من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب مما قالوا في السرّ
قال ابن ميّادة:
أتظهر ما في الصّدر أم أنت كاتمهوكتمانه داء لمن هو كاتمه
وإضماره في الصدر داء وعلّةوإظهاره شنع لمن هو عالمه
وتقول العرب: «من ارتاد لسرّه [موضعا] فقد أشاعه».
وأرى الأول قد أذن في واحد وهو قوله:
وسرّك ما كان عند امرئوسرّ الثلاثة غير الخفي
وقال الآخر فيما يوافق فيه المثل الأول:
فلا تفش سرّك إلا إليكفإنّ لكلّ نصيح نصيحا
فإني رأيت غواة الرجال لا يتركون أديما صحيحا
وقال مسكين الدّارميّ:
إذا ما خليلي خانني وائتمنتهفذاك وداعيه وذاك وداعها
رددت عليه ودّه وتركتهامطلّقة لا يستطاع رجاعها
وإني امرؤ مني الحياء الذي ترىأعيش بأخلاق قليل خداعها
أواخي رجالا لست أطلع بعضهمعلى سرّ بعض غير أني جماعها
يظلّون شتّى في البلاد، وسرّهمإلى صخرة أعيا الرّجال انصداعها
وقال أبو محجن الثّقفي:
وقد أجود وما مالي بذي فنعوأكتم السّرّ فيه ضربة العنق
وقال عمر بن الخطاب، ﵁: «من كتم سرّه كان الخيار في يده».
وقال بعض الحكماء: «لا تطلع واحدا من سرّك، إلا بقدر ما لا تجد فيه بدّا من معاونتك».
وقال آخر: «إنّ سرّك من دمك، فانظر أين تريقه!».
وقال الشاعر:
ولو قدرت على نسيان ما اشتملتمني الضلوع من الأسرار والخبر
لكنت أوّل من بنسى سرائرهإذ كنت من نشرها يوما على خطر
وقال الآخر:
فإذا استودعت سرّا أحدافقد استودعت بالسرّ دمك
وقال قيس بن الخطيم:
وإن ضيّع الإخوان سرّا فإننيكتوم لأسرار العشير أمين
يكون له عندي إذا ما ائتمنتهمكان بسوداء الفؤاد مكين
وقيل لمزبّد: يا مزبّد، ما هذا الذي تحت حضنك؟ فقال: يا أحمق، فلم خبأته ؟! وقال أبو الشّيص:
ضع السرّ في صمّاء ليست بصخرةصلود كما عاينت من سائر الصّخر
ولكنها قلب امرئ ذي حفيظةيرى ضيعة الأسرار هترا من الهتر
يموت وما ماتت كرائم فعلهويبلى وما يبلى نثاه على الدّهر
وقال سحيم الفقعسيّ، في نشر ما يودع من السّرّ:
ولا أكتم الأسرار لكن أذيعهاولا أدع الأسرار تغلي على قلبي
وإن قليل العقل من باب ليلهتقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب
وقال الفرّار السّلميّ- وهذا الشعر في طريق شعر سحيم، وإن لم يكن في معنى السرّ- وهو قوله:
وكتيبة لبّستها بكتيبةحتى إذا التبست نفضت بها يدي
وتركتهم تقص الرّماح ظهورهممن بين منجدل وآخر مسند
ما كان ينفعني مقال نسائهموقتلت دون رجالهم: لا تبعد
وقيل لأسلم بن زرعة إنك إن انهزمت من أصحاب مرداس بن أديّة غضب عليك الأمير عبيد الله بن زياد قال: يغضب عليّ وأنا حيّ؛ أحبّ إليّ من أن يرضى عني وأنا ميّت.
قال: وولي دستبى فخرج إليها في أصحابه، فلما شارفها عرضت له الخوارج، وكان أكثر منهم عددا وعدّة، فقال: والله لأصافّنّهم، ولأعبّينّ أصحابي فلعلهم إذا رأوا كثرتهم انصرفوا، ولا أزال بذلك قويّا في عملي هذا. فلما رأت الخوارج كثرة القوم نزلوا عن خيولهم فعرقبوها وقطّعوا أجفان سيوفهم، ونبذوا كل دقيق كان معهم، وصبّوا أسقيتهم. فلما رأى ذلك رأى الموت الأحمر. فأقبل عليهم فقال: عرقبتم دوابّكم وقطّعتم أجفان سيوفكم، ونبذتم دقيقكم؟ خار الله لنا ولكم! ثم ضرب وجوه أصحابه وانصرف عنهم.
وكان أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام. أضيق الناس صدرا بحمل سرّ وكان شرّ ما يكون إذا يؤكّد عليه صاحب السر وكان إذا لم يؤكّد عليه ربما نسي القصّة، فيسلم صاحب السرّ.
وقال له مرة قاسم التمّار: سبحان الله ما في الأرض أعجب منك، أودعتك سرّا فلم تصبر عن نشره يوما واحدا، والله لأشكونّك للناس! فقال: يا هؤلاء، سلوه نممت عليه مرة واحدة، أو مرتين، أو ثلاثا، أو أربعا، فلمن الذنب الآن؟
فلم يرض بأن يشاركه في الذّنب، حتى صيّر الذّنب كله لصاحب السرّ.
وقال بعض الشعراء:
ختمت الفؤاد على سرّهاكذاك الصحيفة بالخاتم
هوى بي إلى حبّها نظرةهويّ الفراشة للجاحم
وقال البعيث:
فإن تك ليلى حمّلتني لبانةفلا وأبي ليلى إذا لا أخونها
حفظت لها السرّ الذي كان بينناولا يحفظ الأسرار إلا أمينها
وقال رجل من بني سعد:
إذا ما ضاق صدرك عن حديثفأفشته الرجال فمن تلوم
إذا عاتبت من أفشى حديثيوسرّي عنده فأنا الظلوم
وإني حين أسأم حمل سرّيوقد ضمّنته صدري سؤوم
ولست محدّثا سرّي خليلاولا عرسي، إذا خطرت هموم
وأطوي السرّ دون الناس، إنيلما استودعت من سرّ كتوم
قال: وقيل لشيخ: ويحك هاهنا ناس يسرق أحدهم خمسين سنة، ويزني خمسين سنة، ويصنع العظائم خمسين سنة، وهو في ذلك كله مستور جميل الأمر، وأنت إنما لطت منذ خمسة أشهر، وقد شهرت به في الآفاق! قال: بأبي أنت. ومن يكون سرّه عند الصّبيان أيّ شيء تكون حاله!
أبو الحسن، عن محمد بن القاسم الهاشمي قال: قال العباس بن عبد المطلب لعبد الله ابنه: «يا بنيّ أنت أعلم منّي، وأنا أفقه منك، إن هذا الرجل يدنيك- يعني عمر بن الخطاب- فاحفظ عني ثلاثا: لا تفش له سرّا، ولا تغتابنّ عنده أحدا، ولا يطّلعنّ منك على كذبة».
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع