر من الطّود، وأوسع من الفضاء. ثم انظر إلى قوله: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ

. فما ترى في مقدار النملة في عقل الغبيّ، وغير الذّكيّ؟! فانظر كيف أضاف الوادي إليها، وخبر عن حذرها ونصحها لأصحابها، وخوفها ممن قد مكّن، فإنك تجدها عظيمة القدر، رفيعة الذكر، قد عظمها في عقلك، بعد أن صغرها في عينك.

وخبّرني عن الله تعالى، أمّا كان قادرا أن يعذّب الكنعانيين، والجبابرة، والفراعنة، وأبناء العمالقة: من نسل عاد وثمود، وأهل العتوّ والعنود- بالشياطين ثم بالمردة، ثم بالعفاريت، ثم بالملائكة الذين وكّلهم الله تعالى بسوق السحاب، وبالمدّ والجزر، وبقبض أرواح الخلق. وبقلب الأرضين، وبالماء والريح، وبالكواكب والنيران، وبالأسد والنمور والببور وبالفيلة والإبل والجواميس، وبالأفاعي والثعابين وبالعقارب والجرارات، وبالعقبان والنسور، وبالتماسيح، وباللّخم والدّلفين.

فلم عذّبهم بالجراد والقمّل والضفادع؟! وهل يتلقّى عقلك قبل التفكير إلا أنه أراد أن يعرّفهم عجزهم، ويذكّرهم صغر أقدارهم، ويدلّهم على ذلك بأذلّ خلقه، ويعرفهم أن له في كل شيء جندا، وأن القويّ من قوّاه وأعانه، والضعيف من ضعّفه، والمنصور من نصره، والمخذول من خلّاه وخذله، وأنه متى شاء أن يقتل بالعسل الماذي والماء الزّلال كما يقتل بالسمّ الساري، والسيف الماضي قتل؟

ولم كان النّبيّ ﷺ إذا رأى على جسده البثرة ابتهل في الدعاء وقال: «إن الله تعالى إذا أراد أن يعظم صغيرا عظمه» ؟! ولم قال لنا: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ

؟! فافهم عنه تعالى ذكره، وتقدست أسماؤه قوله: «آيات» ثم قال:

«مفصّلات». فهل وقفت قطّ على هذه الآيات؟! وهل توهّمت تأويل قوله: هذا آية وغير آية؟! وهل وقفت على فصل ما بين الآية وغير الآية، وإذا كانت مفصّلات كان ماذا، وإذا لم تكن مفصلات كان ماذا.

فافهم قوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ

. وما في الأرض أنقص معرفة وعلما، ولا أضعف قوة وبطشا، ولا أوهن ركنا وعظما من ضفدع. فقد قال- كما ترى:

فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ

. فقد جعله- كما ترى- أفضل آياته والعذاب الذي أرسله على أعدائه.

وقد قال جل وعز: فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ

فأظهر الماء جلّ ثناؤه من أبعد مواضع الماء من ظنونهم، وخبّرنا بذلك كي لا نخلي أنفسنا من الحذر والإشفاق، ولنكون علماء بالعلم الذي أعطانا، ولنكون راجين خائفين، ليصحّ الاختيار، ويحسن الاختبار: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ

. ما أحسن ما قدَّر، وأتقن ما برأ!.

وكان السبب الذي سلطه الله تعالى على العرم، وهو مسنّاة جنّتي بلاد سبإ، جرذا، فهو الذي خرقه، وبدّل نعمتهم بؤسا، وملكهم يبابا وعزَّهم ذلّا، إلى أن عادوا فقراء. فقال الله: وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ

. هذا بعد أن قال: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ

وقال الأعشى:

ففي ذاك للمؤتسي أسوةومأرب قفّى عليه العرم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»
رخام بنته لهم حميرإذا جاء ماؤهم لم يرم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»

وأنشد أبو عمرو بن العلاء:

من سبإ الحاضرين مأرب إذيبنون من دون سيله العرما
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «من سبأ الحاضرين مأرب إذ»

ثم انظر إلى الجراد وهذا باب القول فيه.

قال: فأول ما يبدو الجراد إذا باض سرء، وسرؤه: بيضه.

يقال: سرأت تسرأ سرءا.

فانظر الآن، فكم ترى فيه من أعجوبة، ومن آية بليغة. فأوّل ذلك التماسها لبيضها الموضع الصّلد، والصخور الصّمّ الملس، ثقة بأنها إذا ضربت بأذنابها فيها انفرجت لها.

ومعلوم أن ذنب الجرادة ليس في خلقة المسمار، ولا طرف ذنبها كحد السّنان، ولا لها من قوة الأسر، ولذنبها من الصّلابة ما إذا اعتمدت به على الكدية والكذّانة جرح فيهما. فكيف وهي تتعدى إلى ما هو أصلب من ذلك، وليس في طرف ذنبها كإبرة العقرب؟!.

وعلى أن العقرب ليس تخرق القمقم من جهة الأيد وقوة البدن، بل إنما

ينفرج بطبع مجعول هناك. وكذلك انفراج الصخور لأذناب الجراد.

ولو أن عقابا أرادت أن تخرق في جلد الجاموس لما انخرق لها إلا بالتكلّف الشديد، والعقاب هي التي تنكدر على الذئب الأطلس فتقدّ بدابرتها ما بين صلاه إلى موضع الكاهل.

فإذا غرزت الجرادة وألقت بيضها، وانضمّت عليها تلك الأخاديد التي أحدثتها، وصارت كالأفاحيص لها، وصارت حافظة لها ومربّية. وصائنة وواقية، حتى إذا جاء وقت دبيب الرّوح فيها أحدث الله في أمرها عجبا آخر. فسبحان من استخزنها حكمته، وحشاها بالأدلة عليه، وأنطقها بأنها مدبرة، ومذلَّلة ميسرة، ليفكر مفكر، ويعتبر معتبر! ذلكم الله ربّ العالمين، وتبارك الله ربّ العالمين!

وقال الأصمعي: يقال: قد سرأت الجرادة تسرأ سرءا. فإذا خرج من بيضه فهو دبا والواحدة دباة. ويخرج أصهب إلى البياض، فإذا اصفرّ وتلوّنت فيه خطوط واسودّ فهو برقان. يقال رأيت دبا برقانا، والواحدة برقانة، فإذا بدت فيه خطوط سود وبيض وصفر فهو المسيّح. فإذا بدا حجم جناحه فذلك الكتفان، لأنه حينئذ يكتف المشي، واحدة كتفانة. قال ابن كناسة:

يكتف المشي كالذي يتخطّىطنبا أو يشكّ كالمتمادي
للشاعر ابن كناسة، اقرأ القصيدة

يصف فرسا. فإذا ظهرت أجنحته وصار أحمر إلى الغبرة فهو الغوغاء والواحدة غوغاءه، وذلك حين يستقلّ ويموج بعضه في بعضه ولا يتوجّه جهة. ولذلك قيل لرعاع الناس غوغاء.

فإذا بدت في لونه الحمرة والصفرة، وبقي بعض الحمرة، واختلف في ألوانه، فهو الخيفان، والواحدة خيفانة. ومن ثمّة قيل للفرس خيفانة.

فإذا اصفرّت الذكورة واسودّت الإناث ذهبت عنه أسماء غير الجراد. فإذا باض قيل غرز الجراد، وقد رزّ.

فإذا كثر الجراد في السماء وكثف فذلك السّدّ. ويقال: رأيت سدّا من جراد، ورأيت رجلا من جراد، للكثير منه. وقال العجاج:

سير الجراد السّدّ يرتاد الخضر

ومما تقول العرب: «أصرد من جرادة». وإنما يصطاد الجراد بالسّحر. إذا وقع عليه الندى طلب مكانا أرفع من موضعه، فإن كان مع النّدى برد لبد في موضعه. ولذلك قال الشاعر:

وكتيبة لبّستها بكتيبةكالثائر الحيران أشرف للنّدى

الثائر: الجراد. أشرف: أتى على شرف. للندى: أي من أجل الندى.

ويقال: سخّت الجرادة تسخّ سخّا، ورزّت وأرزّت، وجرادة رزّاء ورازّ ومرزّ: إذا غمزت ذنبها في الأرض، وإذا ألقت بيضها قيل: سرأت تسرأ سرءا.

ويقال: قد بشر الجراد الأرض فهو يبشرها بشرا: إذا حلقها فأكل ما عليها.

ويقال: جرد الجراد: إذا وقع على شيء فجرده. وأنشدني ابن الأعرابي:

كما جرد الجارود بكر بن وائل

ولهذا البيت سمّي الجارود.

وأنشدني آخر:

يقول أمير: ها جراد وضبّةفقد جردت بيتي وبيت عياليا

وهذا من الاشتقاق.

ومنه قيل ثوب جرد، بإسكان الراء، إذا كان قد انجرد وأخلق. قالت سعدى بنت الشّمردل:

سبّاء عادية وهادي سربةومقاتل بطل وليث مسلع
أجعلت أسعد للرّماح دريئةهبلتك أمّك أيَّ جرد ترقع
للشاعر سعدى بنت الشمردل الجهنية، اقرأ القصيدة

ويدخل في هذا الباب ما حدّثنا به الأصمعيّ، قال: تجهز النابغة الذبيانيّ مع زبَّان بن سيَّار الفزاريّ، للغزو. فلما أراد الرحيل نظر إلى جرادة قد سقطت عليه، فقال: «جرادة تجرد، وذات لونين. غيري من خرج في هذا الوجه» ولم يلتفت زبّان إلى طيرته وزجره، ونفذ لوجهه، فلما رجع إلى موضعه الذي كان النابغة فارقه فيه، وذكر ما نال من السلامة والغنيمة، أنشأ يذكر شأن النابغة فقال:

تخبّر طيره فيها زيادلتخبره وما فيها خبير
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة
أقام كأنَّ لقمان بن عادأشار له بحكمته مشير
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة
تعلَّم أنه لا طير إلاعلى متطيّر وهو الثبور
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة
بلى، شيء يوافق بعض شيءأحايينا، وباطله كثير
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة

واسم النابغة زياد بن عمرو، وكنيته أبو ثمامة. وأنشدني أبو عبيدة:

وقائلة: من أمّها واهتدى لها؟زياد بن عمرو أمَّها واهتدى لها

قال: ويقال أبشرت الأرض إبشارا: إذا بذرت فخرج منها بذرها. فعند ذلك يقال: ما أحسن بشرة الأرض.

وقال الكميت- وكنية الجراد عندهم: أمّ عوف. وجناحاها: برداها- ولذا قال:

تنفّض بردي أمّ عوف ولم تطرلنا بارق، بخ للوعيد وللرّهب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «تنفض بردي أم عوف ولم تطر»

وأنشدنا أبو زيد:

كأن رجليه رجلا مقطف عجلإذا تجاوب من برديه ترنيم
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أعن ترسمت من خرقاء منزلة»

يقول: كأنَّ رجلي الجندب، حين يضرب بهما الأرض من شدة الحرّ والرّمضاء، رجلا رجل مقطف. والمقطف: الذي تحته دابّة قطوف، فهو يهمزها برجليه.

وقال أبو زبيد الطائيّ، يصف الحرّ وشدته، وعمل الجندب بكراعيه:

أيّ ساع سعى ليقطع شربيحين لاحت للصابح الجوزاء
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

واستكنّ العصفور كرها مع الضَّبّ وأوفى في عوده الحرباء ونفى الجندب الحصى بكراعيه وأذكت نيرانها المعزاء وأنشد أبو زيد، لعوف بن ذروة، في صفة الجراد:

قد خفت أن يحدرنا للمصرينويترك الدّين علينا والدَّين
زحف من الخيفان بعد الزّحفينمن كلّ سفعاء القفا والخدّين
ملعونة تسلخ لونا عن لونكأنها ملتفَّة في بردين
تنحي على الشمراخ مثل الفأسينأو مثل مئشار غليظ الحرفين

أنصبه منصبه في قحفين

وعلى معنى قوله:

تنحي على الشمراخ مثل الفأسينأو مثل مئشار غليظ الحرفين

قال حماد لأبي عطاء:

فما صفراء تكنى أمَّ عوفكأنَّ رجيلتيها منجلان
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة

ويوصف الفرس فيشبه بالجرادة، ولذا قال الشاعر:

فإذا أتيت أباك فاشتر مثلهاإنّ الرّداف عن الأحبَّة يشغل
فإذا رفعت عنانها فجرادةوإذا وضعت عنانها لا تفشل

ولم يرض بشر بن أبي خازم بأن يشبهه بالجرادة حتى جعله ذكرا، حيث يقول:

بكلّ قياد مسنفة عنودأضرَّ بها المسالح والعوار
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «ألا بان الخليط ولم يزاروا»
مهارشة العنان كأنّ فيهاجرادة هبوة فيها اصفرار
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «ألا بان الخليط ولم يزاروا»

فوصفها بالصّفرة، لأنّ الصفرة هي الذكورة، وهي أخفّ أبدانا، وتكون لخفة الأبدان أشدّ طيرانا.

ويوصف قتير الدّرع ومساميرها [فيشبّه] بحدق الجراد. وقال قيس بن الخطيم:

ولما رأيت الحرب حربا تجرّدتلبست مع البردين ثوب المحارب
مضاعفة يغشى الأنامل فضلهاكأنّ قتيريها عيون الجنادب
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

وقال المقنّع الكنديّ:

ولي نثرة ما أبصرت عين ناظركصنع لها صنعا ولا سردها سردا
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «ولي نثرة ما أبصرت عين ناظر»
تلاحم منها سردها فكأنماعيون الدَّبا في الأرض تجردها جردا
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «ولي نثرة ما أبصرت عين ناظر»

وقال عمرو بن معد يكرب:

تمناني ليلقاني أبيّوددت وأين ما منّي ودادي
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعاذل شكتي بدني ورمحي»
تمناني وسابغتي دلاصخروس الحسّ محكمة السّراد
مضاعفة تخيَّرها سليمكأنّ سكاكها حدق الجراد

ويوصف وسط الفرس بوسط الجرادة. قال رجل من عبد القيس يصف فرسا:

أمّا إذا ما استدبرت فنعامةتنفي سنابكها رضيض الجندل

ويوصف حباب الشراب بحدق الجراد. قال المتلمّس:

كأني شارب يوم استبدّواوحثّ بهم وراء البيد حادي
عقارا عتّقت في الدّنّ حتىكأنّ حبابها حدق الجراد
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «صبا من بعد سلوته فؤادي»

وإذا صفا الشّراب وراق شبّهوه بلعاب الجندب. ولذا قال الشاعر:

صفراء من حلب الكروم كأنّهاماء المفاصل أو لعاب الجندب

ولعاب الجندب سمّ على الأشجار، لا يقع على شيء إلا أحرقه.

ولا يزال بعض من يدَّعي العلم يزعم أن الدّبا يريد الخضرة، ودونها النهر الجاري، فيصير بعضه جسرا لبعض، وحتى يعبر إلى الخضرة، وأن تلك حيلة منها.

وليس ذلك كما قال: ولكنّ الزّحف الأول من الدبا يريد الخضرة، فلا يستطيعها إلا بالعبور إليها، فإذا صارت تلك القطعة فوق الماء طافية صارت تلك لعمري أرضا للزحف الثاني الذي يريد الخضرة. فإن سمّوا ذلك جسرا استقام. فأما أن يكون الزحف الأول مهّد للثاني ومكّن له، وآثره بالكفاية- فهذا ما لا يعرف.

ولو أن الزحفين جميعا أشرفا على النهر، وأمسك أحدهما عن تكلّف العبور إلى أن يمهّد له الآخر- كان ذلك قولا.

ويقال في الجراد: خرقة من جراد، والجميع خرق. وقال الشاعر:

وكأنها خرق الجراديثور يوم غبار

ويقال للقطعة الكثيرة منها رجل جراد، ورجلة من جراد. والثَّول:

القطعة من النحل.

وتوصف كثرة النّبل، ومرورها، وسرعة ذلك بالجراد. وقال أبو النجم:

كأنما المعزاء من نضالهارجل جراد طار عن حدالها

وإذا جاء منه ما يسدّ الأفق قالوا: رأينا سدّا من جراد. وقال المفضل النّكريّ:

كأنّ النّبل بينهم جرادتهيّجه شآمية خريق
للشاعر المفضل النكري، من قصيدة «ألم تر أن جيرتنا استقلوا»

والمرتجل: الذي قد أصاب رجل جراد، فهو يشويه.

وقال بعض الرّجّاز، وهو يصف خيلا قد أقبلت إلى الحيّ:

حتى رأينا كدخان المرتجلأو شبه الحفّان، في سفح الجبل

ولأن الحفان أتمّها أبدانا، قال ابن الزّبعرى:

ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسل
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة
حين ألقت بقباء بركهاواستحرّ القتل في عبد الأشل
ساعة ثم استخفوا رقصارقص الحفّان في سفح الجبل
وقتلنا الضّعف من ساداتهموعدلنا ميل بدر فاعتدل

والجراد الأعرابيّ لا يتقدمه في الطّيب شيء. وما أحصي كم سمعت من الأعراب من يقول: ما شبعت منه قطّ! وما أدعه إلا خوفا من عاقبته؛ أو لأني أعيا فأتركه!

والجراد يطيب حارّا وباردا، ومشويّا ومطبوخا، ومنظوما في خيط، ومجعولا في الملّة.

والبيض الذي يتقدّم في الطيب ثلاثة أجناس: بيض الأسبور وبيض الدّجاج، وبيض الجراد فوق بيض الأسبور في الطيب. وبيض الأسبور فوق بيض الدّجاج.

وجاء في الأثر، أن الجراد ذكر عند عمر فقال: «ليت لنا منه قفعة أو قفعتين».

وهو يؤكل يابسا وغير يابس، ويجعل أدما ونقلا.

والجراد المأكول ضروب، فمنه الأهوازيّ، ومنه المذنّب، وأطيبه الأعرابيّ، وأهل خراسان لا يأكلونه.

وحدّثني رتبيل بن عمرو بن رتبيل قال: والله إني لجالس على باب داري في بني صبير، إذ أقبلت امرأة لم أر قط أتم حسنا وملحا وجسما منها، ورأيت في مشيها تأوّدا، ورأيتها تتلفّت. فلم ألبث أن طلعت أخرى لا أدري أيتهما أقدّم، إذ قالت التي رأيتها بديّا للأخرى: ما لك لا تلحقيني؟ قالت: أنا منذ أيام كثيرة أكثر أكل هذا الجراد، فقد أضعفني! فقالت: وإنك لتحبّينه حبّا تحتملين له مثل ما أرى بك من الضّعف؟ قالت: والله إنه لأحبّ إليّ من الحبل!.

وقال الأصمعي: قال رجل من أهل المدينة لامرأته: لا جزاك الله خيرا، فإنك غير مرعية ولا مبقية! قالت: لأنا والله أرعى وأبقى من التي كانت قبلي! قال: فأنت طالق إن لم أكن كنت آتيها بجرادة فتطبخ منها أربعة ألوان، وتشوي جنبيها! فرفعته إلى القاضي فجعل القاضي يفكر ويطلب له المخرج. فقال للقاضي: أصلحك الله أأشكلت عليك المسألة؟ هي طالق عشرين!

ووصف الراجز حربا، فوصف دنوّ الرّجّالة من الرّجّالة، فقال:

أو كالدّبا دبّ ضحى إلى الدّبا

وقرأ بعض أصحابنا بحضرة أبي إسحاق: وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ

فقال رجل لأبي إسحاق: انظر كيف قرن الضفادع مع ضعفها

إلى الطوفان، مع قوة الطوفان وغلبته. قال أبو إسحاق: الضفادع أعجب في هذا الموضع من الطوفان، وإذا أراد الله تعالى أن يصيّر الضفادع أضرّ من الطوفان فعل.

وقال أبو الهندي:

لمّا سمعت الدّيك صاح بسحرةوتوسّط النّسران بطن العقرب
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
وتتابعت عصب النّجوم كأنهاعفر الظّباء على فروع المرقب
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
وبدا سهيل في السماء كأنهثور وعارضه هجان الرّبرب
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
نبّهت ندماني فقلت له: اصطبحيا ابن الكرام من الشّراب الأصهب
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
صفراء تنزو في الإناء كأنهاعين الجرادة أو لعاب الجندب
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
نزو الدّبا من حرّ كلّ ظهيرةوقّادة، حرباؤها يتقلّب
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

وقال أبو الهنديّ أيضا:

فإنّ هذا الوطب لي ضائرفي ظاهر الأمر وفي الغامض
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
إن كنت تسقيني فمن قهوةصفراء مثل المهرة الناهض
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
تنزو الفقاقيع إذا شعشعتنزو جراد البلد الرّامض
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

وقال الأفوه:

بمناقب بيض، كأنّ وجوههمزهر قبيل ترجّل الشّمس
دبّوا كمنتشر الجراد هوتبالبطن، في درع وفي ترس
وكأنها آجال عاديةحطّت إلى إجل من الخنس

وروى الأصمعي، وأبو الحسن، عن بعض المشايخ. قال: ثلاثة أشياء ربما صرعت أهل البيت عن آخرهم: أكل الجراد، ولحوم الإبل، والفطر من الكمأة.

وقال غيرهما: شرب الماء في الليل يورث الخبل، والنظر إلى المختصر يورث ضعف القلب، والاطلاع في الآبار العاديّة ينقض التركيب. ويسوّل مصارع السّوء.

فأما الفطر الذي يخلق في ظلّ شجر الزيتون فإنما هو حتف قاض، وسمّ ناقع.

وكل شيء يخلق تحت ظلال الشجر يكون رديئا، وأردؤه شجر الزيتون، وربما قتل، وإن كان مما اجتنبوه من أوساط الصحارى.

قالوا: ومما يقتل: الحمّام على الملأة، والجماع على البطنة، والإكثار من القديد اليابس.

وقال الآخر: شرب الماء البارد على الظمإ الشديد- إذا عجّل الكرع، وعظّم الجرع، ولم يقطع النفس- يقتل.

قالوا: وثلاث تورث الهزال: شرب الماء على الرّيق، والنوم على غير وطاء، وكثرة الكلام برفع الصوت.

والجماع على الامتلاء من الطعام ودخوله. وربما خيف عليه أن يكون قاتل نفسه.

وقالوا: وأربعة أشياء تسرع إلى العقل بالإفساد: الإكثار من البصل، والباقلّى والجماع، والخمار.

وأما ما يذكرون في الباب من الهمّ والوحدة والفكرة، فجميع الناس يعرفون

ذلك. وأما الذي لا يعرفه إلا الخاصة فالكفاية التامة، والتعظيم الدائم، وإهمال الفكر، والأنف من التعلّم. هذا قول أبي إسحاق.

وقال أبو إسحاق: ثلاثة أشياء تخلق العقل، وتفسد الذهن: طول النظر في المرآة، والاستغراق في الضحك، ودوام النظر إلى البحر.

وقال معمّر: قطعت في ثلاثة مجالس، ولم أجد لذلك علة؛ إلا أني أكثرت في أحد تلك الأيام من أكل الباذنجان، وفي اليوم الآخر من أكل الزيتون، وفي اليوم الثالث من الباقلّى.

وزعم أنه كلم رجلا من الملحدين في بعض العشايا، وأنه علاه علوّا ظاهرا قاهرا، وأنه بكر على بقية ما في مسألته من التخريج، فأجبل وأصفى، فقال له خصمه: ما أحدثت بعدي؟ قال: قلت: ما أتّهم إلا إكثاري البارحة من الباذنجان! فقال لي- وما خالف إلى التّهمة: ما أشكّ أنك لم تؤت إلا منه! وقال لي من أثق به: ما أخذت قط شيئا من البلاذر فنازعت أحدا إلا ظهرت عليه.

وقال أبو ناضرة: ما أعرف وجه انتفاع الناس بالبلاذر إلا أن يؤخذ للعصب.

قلت: فأي شيء بقي بعد صلاح العصب، وأنتم بأجمعكم تزعمون أن الحسّ للعصب خاصة؟

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.