من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
أجناس الطير التي تألف دور الناس
العصافير، والخطاطيف، والزّرازير، والخفافيش. فبين هذه [وبين الناس] مناسبة ومشاكلة، وإلف ومحبّة.
والخطاطيف تقطع إليهم وتعزب عنهم. والعصافير لا تفارقهم. وإن وجدت دارا مبنية لم تسكنها حتى يسكنها إنسان. ومتى سكنتها لم تقم فيها إذا خرج منها ذلك الإنسان. فبفراقه تفارق، وبسكناه تسكن، وهذه فضيلة لها على الخطاطيف.
والحمام لا يقيم معهم في دورهم إلا بعد أن يثبّتوه ويعلّموه، ويرتّبوا حاله ويدرّجوه. ومنها ما هو وحشيّ طورانيّ، وربما توحّش بعد الأنس والعصافير على خلاف ذلك، فلها بذلك فضيلة على الحمام، وعلى الخطّاف.
وقد يدرّب العصفور ويثبّت فيستجيب من المكان البعيد، ويثبت ويدجن.
فهو مما يثبت ويعايش الناس، من تلقاء نفسه مرة، وبالتثبيت مرة. وليس كذلك شيء مما يأوي إلى الناس من الطير.
وقد بلغني أن بعض ما يستجيب منها قد درّب فرجع من ميل. فأما الهداية من تلقاء نفسه فمن الفراسخ الكثيرة.
وحدّثني حمّويه الخريبيّ وأبو جراد الهزاردريّ قالا: إذا كان زمان البيادر لم يبق بالبصرة عصفور إلا صار إلى البساتين، إلا ما أقام على بيضه وفراخه. وكذلك العصافير إذا خرج أهل الدّار من الدّار، فإنه لا يقيم في تلك الدار عصفور إلا على بيض أو فراخ. فإذا لم يكن لها استوحشت، والتمست لأنفسها الأوكار في الدّور المعمورة. ولذلك قال أبو يعقوب إسحاق الخريمي:
فتلك بغداد ما تبنّى من الوحشة في دورها عصافرها
قالا: فعلى قدر قرب القبائل من البساتين سبق العصافير إليها، فإذا جاءت العصافير التي تلي أقرب القبائل منها إلى أوائل البساتين فوجدت عصافير ما هو أقرب إليها منها قد سبقت إليها تعدّتها إلى البساتين التي تليها وكذلك صنيع ما بقي من عصافير القبائل الباقية حتى تصير عصافير آخر البصرة إلى آخر البساتين. وذلك شبيه بعشرين فرسخا. فإذا قضت حاجتها، وانقضى أمر البيادر أقبلت من هناك، على أمارات لها معروفة، وعلامات قائمة، حتى تصير إلى أو كارها.
والطير كله على ثلاثة أضرب: فضرب من بهائم الطير، وضرب كسباع الطير، وضرب كالمشترك المركّب منها جميعا.
فالبهيمة كالحمام وأشباه الحمام، مما يغتذي الحبوب والبزور والنبات، ولا يغتذي غير ذلك.
والسبع: الذي لا يغتذي إلا اللحم.
وقد يأكل الأسد الملح، ليس على طريق التغذي، ولكن على طريق التّملّح والتحمّض.
فممّا يشارك فيه العصفور بهائم الطير، أنه ليس بذي مخلب ولا منسر، وهو مما إذا سقط على عود قدّم أصابعه الثلاث، وأخّر الدّابرة. وسباع الطير تقدّم إصبعين، وتؤخّر إصبعين.
ومما شارك فيه السّبع أنّ بهائم الطير تزقّ فراخها، والسّباع تلقم فراخها.
والفراخ على ثلاثة أضرب: ففرخ كالفرّوج لا يزق ولا يلقم؛ وهو يظهر كاسبا. وفرخ كفرخ الحمام وأشباه الحمام، فهو يزقّ ولا يلقم. وفرخ كفرخ العقاب والبازي، والزرّق، والشاهين والصقر، وأشباهها من السّباع فهو يلقم ولا يزقّ.
فأشبهها العصفور من هذا الوجه.
وفيه من أخلاق السّباع: أنه يصيد الجرادة، والنمل الطيّار، ويأكل اللحم، ويلقم فراخه اللحم.
وليس في الأرض رأس أشبه برأس حيّة من رأس عصفور
والأجناس التي تعايش الناس: الكلب، والسّنّور، والفرس، والبعير، والحمار، والبغل، والحمام، والخطّاف، والزّرزور، والخفّاش، والعصفور.
قالوا: وليس في جميعها أطول عمرا من البغل، ولا أقصر عمرا من العصفور.
قالوا: ونظن ذلك إنما كان لقلّة سفاد البغل، وكثرة سفاد العصفور.
ويزعمون أن محمد بن سليمان أنزى البغال على البغلات، كما أنزى العتاق على الحجور، والبراذين على الرّماك، والحمير على الأتن، فوجد تلك الفحولة من البغال بأعيانها، أقصر أعمارا من سائر الحافر، حين سوّى بينها في السّفاد، ووجد البغال تلقح إلقاحا فاسدا لا يتمّ ولا يعيش.
وذكروا أن قصر العمر لم يعرض لإناثها كما عرض لذكورتها.
وهذا شبيه بما ذكر صاحب المنطق في العصافير، فإنه ذكر أن إناثها أطول أعمارا. وأن ذكورتها لا تعيش إلا سنة واحدة.
والمرأة تنقطع عن الحبل قبل أن ينقطع الرجل عن الإحبال بدهر، وتفرط في السمن فتصير عاقرا، ويكون الرجل أسمن منها فلا يصير عاقرا.
وكذلك الحجر، والرّمكة، والأتان. وكذلك النخلة المطعمة. ويسمن لبّ الفحّال فيكون أجود لإلقاحه. وهما يختلفان كما ترى.
وللعصفور فضيلة أخرى. وذلك أنّ من فضل الجنس أن تتميز ذكورته في العين من إناثه، كالرجل والمرأة، والدّيك والدجاجة، والفحال والمطعمة، والتّيس والصفيّة، والطاوس، والتّدرج، والدّرّاج وإناثها.
وليس ذلك كالحجر والفرس، والرّمكة والبرذون، والناقة والجمل، والعير والأتان، والأسد واللّبؤة، فإن هذه الأجناس تقبل نحوك فلا ينفصل في العين الأنثى من الذكر، حتى تتفقّد مواضع القنب والأطباء، وموضع الضّرع والثّيل، وموضع ثفر الكلبة من القضيب.
لأنّ للعصفور الذّكر لحية سوداء. وليس اللحية إلا للرجل والجمل، والتيس، والدّيك، وأشباه ذلك. فهذه أيضا فضيلة للعصفور. وذكر ابن الأعرابيّ أن للناقة عثنونا كعثنون الجمل، وأنها متى كان عثنونها أطول كان فيها أحمد.
وليس في الأرض طائر، ولا سبع ولا بهيمة، أحنى على ولد، ولا أشدّ به شعفا، وعليه إشفاقا - من العصافير. فإذا أصيبت بأولادها، أو خافت عليها العطب، فليس بين شيء من الأجناس من المساعدة، مثل الذي مع العصافير، لأن العصفور يرى الحيّة قد أقبلت نحو حجره وعشّه ووكره، لتأكل بيضه أو فراخه، فيصيح ويرنّق فلا يسمع صوته عصفور إلا أقبل إليه وصنع مثل صنيعه، بتحرّق ولوعة، وقلق، واستغاثة وصراخ، وربما أفلت الفرخ وسقط إلى الأرض- وقد ذهبت الحيّة- فيجتمعن عليه، إذا كان قد نبت ريشه أدنى نبات، فلا يزلن يهيّجنه، ويطرن حوله، لعلمها أن ذلك يحدث للفرخ قوة على النّهوض فإذا نهض طرن حواليه ودونه، حتى يحتثثنه بذلك العمل.
وكان الخريميّ ينشد:
واحتثّ كلّ بازل ذقونحتى رفعن سيرة اللّجون
وينشد:
واحتثّ محتثّاتها الخدورا
وتقول العرب: «العاشية تهيج الآبية».
ولو أن إنسانا أخذ فرخي عصفور من وكره، ووضعهما بحيث يراهما أبواهما في منزله، لوجد العصفور يتقحّم في ذلك المنزل، حتى يدخل في ذلك القفص، فلا يزال في تعهّده بما يعيشه حتى يستغني عنه. ثم يحتملان في ذلك غاية التغرير والخطار؛ وذلك من فرط الرّقّة على أولادهما.
وأجناس الحيوان التي لا تستطيع أن تسمح بالمشي ضروب: منها الضبع، لأنها خلقت عرجاء، فهي أبدا تخمع. قال الشاعر:
وجاءت جيأل وأبو بنيهاأحمّ المأقيين به خماع
وقال مدرك بن حصن:
من الغثر ما تدري أرجل شمالهابها الظّلع إمّا هرولت أم يمينها
والذئب أقزل شنج النسا، وإن أحثّ إلى المشي فكأنه يتوجّى.
وكذلك الظّبي، شنج النّسا، فهو لا يسمح بالمشي. قال الشاعر:
وقصرى شنج الأنساء نبّاح من الشّعب
ظبي أشعب: إذا كان بعيد ما بين القرنين. ولا يسمع له نباح. وإذا أراد العدو، فإنما هو النّقز والوثب، ورفع القوائم معا.
ومن ذلك الأسد فإنه يمشي كأنه رهيص، وإذا مشى تخلّع.
قال أبو زبيد:
إذا تبهنس يمشي خلته وعثاوعت سواعد منه بعد تكسير
ومن ذلك الفرس، لا يسمح بالمشي. وهو يوصف بشنج النسا.
وقال الشاعر:
شنج الأنساء من غير فحج
ومن ذلك الغراب، فإنه يحجل كأنه مقيّد. قال الشاعر:
كتارك يوما مشية من سجيّةلأخرى ففاتته فأصبح يحجل
وقال الطرّمّاح:
شنج النسا أدفى الجناح كأنهفي الدّار بعد الظّاعنين مقيّد
والسّنّور، والفهد، وأشباههما في طريق الأسد.
والحيّة تمشي. ومنها ما يثب، ومنها ما ينتصب ويقوم على ذنبه.
والأفعى إذا نهشت أو انباعت للنّهش، لم تستقلّ ببدنها كلّه ولكنها تستقلّ ببدنها الذي يلي الرأس، بحركة ونشط أسرع من اللّمح.
والجرادة تطير وتمشي وتطمر. فإذا صرت إلى العصفور ذهب المشي البتّة.
وأكثر ما عند البرغوث الطّمور والوثوب.
وقال الحسن بن هانئ يصف رجلا يفلي القمل والبرغوث بأنامله:
أو طامريّ واثبلم ينجه منه وثابه
لأن البرغوث مشّاء وثّاب.
قال: وقول الناس: «طامر بن طامر»، إنما يريدون البرغوث.
والعصفور ليس يعرف إلا أن يجمع رجليه ثم يثب، فيضعهما معا ويرفعهما معا. فليس عنده إلا النّقزان. ولذلك سمّي العصفور نقّازا.
وهو العصفور والجمع عصافير، ونقّاز والجمع نقاقيز. وهو الصّعو. ويزعمون أن العرب تجعل الخرّق والقنبر، والحمّر، وأشباه ذلك كله، من العصافير.
والعصفور طيرانه نقزان أيضا، فهو لا يسمح بالطيران كما لا يسمح بالمشي.
وليس لشيء جسمه مثل جسم العصفور مرارا كثيرة، من شدّة الوطء، وصلابة الوقع على الأرض، إذا مشى، أو على السطح- ما للعصفور، فإنك إذا كنت تحت السّطح الذي يمشي عليه العصفور حسبت وقعه عليه وقع حجر.
والكلب منعوت بشدة الوطء، وكذلك الخصيان من كل شيء. والعصفور يأخذ بنصيبه من ذلك أكثر من قسط جسمه من تلك الأجسام بالأضعاف الكثيرة.
والذّباب من الطير الذي يجيد المشي. ويمشي مشيا سبطا حثيثا، وحسنا مستويا.
والقطاة مليحة المشية، مقاربة الخطو.
وقد توصف مشية المرأة بمشية القطاة. وقال الكميت:
يمشين مشي قطا البطاح تأوّداقبّ البطون رواجح الأكفال
وقال الشاعر:
يتمشين كما تمشي قطا أو بقرات
لأن البقرة تتبختر في مشيتها.
وقلت لابن دبوقاء: أي شيء أول التّشاجي ؟ قال: التباهر والقرمطة في المشي. وقال:
فدفعتها فتدافعتمشي القطاة إلى الغدير
وكلّ حيوان من ذوات الرجلين والأربع، إذا انكسرت لها قائمة تحاملت بالصحيحة، إلا النعامة فإنها تسقط البتّة.
قال: وكثرة عدد السّفاد، والمبالغة في الإبطاء، والدّوام في كثرة العدد لضروب من الحيوان- فالإنسان يغلب هذه الأجناس بأن ذلك دائم منه في جميع الأزمنة. فأما الإبطاء في حال السّفاد فللجمل والورل والذّبان والخنازير. فهذه فضيلة لذة لهذه الأجناس والأصناف. فأما كثرة العدد فللعصافير.
وقد زعم أبو عبد الله العتبيّ الأبرص، وكان قاطع الشهادة عند أصحابنا البصريّين- أن الذي يقال له المشرطيّ قرع في يوم واحد نيفا وثمانين قرعة.
إلا أن ذلك منه ومن مثله ينمحق؛ حتى يعود جافرا في الأيام القليلة.
وبنو حمّان يزعمون أن تيس بني حمّان قرع وألقح بعد أن ذبح. وفخروا بذلك، فقال بعض من يهجوهم:
وألهى بني حمّان عسب عتودهمعن المجد حتى أحرزته الأكارم
وزعم صاحب المنطق، في كتاب الحيوان، أن ثورا فيما سلف من الدهر سفد وألقح من ساعته بعد أن خصي.
فإذا أفرط المديح وخرج من المقدار، أو أفرط التعجيب وخرج من المقدار- احتاج صاحبه إلى أن يثبته بالعيان، أو بالخبر الذي لا يكذّب مثله، وإلا فقد تعرّض للتكذيب.
ولو جعلوا حركتهم خبرا وحكاية، وتبرؤوا عن عيبه- ما ضرّهم ذلك، وكان ذلك أصون لأقدارهم، وأتمّ لمروءات كتبهم.
وقالوا: وكلّ طائر جيّد الجناح، يكون ضعيف الرجلين، كالزّرزور والخطّاف؛ وجناحاهما أجود من جناح العصفور. ورجل العصفور قويّة.
والجناحان هما يدا الطائر؛ لأنهم يجعلون كلّ طائر وإنسان ذا أربع: فجناحا الطائر يداه، ويدا الإنسان جناحاه. ولذلك إن قطعت يد الإنسان لم يجد العدو.
وكذلك إن قطعت رجل الطائر لم يجد الطّيران.
والدابة قد تقوم على رجليها دون يديها، والإنسان قد يمشي على أربع. قالوا:
فهم في عدد الأيدي والأرجل سواء. وفي الآلات الأربع؛ إلا أن الآلة تكون في مكان ببعض الأعمال أليق، وهو عليها أسهل، فتجذبها طبائعها إلى ما فيها من ذلك، كمشي الدابة على يديها، وثقل ذلك على الإنسان.
والحمام يضرب بجناحه الحمام، ويقاتله به، ويدفع به عن نفسه. فقوادمه هي أصابعه، وجناحه هو يده، ورجله كالقدم. وهي رجل وإن سمّوها كفّا، حين وجدوها تكفّ به، كما يصنع الإنسان بكفّه.
وكلّ مقطوع اليدين، وكل من لم يخلق له يدان فهو يصنع برجليه عامّة ما يصنعه الوافر الخلق بيديه.
وكل سبع يكون شديد اليدين فإنه يكون ضعيف الرجلين.
وكل شيء من ذوات الأربع، من البراثن والحوافر، فإن أيديها أكبر من أرجلها.
والناس أرجلهم أكبر من أيديهم، وأقدامهم أكبر من أكفّهم.
وجعلوا ركبهم في أرجلهم، وجعلوا ركب الدّواب في أيديها.
وللعصافير طباهجات وقلايا تدعى العصافيريّة، ولها حشاوي يطعمها العوامّ المفلوج. والعوامّ تأكلها للقوّة على الجماع. وعظام سوقها وأفخاذها أحدّ وأذرب من الإبر. وهي مخوفة على المعدة والأمعاء.
وهي تخرّب السّقف تخريبا فاحشا. وتجتلب الحيّات إلى منازل الناس؛ لحرص الحيات على ابتلاع العصافير وفراخها وبيضها.
والذين زعموا أن ذكورتها لا تعيش إلا سنة، يحتاجون إلى أن يعرّفوا الناس ذلك. وكيف يستطيعون تعريفهم؟! وقد تكون القرى بقرب المزارع والبيادر مملوءة عصافير، ومملوءة من بيضها وفراخها، وهم مع ذلك لم يروا عصفورا قط ميتا.
والذين يزعمون أن الذباب لا يعيش أكثر من أربعين يوما، وكانوا لا يكادون يرون ذبابة ميتة- أعذر، لأنهم ذهبوا إلى الحديث. وأصحاب الحديث لا يؤاخذون بما يؤاخذ به الفلاسفة.
والذين زعموا أن البغل إنما طال عمره لقلّة السّفاد، والعصفور إنما قصر عمره لكثرة السّفاد وغلمته - لو قالوا بذلك على جهة الظنّ والتقريب، لم يلمهم أحد من العلماء. والأمور المقرّبة غير الأمور الموجبة، فينبغي أن يعرفوا فصل ما بين الموجب والمقرّب، وفصل ما بين الدليل وشبه الدليل ولعلّ طول عمر البغل يكون للذي قالوا، ولشيء آخر.
وليس ينبغي لنا أن نجزم على هذه العلّة فقط، إلا بعد أن يحيط علمنا بأن عمره لم يفضل على أعمار تلك الأجناس إلا لهذه العلّة.
والعصفور لا يستقرّ ما كان خارجا من وكره، حتى كأنه في دوام الحركة وصبيّ. له صوت حديد مؤذ.
وزعموا أن البلبل لا يستقر أبدا وهذا غلط، لأن البلبل إنما يقلق لأنه محصور في قفص. والذين عاينوا البلابل والعصافير في أو كارها، وغير محصورة في الأقفاص، يعلمون فضل العصفور على البلبل في الحركة.
فأما صدق الحسّ، وشدّة الحذر، والإزكان الذي ليس عند خبيث الطير، ولا عند الغراب - فإن عند العصفور منه ما ليس عند جميع ما ذكرنا، لو اجتمعت قواهم، وركّبوا في نصاب واحد.
من ذلك أنه يغمّ بحدّة صوته بعض من يقرب منه، فيصيح به ويهوي بيديه إلى الأرض كأنه يريد أن يرميه بحجر فلا يراه يحفل بذلك. فإن وقعت يده على حصاة طار من قبل أن يتمكّن من أخذها.
وزعم صاحب المنطق أن بين الحمار وعصفور الشّوك عداوة. وقال: لأن الحمار يدخل الشجر والشّوك، فربما زاحم الموضع الذي فيه وكره فيبدّد عشّه.
وربما نهق الحمار فسقط فرخ العصفور أو بيضه من جوف وكره. قال: ولذلك إذا رآه العصفور رنّق فوق رأسه، وعلى عينيه، وآذاه بطيرانه وصياحه.
وربّما كان العصفور أبلق. ويصاب فيه الأصبغ، والجراديّ، والأسود، والفيقع، والأغبس. فإذا أصابوه كذلك باعوه بالثّمن الكثير.
وقال أبو بدر الأسيديّ: قيل لعبد الأعلى القاصّ: لم سمّي العصفور عصفورا؟
قال: لأنه عصى وفرّ. وقيل: ولم سمّي الطّفشيل طفشيلا؟ قال: لأنه طفا وشال.
وقيل له: لم سمي الكلب القلطيّ قلطيّا؟ قال: لأنه قلّ ولطئ. وقيل له: لم سمي الكلب السّلوقيّ سلوقيّا؟ قال: لأنه يستلّ ويلقى.
قال: وحدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن صهيب مولى ابن عامر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من إنسان يقتل عصفورا أو ما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عنها». قيل: يا رسول الله: وما حقها؟
قال: «أن تذبحها فتأكلها، ولا تقطع رأسها فترمي بها».
ويقال: قد صرّ العصفور يصرّ صريرا. قال: ويقال للعصافير والمكاكيّ والقنابر، والخرّق، والحمّر: قد صفر يصفر صفيرا. وقال طرفة بن العبد:
يا لك من قبّرة بمعمرخلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ونقّري ما شيت أن تنقّري
ويقال: قد نطق العصفور. وقال كثيّر:
سوى ذكرة منها إذا الرّكب عرّسواوهبّت عصافير الصّريم النواطق
ولذكر العصفور موضع آخر: وذلك أنّ العصافير تصيح مع الصّبح. وقال كلثوم ابن عمرو:
يا ليلة لي بحوّارين ساهرةحتى تكلم في الصبح العصافير
وقال خلف الأحمر:
فلما أصاتت عصافيرهولاحت تباشير أرواقه
غدا يقتري أنفا عازباويلتسّ ناضر أوراقه
وقال الوليد بن يزيد:
فلما أن دنا الصبحبأصوات العصافير
ولها موضع آخر. وذلك أنهم يضربون المثل بأحلام العصافير لأحلام السّخفاء. وقال دريد بن الصّمّة:
يا آل سفيان ما بالي وبالكمأنتم كثير وفي أحلام عصفور
وقال حسّان بن ثابت:
لا بأس بالقوم من طول ومن عظمجسم البغال وأحلام العصافير
ومن هذا الباب في معنى التّصغير والتّحقير، قول لبيد:
فإن تسألينا فيم نحن فإنناعصافير من هذا الأنام المسحّر
والمسحّر: المخدّع، على قوله:
ونسحر بالطعام وبالشّراب
وقال لبيد:
عصافير وذبّان ودودوأجرأ من مجلّحة الذّئاب
فكأنه يخبر عن ضعف طباع الإنسان.
وقال قوم: المسحّر، يعني كلّ ذي سحر، يذهب إلى الرئة؛ لقوله:
ونسحر بالطعام وبالشراب
ولذكر السّحر موضع آخر، يقول الرجل لصاحبه: «صرمت سحري منك»، أي لست منك. وقال خفاف بن ندبة:
ولولا ابنا تماضر أن يساؤواوأنّي منك غير صريم سحر
فكأنه قال: لست كذلك منك.
وقال قيس بن الخطيم:
تقول ظعينتي لما استقلّتأتترك ما جمعت صريم سحر
أي قد تركته آيسا منه.
وأنشد الآخر:
أيذهب ما جمعت صريم سحرظليفا، إنّ ذا لهو العجيب
كذبتم والّذي رفع المعاليولمّا يخضب الأسل الخضيب
وإذا وصفوا شدّة الحرّ، وصفوا كيف يوفي الحرباء على العود والجذل، وكيف تلجأ العصافير إلى جحرة الضّباب من شدة الحرّ.
وقال أبو زبيد:
أيّ ساع سعى ليقطع شربيحين لاحت للصّابح الجوزاء
واستكنّ العصفور كرها مع الضّبّ وأوفى في عوده الحرباء
ونفى الجندب الحصى بكراعيهـ وأذكت نيرانها المعزاء
من سموم كأنّها لفح نارصقرتها الهجيرة الغرّاء
وأنشدوا:
تجاوزت والعصفور في الجحر لاجئمع الضّبّ والشّقذان تسمو صدورها
قال: الشّقذان: الحرابيّ. قوله: «تسمو» أي ترتفع على رأس العود. والواحد من الشّقذان شقذان، بتحريك القاف وفتح الشين.
