من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب من أراد أن يمدح فهجا
قال سعيد بن سلم: لما قال الأخطل بالكوفة: أخطأ الفرزدق حين قال:
أبني غدانة إنني حرّرتكمفوهبتكم لعطيّة بن جعال
لولا عطيّة لاجتدعت أنوفكممن بين ألأم أعين وسبال
- كيف يكون قد وهبهم له وهو يهجوهم بمثل هذا الهجاء؟! قال: فانبرى له فتى من بني تميم فقال له: وأنت الذي قلت في سويد بن منجوف:
وما جذع سوء رقّق السّوس جوفهلما حمّلته وائل بمطيق
أردت هجاءه فزعمت أنّ وائلا تعصب به الحاجات، وقدر سويد لا يبلغ ذلك عندهم، فأعطيته الكثير ومنعته القليل ! وأردت أن تهجو حاتم بن النعمان الباهليّ، وأن تصغّر شأنه، وتضع منه، فقلت:
وسوّد حاتما أن ليس فيهاإذا ما أوقد النيران نار
فأعطيته السّودد من قيس ومنعته ما لا يضرّه.
وأردت أن تمدح سماك بن زيد الأسدي فهجوته فقلت:
نعم المجير سماك من بني أسدبالطّفّ إذ قتلت جيرانها مضر
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤهفاليوم طيّر عن أثوابه الشرر
وقلت في زفر بن الحارث:
بني أميّة إني ناصح لكمفلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر
مفترشا كافتراش الليث كلكلهلوقعة كائن فيها لكم جزر
فأردت أن تغري به بني أميّة فوهّنت أمرهم، وتركتهم ضعفاء ممتهنين، وأعطيت زفر عليهم من القوة ما لم يكن في حسابه.
قال: ورجع أبو العطاف من عند عمرو بن هدّاب، في يومين كانا لعمرو، وأبو العطّاف يضحك. فسئل عن ذلك فقال: أما أحد اليومين فإنّه جلس للشعراء، فكان أول من أنشده المديح فيه طريف بن سوادة، فما زال ينشده أرجوزة له طويلة، حتى انتهى إلى قوله:
أبرص فيّاض اليدين أكلفوالبرص أندى باللهى وأعرف
مجلوّذ في الزّحفات مزحف
المجلوّذ: السريع.
وكان عمرو أبرص فصاح به ناس: ما لك؟ قطع الله لسانك!. قال عمرو: مه، البرص من مفاخر العرب. أما سمعتم ابن حبناء يقول:
إنّي امرؤ حنظليّ حين تنسبنيلامل عتيك ولا أخوالي العوق
لا تحسبنّ بياضا فيّ منقصةإنّ اللهاميم في أقرابها بلق
أو ما سمعتم قول الآخر:
يا كأس لا تستنكري نحوليووضحا أوفى على خصيلي
فإنّ نعت الفرس الرّجيليكمل بالغرّة والتّحجيل
أو ما سمعتم بقول أبي مسهر:
يشتمني زيد بأن كنت أبرصافكلّ كريم لا أبالك أبرص
ثم أقبل على الرّاجز فقال: ما تحفظ في هذا؟ قال: أحفظ والله قوله:
يا أخت سعد لا تعرّي بالرّوقليس يضرّ الطّرف توليع البلق
إذا جرى في حلبة الخيل سبق
ومحمد بن سلّام يزعم أنه لم ير سابقا قطّ أبلق ولا بلقاء.
وقد سبق للمأمون فرس، إمّا أبلق وإما بلقاء.
وأنشدني أبو نواس لبعض بني نهشل:
نفرت سودة عنّي أن رأتصلع الرّأس وفي الجلد وضح
قلت يا سودة، هذا والذييفرج الكربة منّا والكلح
هو زين لي في الوجه كمازيّن الطّرف تحاسين القرح
وزعم أبو نواس أنهم كانوا يتبركون به، وأن جذيمة الوضّاح كان يفخر بذلك.
وزعم أصحابنا أن بلعاء بن قيس، لمّا شاع في جلده البرص قال له قائل: ما هذا يا بلعاء؟ فقال: «هذا سيف الله جلاه!». وكنانة تقول: «سيف الله حلّاه».
ثم رجع الحديث إلى أبي العطّاف وضحكه. قال: وأما اليوم الآخر فإنّ عمرا لمّا ذهب بصره، ودخل عليه الناس يعزّونه، دخل عليه إبراهيم بن جامع، وهو أبو عتّاب من آل أبي مصاد، وكان كالجمل المحجوم، فقام بين يدي عمرو فقال: يا أبا أسيّد لا تجزعنّ من ذهاب عينيك وإن كانتا كريمتيك؛ فإنك لو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنيت أن يكون الله ﷿ قد قطع يديك ورجليك، ودقّ ظهرك، وأدمى ضلعك.
قال: فصاح به القوم وضحك بعضهم. فقال عمرو: معناه صحيح، ونيته حسنة، وإن كان قد أخطأ في اللفظ.
وقلت لأبي عتّاب: بلغني أن عبد العزيز الغزّال قال: ليت أن الله لم يكن خلقني، وأني الساعة أعور. قال أبو عتّاب: بئس ما قال؛ وددت والله أن الله لم يكن خلقني وأنّي الساعة أعمى مقطوع اليدين والرّجلين.
وأتى بعض الشعراء أبا الواسع وبنوه حوله، فاستعفاه أبو الواسع من إنشاد مديحه، فلم يزل به حتى أذن له. فلما انتهى إلى قوله:
فكيف تنفى وأنت اليوم رأسهموحولك الغرّ من أبنائك الصّيد
قال أبو الواسع: ليتك تركتهم رأسا برأس!
ومدح الممزّق أبو عباد بن الممزّق، بشر بن أبي عمرو- وليس هو بشر بن أبي عمرو بن العلاء فقال:
من كان يزعم أن بشرا ملصقفالله يجزيه وربّك أعلم
تنبيك قامته وقلّة لحمهوتشادق فيه ولون أسحم
إنّ الصّريح المحض فيه دلالةوالعرق منكشف لمن يتوسّم
أما لسانك واحتباؤك في الملافزرارة العدسيّ عندك أعجم
إني لأرجو أن يكون مقالهمزورا، وشانئك الحسود المرغم
ومن المديح الخطإ الذي لم أر قطّ أعجب منه، قول الكميت بن زيد وهو يمدح النبي ﷺ، فلو كان مديحه لبني أميّة لجاز أن يعيبهم بذلك بعض بني هاشم، أو لو مدح به بعض بني هاشم لجاز أن يعترض عليه بعض بني أميّة، أو لو مدح أبا بلال الخارجيّ لجاز أن تعيبه العامّة، أو لو مدح عمرو بن عبيد لجاز أن يعيبه المخالف، أو لو مدح المهلّب لجاز أن يعيبه أصحاب الأحنف.
فأما مديح النبي ﷺ، فمن هذا الذي يسوؤه ذلك حيث قال:
فاعتتب الشّوق من فؤادي والشعر إلى من إليه معتتب
إلى السّراج المنير أحمد لايعدلني رغبة ولا رهب
عنه إلى غيره، ولو رفع الناس إليّ العيون وارتقبوا
وقيل: أفرطت بل قصدت ولوعنّفني القائلون أو ثلبوا
إليك يا خير من تضمّنت الأرلجّض ولو عاب قولي العيب
بتفضيلك اللسان ولوأكثر فيك الضّجاج واللّجب
أنت المصفّى المحض المهذّب في النّسبة إن نصّ قومك النّسب
ولو كان لم يقل فيه ﵇ إلا مثل قوله:
وبورك قبر أنت فيه وبوركتبه، وله أهل بذلك يثرب
لقد غيّبوا برّا وحزما ونائلاعشيّة واراك الصّفيح المنصّب
فلو كان لم يمدحه ﵇ إلا بهذه الأشعار التي لا تصلح في عامة العرب لما كان ذلك بالمحمود، فكيف مع الذي حكينا قبل هذا؟!
ومن الأشعار الغائظة لقبيلة الشاعر- وهي الأشعار التي لو ظنّت الشعراء أن مضرّتها تعود بعشر ما عادت به، لكان الخرس أهون عليها من ذلك القول- فمن ذلك قول لبيد بن ربيعة:
أبني كلاب كيف تنفى جعفروبنو ضبينة حاضرو الأجباب
قتلوا ابن عروة ثمّ لطّوا دونهحتى تحاكمتم إلى جوّاب
يرعون منخرق اللديد كأنهمفي العزّ أسرة حاجب وشهاب
متظاهر حلق الحديد عليهمكبني زرارة أو بني عتّاب
قوم لهم عرفت معدّ فضلهاوالحقّ يعرفه ذوو الألباب
ومن هذا الباب قول منظور بن زبّان بن سيّار بن عمرو بن جابر الفزاري، وهو أحد سادة غطفان:
فجاؤوا بجمع محزئلّ كأنهمبنو دارم إذا كان في الناس دارم
وذلك أن تميما لما طال افتخار قيس عليها بأن شعراء تميم كانت تضرب المثل بقبائل قيس ورجالها، فغبرت تميم زمانا لا ترفع رؤوسها حتى أصابت هذين الشعرين من هذين الشّاعرين العظيمي القدر، فزال عنها الذّلّ وانتصفت، فلو علم هذان الشاعران الكريمان ماذا يصنعان بعشائرهما- لكان الخرس أحبّ إليهما.
قال أبو عبيدة: ومن ذلك قول الحارث بن حلّزة، وأنشدها الملك وكان به وضح وأنشده من وراء ستر فبلغ من استحسانه القصيدة إلى أن أمر برفع السّتر.
ولكراهتهم لدنوّ الأبرص منهم قال لبيد بن ربيعة، للنّعمان بن المنذر، في الربيع بن زياد:
مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معهإنّ استه من برص ملمّعه
وإنه يدخل فيها إصبعهيدخلها حتى يواري أشجعه
كأنما يطلب شيئا ضيّعه
قال ابن الأعرابيّ: فلما أنشد الملك لبيد في الربيع بن زياد ما أنشد قال الربيع:
أبيت اللّعن، والله لقد نكت أمّه، قال: فقال لبيد: قد كانت لعمري يتيمة في حجرك، وأنت ربيتها، فهذا بذاك، وإلا تكن فعلت ما قلت فما أولاك بالكذب! وإن كانت هي الفاعلة فإنها من نسوة لذلك فعل. يعني بذلك أنّ نساء عبس فواجر، لأن أمه كانت عبسيّة.
والعربيّ يعاف الشيء ويهجو به غيره، فإن ابتلي بذلك فخر به. ولكنه لا يفخر به لنفسه من جهة ما هجا به صاحبه. فافهم هذه؛ فإن الناس يغلطون على العرب ويزعمون أنهم قد يمدحون الشيء الذي قد يهجون به. وهذا باطل، فإنه ليس شيء إلا وله وجهان وطرفان وطريقان.
فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين، وإذا ذمّوا ذكروا أقبح الوجهين.
والحارث بن حلّزة فخر ببكر بن وائل على تغلب، ثم عاتبهم عتابا دلّ على أنهم لا ينتصفون منهم، فقال:
وأتانا عن الأراقم أنباء وخطب نعنى به ونساء
يخلطون البريء منا بذي الذّنب ولا ينفع الخليّ الخلاء
زعموا أن كلّ من ضرب العير موال لنا وأنّا الولاء
إنّ إخواننا الأراقم يغلون علينا في قولهم إحفاء
ثم قال:
واتركوا الطّيخ والتّعاشي وإمّاتتعاشوا ففي التعاشي الدّاء
واذكروا حلف ذي المجاز وما قدّم فيه، العهود والكفلاء
حذر الجور والتّعدّي وهل ينقض ما في المهارق الأهواء
واعلموا أننا وإياكم فيما اشترطنا يوم اختلفنا سواء
أم علينا جناح كندة أن يغنم غازيهم ومنّا الجزاء
أم علينا جرّا حنيفة أم ماجمّعت من محارب غبراء
أم علينا جرّا قضاعة أم ليس علينا فيما جنوا أنداء
ليس منّا المضرّبون، ولا قيس، ولا جندل، ولا الحدّاء
أم جنايا بني عتيق فمن يغدر فإنا من غدرهم برآء
عننا باطلا وظلما كما تعتر عن حجرة الرّبيض الظّباء
ومن المديح الذي يقبح، قول أبي الحلال في مرثية يزيد بن معاوية، حيث يقول:
يا أيّها الميت بحوّاريناإنّك خير الناس أجمعينا
وقال الآخر:
مدحت خير العالمين عنقشايشبّ زهراء تقود الأعمشا
وقال الآخر:
إنّ الذي أمسى يسمّى كوزااسما نبيها لم يكن تنبيزا
لما ابتدرنا القصب المركوزاوجدتني ذا وثبة أبوزا
ودخل بعض أغثاث شعراء البصريين على رجل من أشراف الوجوه يقال في نسبه، فقال: إني مدحتك بشعر لم تمدح قطّ بشعر هو أنفع لك منه. قال: ما أحوجني إلى المنفعة، ولا سيّما كلّ شيء منه يخلد على الأيام، فهات ما عندك فقال:
سألت عن أصلك فيما مضىأبناء تسعين وقد نيّفوا
فكلّهم يخبرني أنهمهذّب جوهره يعرف
فقال له: قم في لعنة الله وسخطه! فلعنك الله ولعن من سألت ولعن من أجابك!!
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع