من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب في العصافير
(القول في العصافير وسنقول باسم الله وعونه في العصفور بجملة من القول.)
وعلى أنّا قد ذكرنا من شأنه أطرافا ومقطّعات من القول تفرّقن في تضاعيف تلك الأصناف. وإذا طال الكلام وكثرت فنونه، صار الباب القصير من القول في غماره مستهلكا، وفي حومته غرقا، فلا بأس أن تكون تلك الفقر مجموعات، وتلك المقطّعات موصولات، وتلك الأطراف مستقصيات مع الباقي من ذكرنا فيه؛ ليكون الباب مجتمعا في مكان واحد. فبالاجتماع تجتمع القوة، ومن الأبعاض يلتئم الكلّ، وبالنظام تظهر المحاسن.
ولست أدّعي في شيء من هذه الأشكال الإحاطة به، والجمع لكل شيء فيه.
ومن عجز عن نظم الكثير، وعن وضعه في مواضعه- كان عن بلوغ آخره، وعن استخراج كل شيء فيه أعجز. والمتح أهون من الاستنباط، والحصد أيسر من الحرث.
وهذا الباب لو ضمّنه على كتابه من هو أكثر مني رواية أضعافا، وأجود مني حفظا بعيدا، وكان أوسع مني علما وأتمّ عزما، وألطف نظرا وأصدق حسّا، وأغوص على البعيد الغامض، وأفهم للعويص الممتنع، وأكثر خاطرا وأصحّ قريحة، وأقلّ سآمة، وأتمّ عناية، وأحسن عادة مع إفراط الشهوة، وفراغ البال، وبعد الأمل، وقوة الطمع في تمامه، والانتفاع بثمرته، ثم مدّ له في العمر، ومكّنته المقدرة- لكان قد ادّعى معضلة، وضمن أمرا معجزا، وقال قولا مرغوبا عنه، متعجّبا منه؛ ولكان لغوا ساقطا، وحارضا بهرجا؛ ولكان ممن يفضل قوله على فعله، ووعده على مقدار إنجازه؛ لأن الإنسان، وإن أضيف إلى الكمال وعرف بالبراعة، وغمر العلماء؛ فإنه
لا يكمل أن يحيط علمه بكلّ ما في جناح بعوضة، أيام الدنيا، ولو استمد بقوة كلّ نظّار حكيم؛ واستعار حفظ كلّ بحّاث واع؛ وكلّ نقّاب في البلاد، ودرّاسة للكتب.
وما أشكّ أن عند الوزراء في ذلك ما ليس عند الرعيّة من العلماء، وعند الخلفاء ما ليس عند الوزراء، وعند الأنبياء ما ليس عند الخلفاء، وعند الملائكة ما ليس عند الأنبياء، والذي عند الله أكثر، والخلق عن بلوغه أعجز، وإنما علّم الله كلّ طبقة من خلقه بقدر احتمال فطرهم، ومقدار مصلحتهم.
]
فإن قلت: فقد علّم الله ﷿ آدم الأسماء كلّها - ولا يجوز تعريف الأسماء بغير المعاني- وقلت: ولولا حاجة الناس إلى المعاني، وإلى التعاون والترافد، لما احتاجوا إلى الأسماء. وعلى أن المعاني تفضل عن الأسماء، والحاجات تجوز مقادير السّمات، وتفوت ذرع العلامات فممّا لا اسم له خاصّ الخاصّ. والخاصّيّات كلها ليست لها أسماء قائمة.
وكذلك تراكيب الألوان، والأراييح، والطعوم، ونتائجها.
وجوابي في ذلك: أن الله ﷿ لم يخبرنا أنه قد كان علّم آدم كلّ شيء يعلمه تعالى، كما لا يجوز أن يقدره على كلّ شيء يقدر عليه.
وإذا كان العبد المحدود الجسم، المحدود القوى، لا يبلغ صفة ربّه الذي اخترعه، ولا صفة خالقه الذي ابتدعه- فمعلوم أنه إنما عنى بقوله: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
علم مصلحته في دنياه وآخرته.
وقال الله ﷿: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
. وقال الله ﷿:
وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
. وقال الله تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا
. وقال تقدّست أسماؤه: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
. وقال الله ﷿: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
وهذا الباب من المعلوم، غير باب علم ما يكون قبل أن يكون؛ لأن باب (كان) قد يعلم بعضه، وباب (يكون) لا سبيل إلى معرفة شيء منه. والمخاطبة وقعت على جميع المتعبّدين، واشتملت على جميع أصناف الممتحنين، ولم تقع على أهل عصر دون عصر، ولا على أهل بلد دون بلد، ولا على جنس دون جنس، ولا على تابع دون متبوع ولا على آخر دون أوّل.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع