من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب في العقارب والفأر والسنانير
نقول في العقارب والفأر والجرذان بما أمكن من القول. وإنما ذكرنا العقارب
مع ذكرنا للفأر، للعداوة التي بين الفأر والعقارب. كما رأينا أن نذكر السّنانير في باب ذكر الفأر، للعداوة التي بينهما.
فإن قلت: قد عرفنا عداوة الفأر للعقرب، فكيف تعادي الفأرة السنّور، والفأرة لا تقاوم السنّور؟! قيل: لعمري إن جرذان أنطاكية لتساجل السنانير في الحرب التي بينهما، وما يقوم لها ولا يقوى عليها إلا الواحد بعد الواحد. وهي بخراسان قويّة جدّا، وربما قطعت أذن النائم.
وفي الفأر ما إذا عضّ قتل. أخبرني أبو يونس الشريطي أنه عاين ذلك.
وأنا رأيت سنّورا عندنا ساور جرذا في بيت الحطب، فأفلت الجرذ منه وقد فقأ عين السّنّور.
والقتال يكون بين الدّيكة، وبين الكباش والكلاب والسّمانى والقبج، وضروب مما يقبل التّحريش، ويواثب عند الإغراء.
ويزعمون أنهم لم يروا قتالا قطّ بين بهيمتين ولا سبعين أشدّ من قتال يكون بين جرذين. فإذا ربط أحدهما بطرف خيط، وشدّ رجل الآخر بالطّرف الآخر من الخيط، فلهما عند ذلك من الخلب والخمش والعضّ، والتّنييب والعفاس، ما لا يوجد بين شيئين من ذوات العقار والهراش. إلا أن ذلك ما داما في الرّباط، فإذا
انحلّ أو انقطع ولّى كلّ واحد منهما عن صاحبه، وهرب في الأرض، وأخذ في خلاف جهته الآخر.
وإن جعلا في إناء من قوارير، أعني الجرذ والعقرب، وإنما ذكرت القوارير، لأنها لا تستر عن أعين الناس صنيعهما، ولا يستطيعان الخروج؛ لملاسة الحيطان- فالفأرة عند ذلك تختل العقرب، فإن قبضت على إبرتها قرضتها، وإن ضربها العقرب ضربا كثيرا فاستنفدت سمّها كان ذلك من أسباب حتفها.
ودخلت مرة أنا وحمدان بن الصباح على عبيد بن الشّونيزي فإذا عنده برنيّة زجاج، فيها عشرون عقربا وعشرون فأرة، فإذا هي تقتتل، فخيّل لي أن تلك الفأر قد اعتراها ورم من شدة وقع اللسع. ورأيت العقارب قد كلّت عنها وتاركتها، ولم أر إلا هذا المقدار الذي وصفت.
وحدثنا عنها عبيد بأعاجيب. ولو كان عبيد إسنادا لخبّرت عنه، ولكنّ موضع البياض من هذا الكتاب خير من جميع ما كان لعبيد.
وللجرذ تدبير في الشيء يأكله أو يحسوه، فإنه ليأتي القارورة الضّيّقة الرأس، فيحتال حتى يدخل طرف ذنبه في عنقها. فكلّما ابتلّ بالدّهن أخرجه فلطعه، ثم أعاده، حتى لا يدع في القارورة شيئا.
ورأيت من الجرذان أعجوبة، وذلك أن الصيادة لما سقطت على جرذ منها ضخم، اجتمعن لإخراجه وسلّ عنقه من الصيّادة، فلما أعجزهنّ ذلك قرضن الموضع المنضمّ عليه من جميع الجوانب، ليتسع الخرق فيجذبنه. فهجمت على نحاتة لو اعتمدت بسكين على ذلك الموضع لظننت أنه لم يكن يمكنني إلا شبيه بذلك.
وزعم بعض الأطباء أن السنور إنما يدفن خرأه ثم يعود إلى موضعه فيشتمّه
فإن كان يجد من ريحه بعد شيئا زاد عليه من التراب، لأنّ الفأرة لطيفة الحسّ، جيّدة الشّمّ، فإذا وجدت تلك الرائحة عرفتها فأمعنت في الهرب، فلذلك يصنع السنّور ما يصنع.
ولا يشكّ الناس [في] أن أرض سبإ وجنّتيها إنما خربتا حين دخلهما سيل العرم- والعرم: المسنّاة- وأن الذي فجّر المسنّاة، وسبّب لدخول الماء الفأرة.
والسّيل إذا دخل أخرب بقدر قوّته. وقوّته من ثلاثة أوجه: إمّا أن تدفعه ريح في مكان يفحش فيه الريح، وإما أن يكون وراءه وفوقه ماء كثير، وإما أن يصيب حدورا عميقا.
وأما حديث ثمامة فإنه قال: لم أر قطّ أعجب من قتال الفأر، كنت في الحبس وحدي، وكان في البيت الذي أنا فيه جحر فأر، يقابله جحر آخر، فكان الجرذ يخرج من أحد الجحرين فيرقص ويتوعّد، ويضرب بذنبه، ثم يرفع صدره ويهزّ رأسه. فلا يزال كذلك حتى يخرج الجرذ الذي يقابله، فيصنع كصنيعه. فبينما هما إذ عدا أحدهما فدخل جحره، ثم صنع الآخر مثل ذلك. فلم يزل ذلك دأبهما في الوعيد وفي الفرار، وفي التحاجز وفي ترك التّلاقي. إلا أني في كل مرة أظنّ للذي يظهر لي من جدهما واجتهادهما، وشدة توعّدهما، أنهما سيلتقيان بشيء أهونه العضّ والخمش، ولا والله إن التقيا قطّ؟ فعجبت من وعيد دائم لا إيقاع معه، ومن فرار دائم لا ثبات معه، ومن هرب لا يمنع من العودة، ومن إقدام لا يوجب الالتقاء. وكيف يتوعّد صاحبه ويتوعده الآخر؟ وبأيّ شيء يتوعده، وهما يعلمان أنهما لا يلتقيان أبدا؟ فإن كان قتالهما ليس هو إلا الصّخب والتّنييب فلم يفرّ كلّ واحد منهما حتى يدخل جحره؟ وإن كان غير ذلك فأيّ شيء يمنعهما من الصّدمة؟ وهذا أعجب.
وتقول العرب: «الضبّ أطول شيء ذماء».
ولا أعلم في الأرض شيئا أقصر ذماء، ولا أضعف منّة ولا أجدر أن يقتله اليسير من الفأر.
وبلغ من تحرّزه واحتياطه، أنه يسكن السقوف، فربما فاجأه السّنّور وهو يريد أن يعبر إلى بيته والسّنّور في الأرض والفأرة في السّقف، ولو شاءت أن تدخل بيتها لم يكن للسّنّور عليها سبيل، فتتحيّر، فيقول السّنّور بيده كالمشير بيساره: ارجع. فإذا رجعت أشار بيمينه: أن عد فيعود. وإنما يطلب أن تعيا أو تزلق أو يدار بها. ولا يفعل ذلك بها ثلاث مرّات، حتى تسقط إلى الأرض، فيثب عليها. فإذا وثب عليها لعب بها ساعة ثم أكلها. وربما خلّى سبيلها، وأظهر التغافل عنها فتمعن في الهرب، فإذا ظنّت أنها نجت وثب عليها وثبة فأخذها. فلا يزال كذلك كالذي يحبّ أن يسخر من صاحبه، وأن يخدعه، وأن يأخذه أقوى ما يكون طمعا في السّلامة، وأن يورثه الحسرة والأسف، وأن يلذّ بتنغيصه وتعذيبه.
وقد يفعل مثل ذلك العقاب بالأرنب، ويفعل مثل ذلك السّنّور بالعقرب.
وقال أبو زيد: دخلت على رؤبة هو يملّ جرذانا، فإذا نضجت أخرجها من الجمر فأكلها، فقلت له: أتأكل الجرذان؟! قال: هي خير من اليرابيع والضّباب.
إنها عندكم تأكل التّمر والجبن والسويق والخبز، وتحسو الزّيت والسمن.
وقد كان ناس من أهل سيف البحر من شقّ فارس يأكلون الفأر والضفادع،
ممقورة ومملوحة، وكانوا يسمونها: جنك جنك ووال وال.
وقال أوس بن حجر:
لحينهم لحي العصا فطردنهمإلى سنة جرذانها لم تحلّم
يقال: تحلّم الصّبيّ: إذا بدأ في السّمن؛ فإذا زاد على المقدار قيل قد ضبّب، أي سمن سمنا متناهيا.
ويقال: «أسرق من زبابة». والزّبابة: الفأرة. ويقال: «أسرق من جرذ».
وقال أنس بن أبي إياس لحارثة بن بدر حين ولي أرض سرّق:
أحار بن بدر قد وليت ولايةفكن جرذا فيها تخون وتسرق
وباه تميما بالغنى إنّ للغنىلسانا به المرء الهيوبة ينطق
فإنّ جميع الناس إمّا مكذّبيقول بما تهوى وإمّا مصدّق
يقولون أقوالا ولا يعلمونهاوإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحققوا
فلا تحقرن يا حار شيئا أصبتهفحظّك من ملك العراقين سرّق
فلما بلغت حارثة بن بدر قال: لا يعمى عليك الرّشد.
قال: ووقفت عجوز على قيس بن سعد، فقالت: أشكو إليك قلّة الجرذان.
قال: ما ألطف ما سألت! لأملأنّ بيتك جرذانا. تذكر أنّ بيتها قفر من الأدم والمأدوم، فأكثر لها يا غلام من ذلك.
قال: وسمعت قاصّا مدينيّا يقول في دعائه: اللهمّ أكثر جرذاننا وأقلّ صبياننا.
وبين الفأر وبين طباع كثير من الناس منافرة، حتى إنّ بعضهم لو وطئ على ثعبان، أو رمي بثعبان- لكان الذي يدخله من المكروه والوحشة والفزع، أيسر مما يدخله من الفأرة لو رمي بها، أو وطئ عليها.
وخبرني رجال من آل زائدة بن مقسم، أن سليمان الأزرق دعي لحيّة شنعاء قد صارت في دارهم، فدخلت في جحر، وأنه اغتصبها نفسها حتى قبض على ما ألفى منها، ثم أدارها على رأسه كما يصنع بالمخراق، وأهوى بها إلى الأرض ليضربها بها، فابتدرت من حلقها فأرة كانت ازدردتها. فلما رأى الفأرة هرب وصرخ صرخة.
قالوا: فأخذ مشايخنا الغلمان بإخراج الفأرة وتلك الحيّة الشنعاء إلى مجلس الحيّ ليعجّبوهم من إنسان قتل هذه وفرّ من هذه.
وسألت بعض الحوّائين ممن يأكل الأفاعي فما دونها، فقلت: ما بال الحيات منتنة الجلود والجروم ؟ قال: أمّا الأفاعي فإنّها ليست بمنتنة، لأنها لا تأكل الفأر، وأما الحيّات عامة فإنها تطلب الفأر طلبا شديدا. وربما رأيت الحيّة وما يكون غلظها إلا مثل غلظ إبهام الكبير، ثم أجدها قد ابتلعت الجرذ أغلظ من الذّراع. فأنكر نتن الحيّات إلا من هذا الوجه. ولم أر الذي قال قولا.
ودخل أعرابيّ بعض الأمصار، فلقي من الجرذان جهدا، فرجز بها ودعا عليها، فقال:
يعجّل الرحمن بالعقابلعامرات البيت بالخراب
حتى يعجّلن إلى الثيابكحل العين وقصّ الرقاب
مستتبعات خلفة الأذنابمثل مداري الحصن السّلّاب
ثم دعا عليهنّ بالسّنّور فقال:
أهوى لهنّ أنمر الإهابمنهرت الشّدق حديد النّاب
كأنما برثن بالحراب
وتوصف عضل الحفّار والماتح والذي يعمل في المعادن، فتشبّه بالجرذان، إذا تفلّق لحمه عن صلابة، وصار زيما. قال الرّاجز:
أعددت للورد، إذا الورد حفزغربا جرورا وجلالا خزخز
وماتحا لا ينثني إذا احتجزكأنّ جوف جلده إذا احتفز
في كلّ عضو جرذين أو خزز
والخزز: ذكر الأرانب واليرابيع.
والزّباب، والخلد، واليرابيع، والجرذان، كله فأر. ويقال لولد اليرابيع درص وأدراص. والخلد أعمى، لا يزال كذلك. والزّباب أصمّ، لا يزال كذلك. وأنشد:
وهم زباب حائرلا تسمع الآذان رعدا
هكذا أنشدونا.
وأنشد الأصمعي لمزرّد بن ضرار، في تشبيه الجرع في حلوق الإبل بجثمان الزّباب- وهو الشكل الذي وصفناه- فقال في وصف ضيف له سقاه، فوصف جرعه:
فقلت له اشرب لو وجدت بهازراطوال الذّرى من مفرهات خناجر
ولكنما صادفت ذودا منيحةلمثلك يأتي للقرى غير عاذر
فأهوى له الكفّين وامتدّ حلقهبجرع كأثباج الزّباب الزّنابر
وقال أعرابيّ وهو يطنز بغريم له، ويذكر قرص الفأر الصّكاك، عند فراره منه:
«الزم الصّكّ لا يقرضه الفأر!» تهزّؤوا به:
أهون عليّ بسيّار وصفوتهإذا جعلت ضرارا دون سيّار
التّابعي ناشرا عندي صحيفتهفي السوق بين قطين غير أبرار
جاؤوا إليّ غضابا يلغطون معايشفي إراتهم أن غاب أنصاري
لمّا أبوا جهرة إلا ملازمتيأجمعت مكرا بهم في غير إنكار
وقلت: إني سيأتيني غدا جلبيوإنّ موعدكم دار ابن هبّار
وما أواعدهم إلا لأربثهمعني فيخرجني نقضي وإمراري
وما جلبت إليهم غير راحلةتخدي برحلي وسيف جفنه عاري
إنّ القضاء سيأتي دونه زمنفاطو الصحيفة واحفظها من الفار
وصفقة لا يقال الرّبح تاجرهاوقعت فيها وقوع الكلب في النار
والعرب تعيب الإنسان إذا كان ضيّق الفم، أو كان دقيق الخطم، يشبّهون ذلك بفم الفأرة. وقال عبدة بن الطبيب:
ما مع أنك يوم الورد ذو لغطضخم الجزارة بالسّلمين وكّار
تكفي الوليدة في الباديّ مؤتزرافاحلب فإنك حلّاب وصرّار
ما كنت أول ضبّ صاب تلعتهغيث فأمرع واسترخت به الدار
أنت الذي لا نرجّي نيله أبداجلد النّدى، وغداة الرّوع خوّار
تدعو بنيّيك عبّادا وحذيمةفا فأرة شجّها في الجحر محفار
وقال أبو الشّمقمق في الفأر والسّنّور:
ولقد قلت حين أقفر بيتيمن جراب الدّقيق والفخّاره
ولقد كان آهلا غير قفرمخصبا خيره كثير العماره
فأرى الفأر قد تجنّبن بيتيعائذات منه بدار الإماره
ودعا بالرّحيل ذبّان بيتيبين مقصوصة إلى طيّاره
وأقام السّنّور في البيت حولاما يرى في جوانب البيت فاره
ينغض الرّأس منه من شدّة الجوع وعيش فيه أذى ومراره
قلت لمّا رأيته ناكس الرّأس كئيبا، في الجوف منه حراره
ويك صبرا فأنت من خير سنور رأته عيناي قطّ بحاره
قال: لا صبر لي، وكيف مقاميببيوت قفر كجوف الحماره
قلت: سر راشدا إلى بيت جارمخصب رحله عظيم التّجاره
وإذا العنكبوت تغزل في دنّيوحبّي والكوز والقرقاره
وأصاب الجحام كلبي فأضحىبين كلب وكلبة عيّاره
وقال أيضا:
ولقد قلت حين أجحرني البرد كما تجحر الكلاب ثعاله
في بييت من الغضارة قفرليس فيه إلا النّوى والنّخاله
عطّلته الجرذان من قلّة الخيروطار الذّباب نحو زباله
هاربات منه إلى كلّ خصبجيدة لم يرتجين منه بلاله
وأقام السّنّور فيه بشرّيسأل الله ذا العلا والجلاله
أن يرى فأرة، فلم ير شيئاناكسا رأسه لطول الملاله
قلت لمّا رأيته ناكس الرأس كئيبا يمشي على شرّ حاله
قلت صبرا يا ناز رأس السّنانير، وعلّلته بحسن مقاله
قال: لا صبر لي، وكيف مقاميفي قفار كمثل بيد تباله
لا أرى فيه فأرة أنغض الرأس ومشيي في البيت مشي خياله
قلت: سر راشدا فخار لك اللهولا تعد كربج البقاله
فإذا ما سمعت أنّا بخيرفي نعيم من عيشة ومناله
فائتنا راشدا ولا تعدونّاإن من جاز رحلنا في ضلاله
قال لي قولة، عليك سلامغير لعب منه ولا ببطاله
ثمّ ولّى كأنه شيخ سوءأخرجوه من محبس بكفاله
وقال أيضا:
نزل الفأر ببيتيرفقة من بعد رفقه
حلقا بعد قطارنزلوا بالبيت صفقه
ابن عرس رأس بيتيصاعدا في رأس نبقه
سيفه سيف حديدشقّه من ضلع سلقه
جاءنا يطرق باللّيلفدقّ الباب دقّه
دخل البيت جهارالم يدع في البيت فلقه
وتترّس برغيفوصفق نازويه صفقه
صفقة أبصرت منهافي سواد العين زرقه
زرقة مثل ابن عرسأغبش تعلوه بلقه
وقال أيضا:
أخذ الفأر برجليجفلوا منها خفافي
وسراويلات سوءوتبابين ضعاف
درجوا حولي بزفنوبضرب بالدّفاف
قلت: ما هذا؟ فقالوا:أنت من أهل الزّفاف
ساعة ثمّت جازواعن هواي في خلاف
نقروا استي وباتوادون أهلي في لحافي
لعقوا استي وقالواريح مسك بسلاف
صفعوا نازوية حتىاستهلّت بالرّعاف
يروى عن النبيّ ﷺ أنه قال: «خمس يورثن النسيان: أكل التفاح، وسؤر الفأرة، والحجامة في النقرة، ونبذ القملة، والبول في الماء الراكد».
وابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إذا رقدت فأغلق بابك، وخمّر إناءك، وأوك سقاءك، وأطفئ مصباحك؛ فإن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يكشف إناء، ولا يحل وكاء، وإن الفأرة الفويسقة تحرّق على أهل البيت».
قالوا: في قول النبيّ ﷺ في السنانير: «إنهنّ من الطّوّافات عليكم»، وفي تفريقه بين سؤر السّنّور وسؤر الكلب- دليل على حبّه لاتخاذهنّ. وليس لاتخاذهنّ وجه إلا إفناء الفأر وقتل الجرذان. فكأنّ النبيّ ﷺ كما أحبّ استحياء السنانير، فقد أحبّ إهلاك الفأر.
وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ قال: «عذبت امرأة في هرّة سجنتها- ويقال: ربطتها- فلم تطعمها ولم تسقها، ولم ترسلها تأكل من خشاش الأرض».
وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: «دخلت امرأة ممن كان قبلكم النار في هرّة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تصيب من خشاش الأرض، حتى ماتت فأدخلت النار، كلما أقبلت نهشتها، وكلما أدبرت نهشتها».
قال: وذكر النبيّ ﷺ، صاحب المحجن يجرّ قصبه في النار حتى قال:
«وحتى رأيت فيها صاحبة الهرّة التي ربطتها، فلم تدعها تأكل من خشاش الأرض».
قال ابن يسير في صفة السّنّور- فوصفه بصفة الأسد، إلا ما وصفه به من التنمير، فإن السنور يوصف بصفة الأسد، إذا أرادوا به الصورة والأعضاء، والوثوب والتخلّع في المشي. ألا إن في السنانير السود والنّمر والبلق، والخلنجيّة. وليس في ألوان الأسد من ذلك شيء، إلا كما ترون في النوادر: من الفأرة البيضاء، والفاختة البيضاء، والورشان الأبيض، والفرس الأبيض- فقال ابن يسير في دعائه على حمام ذلك الجار حين انتهى إلى ذكر السنور:
وخبعثن في مشيه متبهنسخطف المؤخّر كامل التصدير
مما أعير مفرّ أغضف ضيغمعن كلّ أعصل كالسّنان هصور
متسربل ثوب الدّجى أو غبشةشيبت على متنيه بالتّنمير
يختصّ كلّ سليل سابق غايةمحض النّجار مهذّب مخبور
وإذا وصفوا الناقة بأنها رواع شديدة التفزّع، لفرط نشاطها ومرحها، وصفوها بأن هرّا قد نيّب في دفّها. وأكثر ما يذكرون في ذلك الهرّ؛ لأنه يجمع العضّ بالناب، والخمش بالمخالب. وليس كل سبع كذلك.
وقال ضابئ بن الحارث:
بأدماء حرجوج ترى تحت غرزهاتهاويل هرّ أو تهاويل أخيلا
وقد أوس بن حجر:
كأن هرّا جنيبا تحت مغرضهاوالتفّ ديك برجليها وخنزير
وقال عنترة:
وكأنّما ينأى بجانب دفّها الوحشيّ من هزج العشيّ مؤوّم
هرّ جنيب كلما عطفت لهغضبى اتّقاها باليدين وبالفم
والفيل يفزع من السّنور فزعا شديدا.
ومما يقع في باب الهجاء، للسنور، قول عبد الله بن عمرو بن الوليد، في أمّ سعيد بنت خالد:
وما السّنّور في نفسي بأهللغزلان الخمائل والبراق
فطلّقها فلست لها بأهلولو أعطيت هندا في الصّداق
قال صاحب الكلب: قالوا: ولما مات القصبيّ- وكان من موالي بني ربيعة بن حنظلة، وهو عمرو القصبي، ومات بالبصرة- رجم بالسنانير الميّتة. قال: وقد صنعوا شبيها بذلك بخالد بن طليق، حين زعم أهله أن ذلك كان عن تدبير محمد بن سليمان.
وقالوا: ولم نر الناس رموا أحدا بالكلاب الميّتة. والكلاب أكثر من السنانير حيّة وميّتة. فليس ذلك إلا لأن السنانير أحقر عندهم وأنتن.
قال: ويقال للجرذان العضلان. وأولاد الفأر أدراص، والواحد درص. وكذلك أولاد اليرابيع. يقال: أدراص ودروص. وقال أوس بن حجر:
وودّ أبو ليلى طفيل بن مالكبمنعرج السّوبان لو يتقصّع
قال: واليرابيع: ضرب من الفأر. قال: ويقال: نفّق اليربوع ينفّق تنفيقا: إذا عمل النافقاء، وهي إحدى مجاحره، ومحافره. وهي النافقاء والقاصعاء، والدّامّاء، والراهطاء. وقال الشاعر:
فما أمّ الرّدين وإن أدلّتبعالمة بأخلاق الكرام
إذا الشيطان قصّع في قفاهاتنفّقناه بالحبل التّؤام
فإذا طلب من إحدى هذه الحفائر نافق، أي فخرج النّافقاء، وإن طلب من النافقاء قصّع. ويقال: أنفقته إنفاقا: إذا صاح به حتى يخرج. ونفق هو: إذا خرج من النافقاء.
وفي احتيال اليرابيع بالنافقاء، والقاصعاء، والدّمّاء والرّاهطاء، وفي جمعها التراب على نفس باب الجحر، وفي تقدمها بالحيلة والحراسة، وفي تغليطها لمن أرادها، والتّورية بشيء عن شيء، وفي معرفتها بباب الخديعة، وكيف توهم عدوّها خلاف ما هي عليه، ثم في وطئها على زمعاتها، في السهولة وفي الأرض اللينة، كي لا يعرف أثرها الذي يقتصّه، وفي استعمالها واستعمال بعض ما يقاربها في الحيلة التوبير- والتوبير: الوطء على مآخير أكفّها- العجب العجيب.
وزعم أبو عقيل بن درست، وشدّاد الحارثيّ، وحسين الزهريّ أن الزباء الروميّة إنما عملت تلك الأنفاق التي ذكرها الشاعر فقال:
أقام لها على الأنفاق عمروولم تشعر بأنّ لها كمينا
على تدبير اليرابيع في محافيرها هذه، ومخارجها التي أعدّتها ومداخلها، وعلى قدر ما يفجؤها من الأمر.
وأن أهل تبّت والرّوم، إنما استخرجوا الاحتيال بالأنفاق والمطامير والمخارق على تدبير اليرابيع.
وإنما سمّى الله ﷿ الكافر في باطنه المورّي بالإيمان، والمستتر بخلاف ما يسرّ- بالمنافق، على النافقاء والقاصعاء، وعلى تدبير اليربوع في التورية بشيء عن شيء. قال الشاعر:
إذا الشيطان قصّع في قفاهاتنفقّناه بالحبل التّؤام
وهذا الاسم لم يكن في الجاهلية لمن عمل بهذا العمل. ولكن الله ﷿ اشتق لهم هذا الاسم من هذا الأصل.
وقد علمنا أن قولهم لمن لم يحجّ: «صرورة»، ولمن أدرك الجاهلية والإسلام: «مخضرم»، قولهم وتسميتهم لكتاب الله: «قرآنا» «فرقانا»، وتسميتهم للتمسّح بالتراب: «التيمّم»، وتسميتهم للقاذف ب «فاسق» - أن ذلك لم يكن في الجاهلية.
وإذا كان للنابغة أن يبتدئ الأسماء على الاشتقاق من أصل اللغة، كقوله:
والنّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
وحتى اجتمعت العرب على تصويبه، وعلى اتباع أثره، وعلى أنها لغة عربية- فالله الذي له أصل اللغة أحقّ بذلك.
وذكر شمّاخ بن ضرار الزّموع، وكيف تطأ الأرنب على زمعاتها لتغالط الكلاب وجميع ما يطالبها- فذكر بديئا شأن العير والعانة، فقال:
إذا ما استافهنّ ضربن منهمكان الرّمح من أنف القدوع
وقد جعلت ضغائنهنّ تبدوبما قد كان نال بلا شفيع
مدلّات، يردن النّأي منهوهنّ بعين مرتقب تبوع
ثم أخذ في صفة العقاب، وصار إلى صفة الأرنب فقال:
كأنّ متونهنّ مولّياتعصيّ جناح طالبة لموع
قليلا ما تريث إذا استفادتغريض اللّحم عن ضرم جزوع
ثم قال:
فما تنفكّ بين عويرضاتتجرّ برأس عكرشة زموع
تطارد سيد صارات، ويوماعلى خزّان قارات الجموع
تلوذ ثعالب الشّرفين منهاكما لاذ الغريم من التّبيع
نماها العزّ في قطن، نماهاإلى فرخين في وكر رفيع
ترى قطعا من الأحناش فيهاجماجمهنّ كالخشل النّزيع
والزّموع: التي تمشي على زمعاتها: مآخير رجليها قال أبو المفضل: توبّر بيديها، وتمشي على زمعاتها على رجليها، وهي مواضع الثّنن من الدوابّ، والزّمع المعلّق خلف الظّلف من الشاة والظبي والثور.
قال: وكل ذلك توبير. وهو أن تطأ على مآخير قوائمها، كي لا يعرف أثرها إنسان ولا كلب.
وذكر أنها تطارد ذئبا مرّة، وخززا مرة، وهو الذّكر من الأرانب؛ والعكرشة:
الأنثى، والخرنق: ولدها. فإذا قلت أرنب، أو عقاب فليس إلا التأنيث. هذه العقاب، وهذه الأرانب، إلا أن تقول: خزز.
وقطن: جبل معروف. والأحناش: الحيات. وأحناش الأرض: الضبّ، والقنفذ، واليربوع، وهي أيضا حشرات الأرض. فجعل الحية حنشا على قولهم: «قد آذتني دوابّ رأسي»: يعنون القمل؛ وعلى قوله تعالى: ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ
قال أبو المفضّل العنبري: ما أراد إلا الحيّات بأعيانها في هذا الموضع، فإن العقبان أسرع إلى أكل الحيّات، من الحيّات إلى أكل الفأر. ويدلّ على أنه إنما أراد رؤوس الحيّات بأعيانها، قوله:
ترى قطعا من الأحناش فيهاجماجمهنّ كالخشل النزيع
لأن أرؤس الحيات سخيفة، قليلة اللّحم والعظام. فلذلك شبّهها بالخشل النزيع. والخشل: المقل السخيف اليابس الخفيف.
قال خلف الأحمر:
سقى حجّاجنا نوء الثّريّاعلى ما كان من مطل وبخل
هم جمعوا النّعال فأحرزوهاوسدّوا دونها بابا بقفل
إذا أهديت فاكهة وشاةوعشر دجائج بعثوا بنعل
ومسواكين طولهما ذراعوعشر من رديّ المقل خشل
فإن أهديت ذاك ليحملونيعلى نعل فدقّ الله رجلي
أناس تائهون، لهم رواءتغيم سماؤهم من غير وبل
إذا انتسبوا ففرع من قريشولكنّ الفعال فعال عكل
والحتيّ، المقل على وجهه، وقال أبو ذؤيب:
لا درّ درّي إن أطعمت نازلهمقرف الحتيّ وعندي البرّ مكنوز
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع