من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب آخر مما للسنور فيه فضيلة على جميع أصناف الحيوان ما خلا الإنسان
وإذا قال القائل: فلان وضع كتابا في أصناف الحيوان- فليس يدخل فيها الملائكة والجنّ. وعلى هذا كلام الناس.
وللحيوان موضع آخر، وهو قول الله ﷿ في كتابه: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ
قد علمنا أن العجم من السّباع والبهائم، كلما قربت من مشاكلة الناس كان أشرف لها والإنسان هو الفصيح وهو الناطق.
وقد يشتقّون لسائر الحيوان الذي يصوّت ويصيح، اسم الناطق إذا قرنوه في
الذكر إلى الصامت. ولهذا الفرق أعطوه هذه المشاكلة، وهذا الاشتقاق. فإذا تهيأ من لسان بعضها من الحروف مقدار يفضل به على مقادير الأصناف الباقية، كان أولى بهذا الاسم عندهم. فلما تهيأ للقطاة ثلاثة أحرف قاف. وطاء، وألف، وكان ذلك هو صوتها، سمّوها بصوتها. ثم زعموا أنها صادقة في تسميتها نفسها قطا. قال الكميت:
كالناطقات الصادقات الواسقات من الذّخائر
وقال الآخر وذكر القطاة:
وصادقة قد خبّرت، ما بعثتهاطروقا، وباقي الليل في الأرض مسدف
فجعلها مخبرة، وجعل خبرها صدقا، حين زعمت أنها قطا؛ وإنّ كانت القطاة لم ترم ذلك.
والعرب تتوسع في كلامها. وبأي شيء تفاهم الناس فهو بيان، إلا أن بعضه أحسن من بعض.
والذي تهيأ للشاة قولها: ما، ولذلك قال ذو الرّمة:
لا يرفع الصّوت إلا ما تخوّنهداع يناديه باسم الماء مبغوم
وقال أبو عبّاد النميريّ لخربق العميريّ، وكان يتعشّقه ورآه قد اشترى أضحية، فقال:
يا ذابح الماه ماهفعلت فعل الجفاه
أما رحمت من الموت يا خريبق شاه
والصبيان هم الذين يسمون الشاة: ماه، كأنهم سموها بالذي سمعوه منها، حين جهلوا اسمها.
وقيل لصبي يلعب على بابهم: من أبوك يا غلام؟ وكان اسم أبيه كلبا- فقال: وو وو.
وزعم صاحب المنطق، أن كل طائر عريض اللسان، والإفصاح بحروف الكلام منه أوجد.
ولابن آوى صياح يشبه صياح الصبيان. وكذلك الخنزير. وقد تهيأ للكلب مثل: عف عف، ووو وو، وأشباه ذلك. وتهيّأ للغراب القاف. وقد تهيّأ للهزاردستان- وهو العندليب- ألوان أخر، وقد تهيّأ للببغاء من الحروف أكثر. فإذا صرت إلى السنانير وجدتها قد تهيّأ لها من الحروف العدد الكثير، ومتى أحببت أن تعرف ذلك فتسمّع تجاوب السنانير، وتوعّد بعضها لبعض في جوف الليل، ثم أحص ما تسمعه وتتبّعه، وتوقّف عنده، فإنك ترى من عدد الحروف ما لو كان لها من الحاجات والعقول والاستطاعات؛ ثمّ ألّفتها لكانت لغة صالحة الموضع، متوسّطة الحال.
واللغات إنما تشتدّ وتعسر على المتكلم بها؛ على قدر جهله بأماكنها التي وضعت فيها، وعلى قدر كثرة العدد وقلّته، وعلى قدر مخارجها، وخفّتها وسلسها، وثقلها وتعقّدها في أنفسها، كفرق ما بين الزّنجي والخوزي فإن الرجل يتنخّس في بيع الزّنج وابتياعهم شهرا واحدا فيتكلّم بعامّة كلامهم، ويبايع الخوز، ويجاورهم زمانا فلا يتعلّق منهم بطائل.
والجملة: أنّ من أعون الأسباب على تعلّم اللغة فرط الحاجة إلى ذلك. وعلى قدر الضرورة إليها في المعاملة يكون البلوغ فيها، والتقصير عنها.
والسنور يناسب الإنسان في أمور: منها أنه يعطس، ومنها أنه يتثاءب، ومنها أنه يتمطّى ويغسل وجهه وعينيه بلعابه، وتلطع الهرّة وبر جلد ولدها بعد الكبر، وفي الصغر، حتى يصير كأن الدّهان تجري في جلده.
ويتهيأ لبعض الغربان من الحروف والحكاية ما لا يعشره الببغاء.
وزعمت الأطباء أن خرء الفأر يسقاه صاحب الأسر فيطلق عن بوله. والأسر هو حصر البول ولكن لا يسمّى بذلك. وهو الأسر بالألف، دون الياء.
ويصيب الصبيّ الحصر فيحتمل من خرء الفأر فيطلق عنه. فقد تهيأ في خرء الفأر دواءان لداءين قاتلين مجهزين. ولذلك قيل لأعرابيّ قد اجتمعت فيه أوجاع شداد: أيّ شيء تشتكي؟ قال: أمّا الذي يعمدني فحصر وأسر.
يقال: خثى الثور يخثي خثيا. وواحد الأخثاء خثي كما ترى.
ويقال: خزق الطائر، وذرق، ومزق، وزرق.
قال ابن الأعرابيّ: لا يكون النّجو جعرا حتى يكون يابسا.
ويقال: ونم الذّباب. واسم نجوه: الونيم. وقال الشاعر:
وقد ونم الذّباب عليه حتىكأنّ ونيمه نقط المداد
وهو ونيم الذّباب، وعرّة الطائر، وصوم النّعام، وروث الحمار، وبعر البعير والشاة والظبي، وخثي البقر.
وقال الزّبير: «من أهدى لنا مكتلا من عرّة أهدينا له مكتلا من تمر».
قال: العرّة اسم لجميع ما يكون من جميع الحيوان. ولذا قال الزبير ما قال.
قال: ويقال: رمصت الدجاجة، وذرقت، وسلحت. فإذا صاروا إلى الإنسان والفأرة قالوا: خرء الإنسان وخرء الفأرة. ويقال خروءة الفأرة أدخلوا الهاء فيه، كما قالوا ذكورة للذّكران. وقد يستعار ذلك لغير الإنسان والفأرة. قالت دختنوس بنت لقيط بن زرارة، في يوم شعب جبلة:
فرّت بنو أسد خروء الطّير عن أربابها
فلذلك يقال لبني أسد: خروء الطير. وقيل لهم: عبيد العصا ببيت قاله صاحبهم بشر بن أبي خازم، قالها لأوس بن حارثة:
عبيد العصا لم يتّقوك بذمةسوى سيب سعدى إنّ سيبك واسع
فيجب على العاقل بعد أن يعرف ميسم الشّعر مضرّته، أن يتّقي لسان أخسّ الشّعراء وأجهلهم شعرا بشطر ماله؛ بل بما أمكن من ذلك. فأما العربيّ أو المولى الرّاوية، فلو خرج إلى الشعراء من جميع ملكه لما عنّفته.
والذي لا يكثرث لوقع نبال الشعر، كما قال الباخرزيّ:
ما لي أرى الناس يأخذون ويعطون ويستمتعون بالنّشب
وأنت مثل الحمار أبهم لاتشكو جراحات ألسن العرب
ولأمر مّا قال حذيفة لأخيه، والرماح شوارع في صدره: «إياك والكلام المأثور».
وهذا مذهب فرعت فيه العرب جميع الأمم. وهو مذهب جامع لأسباب الخير.
قال: ويقال لموضع الغائط: الخلاء، والمذهب، والمخرج، والكنيف والحشّ، والمرحاض، والمرفق.
وكل ذلك كناية واشتقاق، وهذا أيضا يدلك على شدة هربهم من الدناءة والفسولة، والفحش والقذع.
قال: وعن اليزيديّ: رجع الرجل، من الرجيع وخبرني أبو العاص عن يونس، قال: ليس الرجيع إلا رجيع القول والسّفر والجرّة. قال الله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ
وقال الهذليّ وهو المتنخّل:
أبيض كالرّجع رسوب إذاما ثاخ في محتفل يختلي
وفي الحديث: «فلما قدمنا الشام وجدنا مرافقهم قد استقبل بها القبلة، فكنّا ننحرف ونستغفر الله».
وقال ابن عبدل في الفأرة والسنّور:
يا أبا طلحة الجواد أغثنيبسجال من سيبك المقسوم
أحي نفسي فدتك نفسي فإنيمفلس قد- علمت ذاك- عديم
أو تطوّع لنا بسلف دقيقأجره إن فعلت ذاك عظيم
قد علمتم فلا تعامس عنّيما قضى الله في طعام اليتيم
أراد: لا تعامسوا. فاكتفى بالضمة من الواو. وأنشد:
فلو أنّ الأطبّا كان حوليوكان مع الأطباء الأساة
ليس لي غير جرّة وأصيصوكتاب منمنم كالوشوم
وكساء أبيعه برغيفقد رقعنا خروقه بأديم
وإكاف أعارنيه نشيطهو لحاف لكلّ ضيف كريم
ونبيذ مما يبيع صهيبيذر الشّيخ رمحه ما يقوم
ربّ حلّا فقد ذكرت أصيصيولحافي حتى يغور النّجوم
كل بيت عليه نصف رعيفذاك قسم عليهم معلوم
فرّ منه مولّيا فار بيتيولقد كان ساكنا ما يريم
قلت: هذا صوم النصارى فحلّوالا تليحوا شيوخكم في السّموم
ضحك الفأر ثم قلن جميعاأهو الحقّ كلّ يوم تصوم
قلت: إن البراء قد قام في النّاس بإذن وأنت فينا ذميم
حملوا زادهم على خنفساتوقراد مخيّس مزموم
وإذا ضفدع عليه إكافعلّموه بعد النّفار الرّسيم
خطموا أنفه بقطعة حبليا لقومي لأنفه المخطوم
نصبوا منجنيقهم حول بيتييا لقومي لبيتي المهدوم
وإذا في الغباء سمّ بريصقائم فوق بيتنا بقدوم
قلت: بيت الجرين مجمع صدقكان قدما لجمعكم معلوم
قلن: لولا سنّورتاه احتفرنامسكنا تحت تمره المركوم
إن تلاق سنّورتاه فضاءتذرانا وجمعنا كالهزيم
عشّش العنكبوت في قعر دنّيإنّ ذا من رزيّتي لعظيم
ليتني قد غمرت دنّي حتىأبصر العنكبوت فيه يعوم
غرقا لا يغيثه الدهر إلازبد فوق رأسه مركوم
مخرجا كفّه ينادي ذباباأن أغثني فإنني مظلوم
قال ذرني فلن أطيق دنوّامن نبيذ يشمّه المزكوم
وقال في الفأر والسنور:
قد قال سنّورنا وأعهدهقد كان عضبا مفوّها لسنا
الو أصبحت عندنا جنازتهالحنّطت واشترى لها كفنا
ثم جمعنا صحابتي وغدوافيهم كريب يبكي وقام لنا
كلّ عجوز حلو شمائلهاكانت لجرذان بيتنا شجنا
من كلّ حدباء ذات خشخشةأو جرذ ذي شوارب أرنا
سقيا لسنّوة فجعت بهاكانت لميثاء حقبة سكنا
قال: والفأر ضروب: فمنها الجرذان والفأر المعروفان، وهما كالجواميس والبقر، وكالبخت والعراب. ومنها الزباب. ومنها الخلد. واليرابيع شكل من الفأر، واسم ولد اليربوع درص، مثل ولد الفأر.
ومن الفأر فأرة المسك، وهي دويبة تكون في ناحية تبّت، تصاد لنوافجها وسررها، فإذا اصطادها صائد عصب سرّتها بعصاب شديد، وسرّتها مدلاة، فيجتمع فيها دمها فإذا أحكم ذلك ذبحها.
وما أكثر من يأكلها- فإذا ماتت قوّر السرة التي كان عصبها له والفأرة حيّة، ثم دفنها في الشعير حتى يستحيل ذلك الدم المحتقن هناك، الجامد بعد موتها، مسكا ذكيا، بعد أن كان ذلك الدّم لا يرام نتنا.
قال: وفي البيوت أيضا قد يوجد فأر مما يقال له: فأر المسك، وهي جرذان سود ليس عندها إلا تلك الرائحة اللازمة له.
قال: وفي الجرذان جنس لها عبث بالعقود والشّنوف، والدراهم والدنانير، على شبيه بالذي عليه خلق العقعق؛ إلا أن هذه الجرذان تفرح بالدنانير والدراهم، وبخشخاش الحلي. وذلك أنها تخرجها من جحورها في بعض الزمان، فتلعب عليها وحواليها، ثم تنقلها واحدا واحدا، حتى تعيدها عن آخرها إلى موضعها.
فزعم الشّرقيّ بن القطاميّ- وقد رووه عن شوكر أن رجلا من أهل الشام اطّلع على جرذ يخرج من جحره دينارا دينارا، فلما رآه قد أخرج مالا صالحا استخفّه الحرص، فهمّ أن يأخذه، ثم أدركه الحزم، وفتح له الرزق المقسوم بابا من الفطنة،
فقال: الرأي أن أمسك عن أخذه ما دام يخرج، فإذا رأيته يدخل فعند أوّل دينار يغيّبه ويعيده إلى مكانه أثب عليه، فأجترف المال.
قال: ففعلت وعدت إلى موضعي الذي كنت أراه منه. فبينما هو يخرج إذ ترك الإخراج، ثم جعل يرقص ويثب إلى الهواء، ويذهب يمنة ويسرة ساعة، ثم أخذ دينارا فولّى به، فأدخله الجحر، فلما رأيت ذلك قمت إلى الدنانير فأخذتها، فلما عاد ليأخذ دينارا آخر فلم يجد الدنانير أقبل يثب في الهواء، ثم يضرب بنفسه الأرض، حتى مات.
وهذا الحديث من أحاديث النساء وأشباه النساء.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع