تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب في البرغوث

(باب)

والبرغوث أسود أحدب نزّاء، من الخلق الذي لا يمشي صرفا.

وبما قال بعضهم: دبيبها من تحتي أشدّ عليّ من عضّها.

وليس ذلك بدبيب. وكيف يمكنه الدّبيب- وهو ملزق على النّطع بجلد جنب النائم؟! ولكنّ البرغوث خبيث، فمتى أراد الإنسان أن ينقلب من جنب إلى جنب، انقلب البرغوث واستلقى على ظهره، ورفع قوائمه فدغدغه بها، فيظنّ من لا علم عنده أنه إنما يمشي تحت جنبه.

وقد ذكرنا من شأنه في مواضع، ولو كان الباب يكبر حتى يكون لك مجموعا ولم تعرفه تكلفت لك جمعه.

وقال بعض الأعراب:

ليل البراغيث عنّاني وأنصبنيلا بارك الله في ليل البراغيث
كأنهنّ وجلدي إذ خلون بهأيتام سوء أغاروا في المواريث

وقال محبوب بن أبي العشنّط النهشليّ:

لروضة من رياض الحزن أو طرفمن القريّة جرد غير محروث
للنّور فيه إذا مجّ النّدى أرجيشفي الصّداع ويشفي كلّ ممغوث
أملا وأحلى لعيني إن مررت بهمن كرخ بغداد ذي الرّمّان والتّوث
الليل نصفان: نصف للهموم فماأقضى الرّقاد، ونصف للبراغيث
أبيت حين تساميني أوائلهاأنزو وأخلط تسبيحا بتغويث
سود مداليج في الظلماء مؤذيةوليس ملتمس منها بمشبوث

وقد جعل «التوث» بالثاء. ووجه الكلام بالتاء. وتعجيمها نقطتان من فوقها.

وقال آخر:

وإنّ امرأ تؤذيّ البراغيث جلدهويخرجنه من بيته لذليل
ألا ربّ برغوث تركت مجدّلابأبيض ماضي الشّفرتين صقيل

وقال آخر:

لقد علم البرغوث حين يعضّنيببغداد إني بالبلاد غريب

وقال آخر:

لقيت من البرغوث جهدا ولا أرىأميرا على البرغوث يقضي ولا يعدي
يقلّبني فوق الفراش دبيبهوتصبح آثار تبيّن في جلدي

وقال آخر:

ألا يا عباد الله من لقبيلةإذا ظهرت في الأرض شدّ مغيرها
فلا الدّين ينهاها ولا هي تنتهيولا ذو سلاح من معدّ يضيرها

وقال يزيد بن نبيه الكلّابي:

أصبحت سالمت البراغيث بعد مامضت ليلة مني وقلّ رقودها
فيا ليت شعري هل أزورنّ بلدةقليل بها أوباشها وسنيدها
وهل أسمعنّ الدّهر أصوات ضمّرتطالع بالركبان صعرا خدودها
وهل أرينّ الدهر نارا بأرضهابنفسي وأهلي أرضها ووفودها
تراطن حولي كلما ذرّ شارقببغداد أنباط القرى وعبيدها

وقال آخر:

لا بارك الله في البرغوث، إن لهلذعا شديدا كلذع الكيّ بالنار
أقول والنجم قد غارت أوائلهوغلّس المدلج الساري بأسحار
لبرقة من براق الحزن أعمرهافيها الظّباء تراعي غبّ أمطار
أشفى لدائي من درب به نبطومنزل بين حجّام وجزّار
من ينحر الشّول لا يخطي قوائمهابمدية كشرار النار بتّار

وقال آخر:

إنّ هذا المصلوب لا شك فيههو من بعد صلبه مبعوث
حلّ من حيث ليس يأكله البقّ ولا يهتدي له البرغوث
بين حنوي مطيّة إن يسقهاسائقاها فذاك سير مكيث
فعليه الدبار والخزي لمّاقلت من ذا فقال لصّ خبيث

وقال أبو الرماح الأسديّ:

تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكنبحنو الغضا ليل عليّ يطول
يؤرّقني حدب صغار أذلةوإن الذي يؤذينه لذليل
إذا جلت بعض الليل منهن جولةتعلّقن بي أو جلن حيث أجول
إذا ما قتلناهنّ أضعفن كثرةعلينا ولا ينعى لهنّ قتيل
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةوليس لبرغوث عليّ سبيل

وقال أبو الشّمقمق:

يا طول يومي وطول ليلتيهإن البراغيث قد عبثن بيه
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «ياطو ل يومي وطول ليلته»
فيهنّ برغوثة مجوّعةقد عقدت بندها بفقحتيه
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «ياطو ل يومي وطول ليلته»

وقال آخر:

هنيئا لأهل الرّي طيب بلادهموأن أمير الرّيّ يحيى بن خالد
تطاول في بغداد ليلي ومن يكنببغداد يلبث ليله غير راقد
للشاعر آدم بن بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، اقرأ القصيدة
بلاد إذا جنّ الظلام تقافزتبراغيثها من بين مثنى وواحد
ديازجة سود الجلود كأنهابغال بريد أرسلت في مذاود

وقال آخر:

أرّقني الأسيود الأسكّليلة حكّ ليس فيها شكّ
أحكّ حتى ماله محكّأحكّ حتى مرفقي منفكّ

وقال آخر:

يا أمّ مثواي عدمت وجهكأنقذني ربّ العلا من مصرك
ولذع برغوث أراه مهلكيأبيت ليلي دائم التحكّك

تحكّك الأجرب عند المبرك

وقال آخر:

الحمد لله برغوث يؤرّقنيأحيلك الجلد لا سمع ولا بصر

وقال آخر:

قبيلة في طولها وعرضهالم يطبقوا عينا لهم بغمضها
خوف البراغيث وخوف عضّهاكأنّ في جلودها من مضّها
عقاربا ترفضّ من مرفضّهاإن دام هذا هربت من أرضها

يا ربّ فاقتل بعضها ببعضها

قال: والبرغوث في صورة الفيل. وزعموا أنها تبيض وتفرخ، وأنهم رأوا بيضها رؤية العين. والبراغيث تناكح وهي مستدبرة ومتعاظلة. وهي من الجنس الذي تطول ساعة كومها.

وليس الناس لشيء مما يعضّهم ويؤذيهم، من الجرجس، والبقّ، والبراغيث والذّبان- أشد استقذارا منهم للقمل. ومن العجب أنّ قرابته أمسّ. فأما قملة النّسر، وهي التي يقال لها بالفارسية: «دده»، وهي تكون بالجبل، فإنها إذا عضّت قتلت.

حدّثني إبراهيم بن السّنديّ قال: لما كان أبي بالشام واليا، أحبّ أن يسوّي بين القحطانيّ والعدناني، وقال: لسنا نقدّمكم إلا على الطاعة لله ﷿، وللخلفاء، وكلّكم إخوة، وليس للنّزاري عندي شيء ليس لليمانيّ مثله.

قال: وكان يتغدّى مع جملة من جلّة الفريقين، ويسوّي بينهم في الإذن والمجلس. وكان شيخ اليمانية يدخل عليه معتمّا، وقد جذب كور عمامته حتى غطى بها حاجبه وكان لا ينزعها في حر ولا برد، فأراد فتى من قيس- وقد كان أبي يستخليه ويقرّبه- أن يسقطه من عين أبي ويوحشه منه، فقال له ذات يوم ووجد المجلس خاليا: إني أريد أن أقول شيئا ليس يخرجه مني إلا الشكر والحرية، وإلا

المودة والنصيحة، ولولا ما أعرف من تقزّزك وتنطّسك؛ وأنك متى انتبهت على ما أنا ملقيه إليك لم آمن أن تستغشّني، وإن لم تظهره لي. إن هذا اليمانيّ إنما يعتم أبدا، ويمدّ طرّة العمامة حتى يغطّي بها حاجبيه؛ لأن به داء لو علمت به لم تؤاكله! قال: فقال أبي: فرماني والله بمعنى كاد ينقض عليّ جميع ما بيدي، وقلت:

والله لئن أكلت معه وبه الذي به إنّ هذا لهو البلاء، ولئن منعت الجميع مؤاكلتي لأوحشنهم جميعا بعد المباسطة والمباثّة والملابسة والمؤاكلة، ولئن خصصته بالمنع أو أقعدته على غير مائدتي. ليغضبنّ، ولئن غضب ليغضبنّ معه كل قحطاني بالشام. فبت بليلة طويلة. فلما كان الغد وجلست، ودخلوا للسلام، جرى شيء من ذكر السموم وغرائب أعمالها، فأقبل عليّ ذلك الشيخ فقال: عندي من هذا بالمعاينة ما ليس عند أحد. خرجت مع ابن اخي هذا، ومع ابن عمّي هذا، ومع ابني هذا، أريد قريتي الفلانية، فإذا بقرب الجادّة بعير قد نهشته أفعى. وإذا هو وافر اللحم، وكل شيء حواليه من الطّير والسباع ميت، فقمنا منه على قاب أرماح نتعجب، وإذا عليه بعوض كثيرة.

فبينا أنا أقول لأصحابي: يا هؤلاء، إنكم لترون العجب: أول ذلك أن بعيرا مثل هذا يتفسّخ من عضة شيء لعله أن لا يكون في جسم عرق من عروقه، أو عصبة من عصبه، فما هذا الذي مجّه فيه، وقذفه إليه؟ ثم لم يرض بأن قتله حتى قتل كلّ طائر ذاق منه، وكلّ سبع عضّ عليه. وأعجب من هذا قتله لأكابر السّباع والطير، وتركه قتل البعوضة، مع ضعفها ومهانتها! فبينا نحن كذلك إذ هبّت ريح من تلقاء الجيفة، فطيّرت البعوض إلى شقّنا، وتسقط بعوضة على جبهتي، فما هو إلا أن عضتني إذ اسمأدّ وجهي تورّم رأسي، فكنت لا أضرب بيدي إلى شيء أحكّه من رأسي وحاجبي، إلا انتثر في يدي.

فحملت إلى منزلي في محمل وعولجت بأنواع العلاج، فبرأت بعد دهر طويل. على أنه أبقى عليّ من الشّين أنه تركني أقرع الرأس. أمرط الحاجبين.

قال: والقوم يخوضون معه في ذلك الحديث، خوض قوم قد قتلوا تلك القصة يقينا.

قال: فتبسمت، ونكس الفتى القيسيّ رأسه، فظن الشيخ أنه قد جرى بيننا في ذلك ذرء من القول، فقال: إن هذا القيسيّ خبيث، ولعله أن يكون قد احتال لك بحيلة! قال إبراهيم: فلم أسمع في السموم بأعجب من هذا الحديث.

ويزعم أهل أنطاكية أنهم لا يبعضون لطلّسم هناك. ولو ادعى أهل عقر الدّير، المتوسطة لأجمة ما بين البصرة وكسكر لكان طلّسمهم أعجب.

ويزعم أهل حمص أن فيها طلّسما من أجله لا تعيش فيها العقارب. وإن طرحت فيها عقرب غريبة ماتت من ساعتها.

ولعمري إنه ليجوز أن تكون بلدة تضادّ ضربا من الحيوان فلا يعيش فيها ذلك الجنس، فيدعي كذّابو أهلها أن ذلك برقية، أو دعوة، أو طلّسم.

والبرغوث إذا عض، وكذاك القملة، فليس هناك من الحرقة والألم ما له مدة قصيرة ولا طويلة.

وأما البعوض فأشهد أن بعوضة عضت ظهر قدمي، وأنا بقرب كاذة والعوجاء، وذلك بعد أن صلى الناس المغرب، فلم أزل منها في أكال وحرقة، وأنا أسير في السفينة، إلى أن سمعت أذان العشاء.

ولذلك يقال: إن البعوضة لو ألحقت بمقدار جرم الجرّارة - فإنّها أصغر العقارب- ثم زيدت من تضاعيف ما معها من السّمّ على حسب ذلك لكانت شرّا من

الدّويبّة التي تسمى بالفارسية: «دده» وهي أكبر من القملة شيئا، وتكون بمهرجان قذق. فإنها مع صغر جسمها تفسخ الإنسان في أسرع من الإشارة باليد، وهي تعضّ ولا تلسع، وهي من ذوات الأفواه، وهي التي بزعمهم يقال لها «قملة النّسر». وذلك أن النّسر في بعض الزمان، إذا سقط بتلك الأرض سقطت منه قملة تستحيل هذه الدابة الخبيثة.

والبعوضة من ذوات الخراطيم.

وحدّثني محمد بن هاشم السّدريّ قال: كنت بالزّطّ. فكنت والله أرى البعوضة تطير عن ظهر الثور فتسقط على الغصن من الأغصان، فتقلس ما في بطنها، ثم تعود.

والبعوضة تغمس خرطومها في جلد الجاموس، كما يغمس الرجل أصابعه في الثريد.

ومن العجب أن بين البصرة وواسط شطرين. فالشّطر الذي يلي الطّف وباب طنج يبيت أهله في عافية، وليس عندهم من البعوض ما يذكر، والشطر الذي يلي زقاق الهفّة لا ينام أهله من البعوض. فلو كان هذا ببلاد الشام أو بلاد مصر لادّعوا الطّلّسم.

وحدّثني إبراهيم النّظام قال: وردنا فم زقاق الهفة، في أجمة البصرة، فأردنا النفوذ فمنعنا صاحب المسلحة، فأردنا التأخّر إلى الهور الذي خرجنا منه، فأبى علينا. ووردنا عليه وهو سكران وأصحابه سكارى، فغضب على ملّاح نبطيّ، فشدّه قماطا، ثم رمى به في الأجمة، على موضع أرض تتصل بموضع أكواخ صاحب المسلحة. فصاح الملاح: اقتلني أيّ قتلة شئت وأرحني! فأبى وطرحه، فصاح،

ثم عاد صياحه إلى الأنين، ثم خفت وناموا في كللهم وهم سكارى. فجئت إلى المقموط، وما جاوز وقت عتمة، فإذا هو ميت، وإذا هو أشد سوادا من الزنجي. وأشد انتفاخا من الزقّ المنفوخ، وذلك كله بقدر ما بين العشاء والمغرب. فقلت: إنها لمّا لسبته ولسعته من كلّ جانب لسعا على لسع إن اجتماع سمومها فيه أربت على نهشة أفعى بعيدا. فهي ضرر ومحنة، ليس فيها شيء من المرافق.

والعقارب بأكلها مشوية من بعينه ريح السّبل، فيجدها صالحة. ويرمى بها في الزيت، حتى إذا تفسّخت وامتصّ الزيت ما فيها من قواها فطلوا بذلك الدهن الخصى التي فيها النفخ- فرّق تلك الريح حتّى تخمص الجلدة، ويذهب الوجع.

فإذا سمعت بدهن العقارب فإنما يعنون هذا الدهن.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.