وأكرم فحل كان للعرب من الإبل كان يسمى عصفورا، وتسمى أولاده عصافير النّعمان.
وكانوا يقولون: صنع به الملك كذا وكذا، وحباه بكذا وكذا، ووهب له مائة من عصافيره.
وعصفور، وداعر، وشاغر، وذو الكبلين: فحولة إبل النعمان.
وعصافير الرّحل واحدها عصفور.
وعصفور القوّاس إليه تضاف القسيّ العصفورية. وقد ذكره ابن يسير حين دعا على حمام له بالشّواهين، والصّقورة، والسّنانير والبنادق، فقال:
من كلّ أكلف بات يدجن ليلهفغدا بغدوة ساغب ممطور
ضرم يقلّب طرفه متأنّساشيئا فكنّ له من التّقدير
يأتي لهنّ ميامنا ومياسراصكّا بكلّ مذلّق مطرور
لا ينج منه شريدهنّ، فإن نجاشيء فصار بجانبات الدّور
لمشمّرين عن السّواعد حسّرعنها بكلّ رشيقة التّوتير
ليس الذي تشوي يداه رميّةفيهم بمعتذر ولا معذور
يتبوّعون مع الشروق غديّةفي كل معطية الجذاب نتور
عطف السّيات موانع في بذلهاتعزى إذا نسبت إلى عصفور
ينفثن عن جذب الأكفّ سواسيامتشابهات صغن بالتّدوير
تجري لها مهجّ النّفوس وإنّهالنواصل سلب من التّحسير
ما إن يني متباين متباعدفي الجوّ يحسر طرف كلّ بصير
عن سمتهنّ إذا قصدن لجمعهمتقطّرا متضمّخا بعبير
فيؤوب ناجيهنّ بين مجلهقدام، ومخلوب إلى منسور
عاري الجناح من القوادم والقراكاس عليه بصائر التامور
وقال أبو السّريّ، وهو معدان الأعمى المديبريّ، وهو يذكر ظهور الإمام، وأشراط خروجه، فقال:
في زمان تبيض فيه الخفافيش وتسقى سلافة الجريال
ويقيم العصفور سلما مع الأيم وتحمي الذّئاب لحم السّخال
يقول: إذا ظهر الإمام فآية ذلك أن تبيض الخفافيش- وهي اليوم تلد- وتحلّ لنا الخمر، وتسالم الحيّات العصافير، والذئاب السّخال.
ورووا في طول سجود عيسى بن عقبة، أنه كان يطيل ذلك حتى يظنّ العصفور
أنه كالشيء الذي لا يخاف جانبه، وحتى يظنّ العصفور أنه سارية، فيسقط عليه.
وذكر عمر بن الفضل، عن الأعمش، عن يزيد بن حيّان قال: كان عيسى بن عقبة إذا سجد وقعت العصافير على ظهره؛ من طول سجوده.
وكان محمد بن طلحة يسجد حتى إن العصافير ليسقطن على ظهره ما يحسبنه إلا حائطا.
وفي المثل: أنّ شيخا نصب للعصافير فخّا، فارتبن به وبالفخ، وضربه البرد، فكلما مشى إلى الفخّ وقد انضمّ على عصفور، فقبض عليه ودقّ جناحه، وألقاه في وعائه، دمعت عينه مما كان يصكّ وجهه من برد الشّمال. قال: فتوامرت العصافير بأمره وقلن: لا بأس عليكنّ، فإنه شيخ صالح رحيم رقيق الدّمعة! قال: فقال عصفور منها: لا تنظروا إلى دموع عينيه، ولكن انظروا إلى عمل يديه!
ومن أمثال العامّة للشيء تتعرّفه بغير مؤونة: «الحجر مجّان، والعصفور مجّان!».
قال: ويقال عصفور وعصفورة. وأنشد قوله:
ولو أنها عصفورة لحسبتهامسوّمة تدعو عبيدا وأزنما
وقال في هذا المعنى جرير، وإن لم يكن ذكر العصفور، حيث يقول:
ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهمخيلا تشدّ عليكم ورجالا
قال يونس: أخذ هذا المعنى من قول الله: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ
وقال الشاعر:
كأن بلاد الله وهي عريضةعلى الخائف المطلوب كفّة حابل
يؤدّى إليه أنّ كلّ ثنيّةتيمّمها ترمي إليه بقاتل
وقال بشّار في شبيه ذلك:
كأنّ فؤاده كرة تنزّىحذار البين لو نفع الحذار
جفت عيني عن التّغميض حتىكأنّ جفونها عنه قصار
يروّعه السّرار بكلّ أمرمخافة أن يكون به السّرار
وقال عبيد بن أيّوب:
لقد خفت حتى لو تطير حمامةلقلت عدوّ أو طليعة معشر
فإن قيل خير قلت هذا خديعةوإن قيل شرّ قلت حقّا فشمرّ
وخفت خليلي ذا الصّفاء ورابنيوقلت: فلانا أو فلانة فاحذر
وقال أبان اللّاحقيّ:
اخفض الصّوت إن نطقت بليلوالتفت بالنهار قبل الكلام
ومن ملح أحاديث الأصمعيّ، قال: حدّثني شيخ من أهل المدينة وكان عالي السّنّ قال: قال الغاضري: كانت هذه الأرض لقوم ابتدؤوها وشقّوها، وكانت الثمرة إذا أدركت قال قائلهم لقيّمه: اثلم الحائط، ليصيب المارّ مما فيه والمعتفي. ثم يقول: أرسل إلى آل فلان بكذا وكذا، وإلى آل فلان بكذا وكذا. فإذا بيعت الثمرة قال: أرسل إلى فلان بكذا وكذا ودينار، وإلى فلان بكذا وكذا. فيضجّ الوكيل.
فيقول: ما أنت وهذا؟! لا أمّ لك! فلما عمرت الأرضون وأغنّت أقطعها قوم سواهم، فإنّ أحدهم ليسدّ حائطه، ويصغّر بابه، ثم يدلج فيمرّ فيقول: ما هذه الثّلمة ؟! ويستطيف من وراء الحائط، فهو أطول من معقل أبي كريز.
وإذا دخل حائطه دخل معه بقذّافة، فإذا رأى العصفور على القنا رماه، فيقع العصفور مشويّا على قرص، والقرص كالعصفور.
وبحمص العصافير الهبيريّة، وهي تطعم على رفوف. وتكون أسمن من السّمانى، وأطيب من كلّ طير. وهي تهدى إلى ملوكنا. وهي قليلة هناك.
وقال الرّاعي:
ما زال يركب روقيه وكلكلهحتى استثار سفاة دونها الثّأد
حتى إذا نطق العصفور وانكشفتعماية الليل عنه وهو معتمد
وقال الراعي:
وأصفر مجدول من القدّ مارنيلاث بعينيها فيلوى ويطلق
لدى ساعدي مهريّة شدنيةأنيخت قليلا والعصافير تنطق
قال: وتصاد العصافير بأهون حيلة. وذلك أنهم يعملون لها مصيدة، ويجعلون لها سلّة في صورة المحبرة التي يقال لها: اليهودية، المنكوسة الأنبوبة؛ ثم ينزل في جوفها عصفور واحد، فتنقضّ عليه العصافير ويدخلن عليه، وما دخل منها فإنه لا يجد سبيلا إلى الخروج منها. فيصيد الرجل منها في اليوم الواحد المئين وهو وادع، وهنّ أسرع إلى ذلك العصفور من الطير إلى البوم إذا جعلن في المصائد.
ومتى أخذ رجل فراخ العصافير من أوكارها، فوضعها في قفص بحيث تراها الآباء والأمّهات، فإنها تأتيها بالطّعم على الخطر الشديد، والخوف من الناس والسّنانير، مع شدة حذرها، ودقّة حسّها. ليس ذلك إلا لبرّها بأولادها، وشدة حبّها لها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع