من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب في ذكر المنى
قال: سئل ابن أبي بكرة: أيّ شيء أدوم إمتاعا؟ قال: المنى.
قال: وقال يزيد بن معاوية على منبره: ثلاث يخلقن العقل، وفيها دليل على الضّعف: سرعة الجواب، وطول التمنّي، والاستغراق في الضّحك!
وقال عباية الجعفي: ما سرّني بنصيبي من المنى حمر النّعم! وقال الأصمعي: قال ابن أبي الزّناد: المنى والحلم أخوان.
وقال معمّر بن عبّاد: «الأماني للنّفس، مثل التّرّهات للّسان».
وقال الشاعر:
الله أصدق والآمال كاذبةوجلّ هذي المنى في الصّدر وسواس
وقال الآخر:
إذا تمنّيت مالا بتّ مغتبطاإنّ المنى روس أموال المفاليس
لولا المنى متّ من همّ ومن حزنإذا تذكرت ما في داخل الكيس
وقال بعض الأعراب:
منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنىوإلّا فقد عشنا به زمنا رغدا
أمانيّ من سلمى حسان كأنماسقتني بها سلمى على ظما بردا
وقال بشار:
كررنا أحاديث الزمان الذي مضىفلذّ لنا محمودها وذميمها
وروى الأصمعيّ عن بعضهم أنه قال: الاحتلام أطيب من الغشيان، وتمنّيك للشيء أوفر حظا في اللّذة من قدرتك عليه.
قال: كأنه ذهب إلى أنه إذا ملك وجبت عليه في ذلك الملك حقوق، وخاف الزوال واحتاج إلى الحفظ.
وقال: وفي الحديث المأثور: «ما عظمت نعمة الله على أحد إلّا عظمت مؤونة الناس عليه».
قال: وقيل لمزبّد: أيسرّك أن عندك قنّينة شراب؟ قال: يا ابن أمّ، من يسرّه دخول النار بالمجاز؟! قال: وقدّموا إلى أبي الحارث جمّيز جام خبيص وقالوا له: أهذا أطيب أم الفالوذج ؟ قال: لا أقضي على غائب! قال: وقال مدينيّ لرجل: أيسرّك أن هذه الدار لك؟ قال: نعم. قال: وليس إلا نعم فقط؟ قال: فما أقول؟ قال: تقول: نعم، وأحمّ سنة! قال: نعم، وأنا أعور.
قال: وقيل لمزبّد: أيسرّك أن هذه الجبّة لك؟ قال: نعم، وأضرب عشرين سوطا. قال: ولم تقول هذا؟ قال: لأنه لا يكون شيء إلا بشيء.
قال: وقال عبد الرحمن بن أبي بكرة: من تمنّى طول العمر فليوطّن نفسه على المصائب.
يقول: إنه لا يخلو من موت أخ، أو عمّ، أو ابن عمّ، أو صديق، أو حميم وقال المجنون:
أيا حرجات الحيّ حيث تحمّلوابذي سلم لاجادكنّ ربيع
وخيماتك اللاتي بمنعرج اللّوىبلين بلى لم تبلهنّ ربوع
فقدتك من قلب شعاع، فطالمانهيتك عن هذا وأنت جميع
فقرّبت لي غير القريب، وأشرفتمناك ثنايا ما لهنّ طلوع
قال: وقال عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث: لولا أربع خصال ما أعطيت عربيّا طاعة: لو ماتت أمّ عمرو- يعني أمّه- ولو نسبت، ولو قرأت القرآن، ولو لم يكن رأسي صغيرا.
قال: وقدم عبد الملك، وكان يحبّ الشّعر فبعثت إلى الرواة، فما أتت عليّ سنة حتى رويت الشاهد والمثل، وفصولا بعد ذلك. وقدم مصعب وكان يحبّ النّسب، فدعوت النّسّابين فتعلّمته في سنة. ثم قدم الحجّاج، وكان يدني على القرآن، فحفظته في سنة.
قال: وقال يزيد بن المهلّب: لا أخرج حتى أحجّ، وأحفظ القرآن، وتموت أمّي. فخرج قبل ذلك كلّه.
وقال عبيد الله بن يحيى: كان من أصحابنا بمرو جماعة، فجلسنا ذات يوم نتمنّى، فتمنّيت أن أصير إلى العراق من أيامي سالما، وأن أقدم فأتزوّج سماع، وألي كسكر.
قال: فقدمت سالما، وتزوجت سماع، ووليت كسكر.
قال: ووقف هشام بن عبد الملك على الفرات، ومعه عبد الرحمن بن رستم، فقال هشام: ما في الأرض نهر خير من الفرات! فقال عبد الرحمن: ما في الأرض نهر شرّ من الفرات، أوّله للمشركين، وآخره للمنافقين.
وقال أبو الحسن: الفرات ودجلة رائدان لأهل العراق لا يكذبان.
قال الأصمعيّ وأبو الحسن: فهما الرائدان، وهما الرّافدان.
وقال الفرزدق:
أمير المؤمنين وأنت عفّكريم، لست بالوالي الحريص
بعثت إلى العراق ورافديهفزاريّا أحذّ يد القميص
ولم يك قبلها راعي مخاضليأمنه على وركي قلوص
تفيهق بالعراق أبو المثنّىوعلّم قومه أكل الخبيص
قال: وبينا غيلان بن خرشة، يسير مع [عبد الله] بن عامر، إذ وردا على نهر أمّ عبد الله فقال ابن عامر: ما أنفع هذا النهر لأهل هذا المصر! قال غيلان:
أجل أيها الأمير، والله إنهم ليستعذبون منه، وتفيض مياههم إليه، ويتعلم صبيانهم فيه العوم، وتأتيهم ميرتهم فيه.
فلما أن كان بعد ذلك ساير ذات يوم زيادا- وكان زياد عدوّا لابن عامر- فقال زياد: ما أضرّ هذا النهر بأهل هذا المصر! فقال: أجل والله أيها الأمير! تنزّ منه دورهم، ويغرق فيه صبيانهم، ويبعضون ويبرغثون !
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع