من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب في النحل
زعم صاحب المنطق أن خليّة من خلايا النحل فيما سلف من الزمان، اعتلت ومرض ما كان فيها من النحل، وجاء نحل من خليّة أخرى يقاتل هذا النحل حتى أخرجت العسل، وأقبل القيّم على الخلايا يقتل بذلك النحل الذي جاء إلى خليته.
قال: فخرج النحل من الخليّة يقاتل النحل الغريب، والرجل بينها يطرد الغريب، فلم تلسعه نحل الخليّة التي هو حافظها، لدفعه المكروه عنها.
قال: وأجود العسل ما كان لونه لون الذهب.
قال: والنحل تجتمع فتقسم الأعمال بينها، فبعضها يعمل الشّمع، وبعضها يعمل العسل، وبعضها يبني البيوت، وبعضها يستقي الماء ويصبّه في الثّقب، ويلطخه بالعسل.
ومنه ما يبكّر إلى العمل. ومن النحل ما يكفّه؛ حتى إذا نهضت واحدة طارت كلها. يقال: «بكر بكور اليعسوب»، يريد أمير النحل لأنها تتبعه غدوة إلى عملها.
ومنها ما ينقل العسل من أطراف الشجر، ومنها ما ينقل الشّمع الذي تبني به، فلا تزال في عملها حتى إذا كان الليل آبت إلى مآبها.
قال: والأري: عمل العسل. يقال: أرت تأري أريا. والأري في غير هذا الموضع: القيء. وقال أبو ذؤيب:
بأري التي تأري إلى كل مغربإذا اصفرّ ليط الشمس حان انقلابها
ومغارب: جمع مغرب. وكل شيء واراك من شيء فهو مغرب، كما جعله أبو ذؤيب. والأصل مغرب الشمس. وقال أبو ذؤيب:
فبات بجمع ثمّ تمّ إلى منىفأصبح رأدا يبتغي المزج بالسّحل
المزج: العسل. والسّحل: النقد.
ومن الحيوان ما يكون لكل جماعة منها رأس وأمير، ومنها ما لا يكون ذلك له.
فأما الحيوان الذي لا يجد بدّا ولا مصلحة لشأنه إلا في اتخاذ رئيس ورقيب فمثل ما يصنع الناس، ومثل ما تتخذ النحل والغرانيق، والكراكيّ.
فأما الإبل والحمير والبقر، فإن الرياسة لفحل الهجمة، ولعير العانة، ولثور الرّبرب. وذكورتها لا تتخذ الرّقباء من الذّكورة.
وقد زعم ناس أن الكراكيّ لا ترى أبدا إلا فرادى فكأن الذي يجمعها الذكر، ولا يجمعها إلا أزواجا.
ولا أدري كيف هذا القول؟! والنحل أيضا تسير بسيرة الإبل والبقر والحمير، لأن الرئيس هو الذي يوردها ويصدرها، وتنهض بنهوضه، وتقع بوقوعه. واليعسوب هو فحلها. فترى كما ترى، سائر الحيوان الذي يتخذ رئيسا إنما هي إناث الأجناس، إلا الناس؛ فإنهم يعلمون أن صلاحهم في اتخاذ أمير وسيّد، ورئيس.
وزعم بعضهم أن رياسة اليعسوب، وفحل الهجمة، والثور، والعير، لأحد أمرين: أحدهما لاقتدار الذّكر على الإناث، والآخر لما في طباع الإناث من حبّ ذكورتها.
ولو لم تتأمّر عليها الفحول لكانت هي لحبّها الفحول تغدو بغدوّها، وتروح برواحها.
قالوا: وكذلك الغرانيق والكراكيّ. فأما ما ذكروا من رؤساء الإبل والبقر والجواميس والحمير، فما أبعدهم في ذلك عن الصواب.
وأما إلحاقهم الغرانيق والكراكي بهذه المنزلة فليس على ما قالوا.
وعلى أنّا لا نجد بدّا من أن يعلم أن ذكورتها أقوى على قسر الإناث وجمعها إليها من الإناث.
وعلى أنه لا بد من أن يكون بعض طاعة الإناث لها من جهة ما في طباعها من حبّ ذكورتها.
ولو كان اتخاذ الغرانيق والكراكيّ الرؤساء والرّقباء إنما علته المعرفة- لم يكن للغرانيق والكراكيّ في المعرفة فضل على الذّر والنمل، وعلى الذّئب والفيل، وعلى الثعلب والحمام.
أما الغنم فهي أغثر وأموق من أن تجري في باب هذا القول.
وقد تخضع الحيات للحية، والكلاب للكلب، والدّيوك للديك، حتى لا تروّمه ولا تحاول مدافعته.
ولقد خرجت في بعض الأسحار في طلب الحديث، فلما صرت في مرّبعة المحلّة، ثار إليّ عدّة من الكلاب، من ضخامها، ومما يختاره الحرّاس. فبينا أنا في الاحتيال لهنّ وقد غشينني إذ سكتن سكتة واحدة معا، ثم أخذ كل واحد في شقّ كالخائف المستخفي، وسمعت نغمة إنسان، فانتهزت تلك الفرصة من إمساكهنّ عن النّباح، فقلت: إنّ ههنا لعلّة إذ أقبل رجلان ومعها كلب أزبّ ضخم دوسر، وهو في ساجور، ولم أر كلبا قط أضخم منه، فقلت: إنهنّ إنما أمسكن عن النّباح وتسترن، من الهيبة له! وهي مع ذلك لا تتخذ رئيسا.
وروي عن عبّاد بن صهيب، عن عوف بن أبي جميلة، عن قسامة بن زهير قال:
قال أبو موسى: «إن لكل شيء سادة حتى إن للنمل سادة». فقال بعضهم: سادة النمل: المتقدّمات.
وهذا تخريج، ولا ندري ما معنى ما قال أبو موسى في هذا.
ولو كان اتخاذ الرئيس من النحل، والكراكيّ، والغرانيق، والإبل، والحمير،
والثيران، لكثرة ما معها من المعرفة- لكانت القرود، والفيلة والذرّ، والثعالب، أولى بذلك. فلا بد من معرفة، ولا بد من طباع وصنعة.
والحمام يزجلن من لؤلؤة، وهنّ بصريّات وبغداديّات، وهنّ جمّاع من هاهنا وهاهنا، فلا تتخذ رئيسا.
وقد طعن ناس من الملحدين، وبعض من لا علم له بوجوه اللغة وتوسّع العرب في لغتها، وفهم بعضها عن بعض، بالإشارة والوحي- فقالوا: قد علمنا أن الشمع شيء تنقله النحل، مما يسقط على الشجر، فتبني بيوت العسل منه، ثم تنقل من الأشجار العسل الساقط عليها، كما يسقط التّرنجبين، والمنّ، وغير ذلك. إلا أن مواضع الشمع وأبدانه خفيّ. وكذلك العسل أخفى وأقلّ. فليس العسل بقيء ولا رجع، ولا دخل للنحلة في بطن قطّ.
وفي القرآن قول الله ﷿: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
ولو كان إنما ذهب إلى أنه شيء يلتقط من الأشجار، كالصّموغ وما يتولد من طباع الأنداء والأجواء والأشجار إذا تمازجت- لما كان في ذلك عجب إلا بمقدار ما نجده في أمور كثيرة.
قلنا: قد زعم ابن حائط وناس من جهّال الصّوفيّة، أن في النحل أنبياء، لقوله ﷿: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
. وزعموا أن الحواريّين كانوا أنبياء لقوله ﷿: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ
قلنا: وما خالف إلى أن يكون في النحل أنبياء؟! بل يجب أن تكون النحل كلها أنبياء، لقوله ﷿ على المخرج العامّ: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
، ولم يخصّ الأمهات والملوك واليعاسيب، بل أطلق القول إطلاقا.
وبعد فإن كنتم مسلمين فليس هذا قول أحد من المسلمين. وإلا تكونوا مسلمين فلم تجعلون الحجة على نبوة النحل كلاما هو عندكم باطل؟!
وأما قوله ﷿: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ
فالعسل ليس بشراب، وإنما هو شيء يحوّل بالماء شرابا، أو بالماء نبيذا. فسماه كما ترى شرابا، إذ كان يجيء منه الشراب.
وقد جاء في كلام العرب أن يقولوا: جاءت السماء اليوم بأمر عظيم.
وقد قال الشاعر:
إذا سقط السماء بأرض قومرعيناه وإن كانوا غضابا
فزعموا أنهم يرعون السماء، وأنّ السماء تسقط.
ومتى خرج العسل من جهة بطونها وأجوافها فقد خرج في اللغة من بطونها وأجوافها.
ومن حمل اللغة على هذا المركب، لم يفهم عن العرب قليلا ولا كثيرا وهذا
الباب هو مفخر العرب في لغتهم، وبه وبأشباهه اتسعت. وقد خاطب بهذا الكلام أهل تهامة، وهذيلا، وضواحي كنانة. وهؤلاء أصحاب العسل. والأعراب أعرف بكل صمغة سائلة، وعسلة ساقطة، فهل سمعتم بأحد أنكر هذا الباب أو طعن عليه من هذه الحجة؟!
حدّث عن سفيان الثَّوريّ، قال حدّثنا أبو طعمة عن بكر بن ماعز، عن ربيع بن خثيم قال: «ليس للمريض عندي دواء إلا العسل».
وعن هشام بن حسان، عن الحسن أنه كان يعجبه إذا استمشى الرجل أن يشرب اللبن والعسل.
إبراهيم بن أبي يحيى، قال: بلغني عن ابن عباس: «أن النبيّ ﷺ سئل: أيّ الشراب أفضل؟ قال: الحلو البارد».
وسفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال:
«عليكم بالشفاءين: القرآن والعسل».
شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: مضى رجل إلى ابن مسعود فقال: إن أخي يشتكي بطنه، وقد نعتت له الخمر. فقال: سبحان الله! ما كان الله ليجعل شفاءه في رجس، وإنما جعل الشفاء في اثنين: في القرآن والعسل.
سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المتوكّل الناجيّ، عن أبي سعيد الخدريّ: «أن رجلا أتى النبيّ ﷺ فقال إن أخي يشتكي بطنه، فقال ﵇: اسقه عسلا. ثم أتاه فقال: قد فعلت. قال: اسقه عسلا. ثم أتاه فقال: قد فعلت. فقال: اسقه عسلا. ثم أتاه الرابعة، فقال: صدق الله وكذب بطن أخيك. اسقه عسلا! فسقاه فبرأ الرجل».
قال: والذي يدلّ على صحة تأويلنا لقول الله ﷿:
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
، أن تكون المعجونات كلها إنما بالعسل، وكذلك الأنبجات.
وإذا ألقي في العسل اللحم الغريض فاحتاج صاحبه إليه بعد شهر أخرجه طريّا لم يتغير.
وإذا قطرت منه قطرة على وجه الأرض، فإن استدار كما يستدير الزّئبق، ولم يتفشّ، ولم يختلط بالأرض والتراب فهو الصحيح. وأجوده الذهبيّ.
ويزعم أصحاب الشراب أنهم لم يروا شرابا قطّ ألذّ ولا أحسن ولا أجمع لما يريدون، من شراب العسل الذي ينتبذ بمصر. وليس في الأرض تجار شراب ولا غير ذلك أيسر منهم.
وفيه أعجوبة: وذلك أنهم لا يعملونه إلا بماء النّيل أكدر ما يكون. وكلما كان أكدر كان أصفى. وإن عملوه بالصافي فسد.
وقد يلقى العسل على الزّبيب، وعلى عصير الكرم فيجوّدهما.
وهو المثل في الأمور المرتفعة، فيقولون: ماء كأنه العسل. ويصفون كلّ شيء حلو، فيقولون: كأنه العسل. ويقال: هو معسول اللسان. وقال الشاعر:
لسانك معسول ونفسك شحّةودون الثّريّا من صديقك مالكا
وقال الله ﷿ في كتابه، وذكر أنهار الجنة، فقال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ. وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
. فاستفتح الكلام بذكر الماء، وختمه بذكر العسل. وذكر الماء واللبن فلم يذكرهما في نعتهما ووصفهما إلا بالسلامة من الأسن والتغيّرو وذكر الخمر والعسل فقال: مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
ومِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
، فكان هذا ضربا من التفضيل، وذكرها في مواضع أخر فنفى عنها عيوب خمر الدنيا. فقال ﷿ اسمه: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
. فكان هذا القول الأول أظهر دليل على التفضيل.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع