تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب في البعوض

(باب)

في البقّ، والجرجس والشّرّان، والفراش، والأذى.

وقال الله ﷿: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها

، قال: يريد فما دونها.

وهو قول القائل للرجل يقول: فلان أسفل الناس وأنذلهم! فيقول: هو فوق ذلك! يضع قوله فوق، في موضع: هو شرّ من ذلك.

قال: وضروب من الطير لا تلتمس أرزاقها إلا بالليل، منها الخفّاش، والبومة، والصّدى، والضّوع، وغراب الليل.

والبعوض بالنهار تؤذي بعض الأذى، وإنما سلطانها بالليل. وكذلك البراغيث.

وأما القمل فأمره في الحالات مستو. وليس للذّبّان بالليل عمل. إلا أنّي متى بيت معي في القبة ما صار إليها، وسكن فيها من الذّبّان، ولم أطردها بالعشيّ وبعد العصر، فإني لا أجد فيها بعوضة واحدة.

وقال الرّاجز في خرطوم البعوضة:

مثل السّفاة دائم طنينهاركّب في خرطومها سكّينها

وقال الهذليّ:

كأنّ وغى الخموش بجانبيهوغى ركب أميم ذوي هياط
للشاعر المتنخل، من قصيدة «عرفت بأجدث فنعاف عرق»

والخموش: أصناف البعوض. والوغى: أصوات الملتفة التي لا يبين واحدها عن معنى، وهو كما تسمع من الأصوات الجيشين إذا التقيا على الحرب، وكما تسمع من ضجّة السوق.

وقال الكميت وهو يذكر قانصا وصاحب قترة - لأنه لا يبتني بيته إلّا عند

شريعة ينتابها الوحش- فقال وهو يصف البعوض:

به حاضر من غير جنّ تروعهولا أنس ذو أرنان وذو زجل
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «به حاضر من غير جن تروعه»

والحاضر: الذي لا يبرحه البعوض، لأن البعوض من الماء يتخلّق فكيف يفارقه، والماء الراكد لا يزال يولده؟! فإن صار نطافا أو ضحضحا استحال دعاميص، وانسلخت الدّعاميص فصارت فراشا وبعوضا. وقال ذو الرّمة:

وأيقنّ أنّ القنع صارت نطافهفراشا وأن البقل ذاو ويابس

وصف الصّيف. وقال أبو وجزة، وهو يصف القانص والشريعة والبعوض:

تبيت جارته الأفعى وسامرهرمد به عاذر منهنّ كالجرب
للشاعر أبو وجزة السعدي، اقرأ القصيدة

رمد في لونها، يعني البعوض، وهي التي تسامر القانص وتسهره. والعاذر:

الأثر. يقول: في جلده عواذير وآثار كآثار الجرب من لسع البعوض، وهو مع ذلك وسط الأفاعي.

وقال الراجز يصف البعوض:

وليلة لم أدر ما كراهاأمارس البعوض في دجاها
كلّ زجول خفق حشاهاستّ لدى إيفائها شواها
لا يطرب السامع من غناهاحنّانة أعظمها أذاها

وكذلك قوائم الجرادة، هي ستّ: يدان، ورجلان، والميشاران وبهما تعتمد إذا نزت.

فأما العقرب فلها ثمان أرجل. وللنملة ست أرجل.

وللسّرطان ثمان أرجل، وهو في ذلك يستعين بأسنانه، فكأنه يمشي على عشر. وعيناه في ظهره. وما أكثر من يشويه ويأكله للشهوة، لا للحاجة ولا للعلاج.

وقال الرّاجز، ووصف حاله وحال البعوض:

لم أر كاليوم ولا مذ قطّأطول من ليلي بنهر بطّ
كأنما نجومه في ربطأبيت بين خطّتي مشتطّ
من البعوض ومن التغطّيإذا تغنّين غناء الزّطّ
وهنّ منّي بمكان القرطفثق بوقع مثل وقع الشّرط

وقال أيضا:

إذا البعوض زجلت أصواتهاوأخذ اللحن مغنّياتها
لم تطرب السامع خافضاتهاكلّ زجول تتّقى شذاتها
صغيرة، عظيمة أذاتهاتنقص عن بغيتها بغاتها
ولا تصيب أبدا رماتهارامحة، خرطومها قناتها

وأنشدني جعفر بن سعيد:

ظللت بالبصرة في تهواشوفي براغيث أذاها فاشي
من نافر منها وذي اهتماشيرفع جنبيّ عن الفراش
فأنا في حكّ وفي تخراشتترك في جنبيّ كالخراش
وزوجة دائمة الهراشتغلي كغلي المرجل النّشّاش
تأكل ما جمّعت من تهباشيبل أمّ معروف خموش ناش

وقال رجل من بني حمّان، وقع في جند الثغور:

أأنصر أهل الشّام ممّن يكيدهموأهلي بنجد ساء ذلك من نصر
براغيث ترذيني إذا الناس نوّمواوبقّ أقاسيه على ساحل البحر
فإن يك فرض بعدها لا أعد لهوإن بذلوا حمر الدنانير كالجمر

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.