تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب في العنكبوت

قال الله ﷿: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ

، ثم قال على إثر ذلك: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ

يريد ذكره بالوهن. وكذلك هو. ولم يرد إحكام الصنعة في الرّقّة والصّفاقة، واستواء الرقعة، وطول البقاء، إذا كان لا يعمل فيه تعاور الأيام، وسلم من جنايات الأيدي.

وقال الحدّانيّ:

يزهّدني في ودّ هارون أنهغذته بأطباء ملعّنة عكل
كأنّ قفا هارون إذ قام مدبراقفا عنكبوت سلّ من دبرها غزل
ألا ليت هارونا يسافر جائعاوليس على هارون خفّ ولا نعل

وقال مزرّد بن ضرار:

ولو أنّ شيخا ذا بنين كأنماعلى رأسه من شامل الشّيب قونس
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة
ولم يبق من أضراسه غير واحدإذا مسّه يدمى مرارا ويضرس
تبيّت فيه العنكبوت بناتهانواشئ حتى شبن أو هنّ عنّس
للشاعر المزرد الغطفاني، اقرأ القصيدة
لظلّ إليها رانيا وكأنهإذا كشّ ثور من كريص منمّس

قال: ومن أجناس العنكبوت جنس رديء التدبير، لأنه ينسج ستره على وجه الأرض، والصخور. ويجعله على ظهر الأرض خارجا، وتكون الأطراف داخلة. فإذا وقع عليه شيء مما يغتذيه من شكل الذّبّان وما أشبه ذلك أخذه.

وأما الدقيق الصّنعة فإنه يصعّد بيته ويمدّ الشّعرة ناحية القرون والأوتاد، ثم يسدّي من الوسط، ثم يهيّئ اللّحمة، ويهيّئ مصيدته في الوسط، فإذا وقع عليها ذباب تحرّك ما هناك ارتبط ونشبت به، فيتركه على حاله حتى إذا وثق بوهنه وضعفه، غلّه وأدخله إلى خزانته. وإن كان جائعا مصّ من رطوبته ورمى به. فإذا فرغ رمّ ما تشعّث من نسجه.

وأكثر ما يقع على تلك المصيدة من الصّيد عند غيبوبة الشمس.

وإنما تنسج الأنثى. فأما الذكر فإنه ينقض ويفسد.

وولد العنكبوت أعجب من الفرّوج، الذي يظهر إلى الدنيا كاسبا محتالا مكتفيا.

قال: وولد العنكبوت يقوم على النسج ساعة يولد.

قال: والذي ينسج به لا يخرج من جوفه، بل من خارج جسده.

وقال الحدّانيّ:

كأن قفا هارون إذ قام مدبراقفا عنكبوت سلّ من دبرها غزل

فالنحل، والعنكبوت، ودود القزّ، تختلف من جهات ما يقال إنه يخرج منها.

ومن العناكب جنس يصيد الذّباب صيد الفهود، وهو الذي يسمى: «الليث» وله ستّ عيون. وإذا رأى الذّباب لطئ بالأرض، وسكّن أطرافه. وإذا وثب لم يخطئ. وهو من آفات الذّبّان، ولا يصيد إلا ذبّان الناس.

وذبّان الأسد على حدة، وذبّان الكلاب على حدة، وليس يقوم لها شيء. وهي أشدّ من الزنابير، وأضرّ من العقارب الطيّارة. وفيها من الأعاجيب أنها تعضّ الأسد، كما يعضّ الكلب ذبّان الكلب.

وكذلك ذبّان الكلأ، لما يغشى الكلأ من بعير وغير ذلك. ولها عضّ منكر، ولا يبلغ مبلغ ذبّان الأسد.

فمن أعاجيبها سوى شدة عضّها وسمّها، وأنها مقصورة على الأسد، وأنها متى رأت بأسد دما من جراح أو رمي، ولو في مقدار الخديش الصغير فإنها تستجمع عليه، فلا تقلع عنه حتى تقتله.

وهذا شبيه بما يروى ويخبر عن الذَّرّ، فإن الذَّرّ متى رأت بحيّة خدشا لم تقلع عنه حتى تقتله، وحتى تأكله.

ولقد أردت أن أغرس في داري أراكة، فقالوا لي: إن الأراكة إنما تنبت من حبّ الأراك، وفي نباتها عسر، وذلك أن حبّ الأراك يغرس في جوف طين، وفي قواصر، ويسقى الماء أياما. فإذا نبت الحبّ وظهر نباته فوق الطين، وضعت القوصرة كما هي في جوف الأرض، ولكنها إلى أن تصير في جوف الأرض، فإن الذرّ يطالبها مطالبة شديدة. وإن لم تحفظ منها بالليل والنهار أفسدتها.

فعمدت إلى منارات من صفر من هذه المسارج، وهي في غاية الملاسة واللّين، فكنت أضع القوصرة على التّرس الذي فوق العمود الأملس، فأجد فيها الذرّ الكثير، فكنت أنقل المنارة من مكان إلى مكان، فما أفلح ذلك الحبّ.

قال: والعناكب ضروب: فمنها هذا الذي يقال له الليث، وهو الذي يصيد الذبّان صيد الفهد، وقد ذكرنا في صدر هذا الكلام حذقه ورفقه، وتأتّيه وحيلته.

ومنها أجناس طوال الأرجل، والواحدة منها إذا مشت على جلد الإنسان تبثّر. ويقال إن العنكبوت الطويلة الأرجل، إنما اتخذت بيتا وأعدّت فيه المصايد والحبائل، والخيوط التي تلتفّ على ما يدخل بيتها من أصناف الذّبان وصغار الزنابير- لأنها حين علمت أنها لا بدّ لها من قوت، وعرفت ضعف قوائمها، وأنها تعجز عما يقوى عليه الليث، احتالت بتلك الحيل.

فالعنكبوت، والفأر، والنحل، والذّرّ، والنمل، من الأجناس التي تتقدم في إحكام شأن المعيشة.

ومنها جنس رديء، مشنوء الصورة، غليظ الأرجل، كثيرا ما يكون في المكان التّرب من الصناديق والقماطر والأسفاط. وقد قيل: إنّ بينه وبين الحيّة، كما بين الخنفساء والعقرب.

وإناث العناكب هي العوامل: تغزل وتنسج. والذّكر أخرق ينقض ولا ينسج.

وإن كان ما قال صاحب المنطق حقّا فما أغرب الأعجوبة في ذلك، وذلك أنه زعم أن العنكبوت تقوى على النَّسج، وعلى التقدم في إحكام شأن المعاش حين تولد.

وقالوا: وأشياء من أولاد الحيوان تكون عالمة بصناعتها، عارفة بما يعيشها ويصلحها، حتى تكون في ذلك كأمهاتها وآبائها، حين تخرج إلى الدنيا، كالفرّوج من ولد الدجاج، والحسل من ولد الضّباب، وفرخ العنكبوت.

وهذه الأجناس، مع الفأر والجرذان، هي التي من بين جميع الخلق تدّخر لنفسها ما تعيش به من الطّعم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.