تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب في العقرب

(القول في العقرب) وسنذكر تمام القول في العقرب؛ إذ كنا قد ذكرنا من شأنها شيئا في باب القول في الفأر.

ولمّا قيل ليحيى بن خالد، النازل في مربّعة الأحنف- وزعموا أنهم لم يروا رجلا لم يختلف إلى البيمارستانات ولا رجلا مسلما ليس بنصرانيّ ولا رجلا لم ينصب نفسه للتكسب بالطب كان أطبّ منه- فلما قيل له: إن القينيّ قال: «أنا مثل العقرب أضرّ ولا أنفع» قال: ما أقلّ علمه بالله ﷿؛ لعمري إنها لتنفع إذا شقّ بطنها ثم شدّ على موضع اللّسعة، فإنها حينئذ تنفع منفعة بينة! والعقرب تجعل في جوف فخّار مشدود الرّأس مطيّن الجوانب، ثم يوضع الفخّار في تنّور، فإذا صارت العقرب رمادا سقي من ذلك الرّماد من به الحصاة مقدار نصف دانق.

وقال حنين: وقد يسقى منه الدانق وأكثر، فيفتّت الحصاة من غير أن يضرّ بشيء من الأعضاء والأخلاط. وخير الدواء ما قصد إلى العضو السقيم، وسلمت عليه الأعضاء الصحيحة.

وقال يحيى: وقد تلسع أصحاب ضروب من الحميات العقارب فيفيقون، وتلسع الأفاعي فتموت، ومنها ما يلسع بعضها بعضا فيموت الملسوع، فهي من هذا الوجه تكفي الناس مؤونة عظيمة.

وتلقى العقرب في الدّهن وتترك فيه، حتى يأخذ الدهن منها ويمتصّ ويجتذب قواها كلها بعد الموت، فيكون ذلك الدهن يفرّق الأورام الغلاط. وقد عرف ذلك حنين.

ومن أعاجيبها أنها لا تسبح، ولا تتحرك إذا ألقيت في الماء كيف كان الماء:

ساكنا أو جاريا.

والعقرب تطلب الإنسان وتقصد نحوه، فإذا قصد نحوها فرّت وهربت وتقصد أيضا نحو الإنسان، فإذا ضربته هربت، هرب من قد أساء، وتعلم أنها مطلوبة.

والزنابير تطالب من تعرّض لها وتقصد لعينه، ولا تكاد تعرض للكافّ عنها.

وبين العقارب وبين الخنافس مودة. والمودّة غير المسالمة.

والمسالمة: أن يكون كل واحد من الجنسين لا يعرض للآخر بخير ولا شر، بعد أن يكون كل واحد منهما مقرّبا لصاحبه.

والعداوة أن يعرض كل واحد منهما لصاحبه بالشرّ والأذى والقتل، ليس من جهة أن أحدهما طعام لصاحبه.

والأسد ليس يثب على الإنسان والحمار والبقرة والشاة من جهة العداوة، وإنما يثب عليه من طريق طلب المطعم. ولو مرّ به وهو غير جائع لم يعرض له الأسد.

والنمر على غير ذلك. ولكن قد يقال: إن بين الببر والأسد مسالمة.

والمودة: كما يكون بين العقارب والخنافس، فإنّ بعضها يتألف بعضا، وليست تلك بمسالمة، وكما بين الحيّات والوزغ، فإنها تساقى السّمّ وتزاقّ، وكما بين ضروب من العقارب وأسود سالخ.

والأسود ربّما جاع في جونة الحوّاء فأكل الأفعى وربما عضّته الأفعى فقتلته.

وريح العقارب إذا شويت مثل ريح الجراد.

وما زلت أظنّ أن الطعم أبدا يتبع الرائحة، حتى حقّق ذلك عندي بعض من يأكلها مشوية ونيّة، أنه ليس بينها وبين الجراد الأعرابي السمين فرق.

وزعم لي بختيشوع بن جبريل، أنه عاين الخرق الذي في إبرة العقرب. وإن كان صادقا كما قال، فما في الأرض أحدّ بصرا منه. وإنه لبعيد، وما هو بمستنكر.

وفي العقارب أعجوبة أخرى؛ لأنه يقال: إنها مائية الطّباع، وإنها من ذوات الذّرو والإنسال وكثرة الولد، كما يعتري ذلك السّمك والضّبّ والخنزيرة، في كثرة الخنانيص.

قال: ومع ذلك إن حتفها في أولادها، وإن أولادها إذا بلغن وحان وقت الولادة، أكلن جلد بطنها من داخل، حتى إذا خرقنه خرجن منه وماتت الأمّ.

وقد يطأ الإنسان على العقرب وهي ميتة، فتغترز إبرتها في رجله، فيلقى الجهد الجاهد؛ وربما أمرضت، وربّما قتلت.

قال: وفي أشعار اللّغز قيل في أكل أولاد العقرب بطن الأمّ، وأنّ عطبها في أولادها:

وحاملة لا يكمل الدّهر حملهاتموت ويبقى حملها حين تعطب

وليس هذا شيئا.

خبّرني من أثق بعقله، وأسكن إلى خبره، أنه أرى العقرب عيانا وأولادها يخرجن من فيها، وذكر عددا كثيرا، وأنها صغار بيض على ظهورها نقط سود، وأنها تحمل أولادها على ظهرها، وأنه عاين ذلك مرة أخرى. فقلت: إن كانت العقرب تلد من فيها فأخلق بها أن يكون تلاقحها من حيث تلد أولادها!.

والعقارب القاتلة تكون في موضعين: بشهرزور. وقرى الأهواز، إلا أن القواتل التي بالأهواز جرّارات. ولم نذكر عقارب نصيبين، لأن أصلها- فيما لا يشكّون فيه- من شهرزور حين حوصر أهلها ورموا بالمجانيق، وبكيزان محشوّة من عقارب شهرزور، حتّى توالدت هناك، فأعطى القوم بأيديهم.

ومن اللّغز فيها في غير هذا الجنس:

وما بكرة مضبورة مقمطرّةمسرّة كبر أن تنال فتمرضا
بأشوس منها حين جاءت مدلّةلتقتل نفسا أو تصيب فتمرضا
فلما دنا نادى أوابا بنعم غيرهاديرا إذا نال الغريفة أو قضا

قال: والعقارب تستخرج من بيوتها بالجراد: تشدّ الجرادة في طرف عود، ثم تدخل الجحر، فإذا عاينتها تعلقت بها، فإذا أخرج العود خرجت العقرب وهي متعلقة بالجرادة.

فأما إبراهيم بن هانىء فأخبرني أنه كان يدخل في جحرها خوط كرّاث، فلا يبقى منها عقرب إلا تبعته.

ألسنة الحيّات كلها سود. وألسنة الأفاعي حمر، إلا أنها مشقوقة.

وسنذكر عقارب الشتاء وعقيرب الحرّ. وكلّ شيء من هذا الباب، ولكنا نبدأ بذكر جرّارات الأهواز.

ذكروا أنّ أقتلها عقارب عسكر مكرم، وأنها متى ضربت رجلا فظنّ أن تلك العضة عضّة نملة، أو وخزة شوكة، فنال من اللحم تضاعف ما به.

وربما باتت مع الرجل في إزاره فلم تضربه.

وهي لا تدبّ على كل شيء له غفر، ولا تدبّ على المسوح، وما أكثر ما تأوي في أصول الآجرّ الذي قد أخرج من الأتاتين ونضّد في الأنابير.

وكان أهل العسكر يرون أن من أصلح ما يعالج به موضع اللسعة أن يحجم، وكان الحجّام لا يرضى إلا بدنانير ودنانير، لأن ثناياه ربما نصلت، وجلد وجهه ربما

تبطّط من السمّ الذي يرتفع إلى فيه، بمصّته وجذبته من أذناب المحاجم. حتى عمدوا بعد ذلك إلى شيء من قطن، فحشوا به تلك الأنبوبة، فإذا جذب بمصّته فارتفع إليه من بخار الدّم أجزاء من ذلك السم، تعلقت بالقطن، ولم تنفذ إلى فيه. والقطن ليس مما يدفع قوّة المص. ثم وقعوا بعد ذلك على حشيشة فوجدوا فيها الشفاء!

ومن أعاجيب ما في العقرب أنا وجدنا عقارب القاطول يموت بعضها عن لسع بعض، ثم لا يموت عن لسعها شيء غير العقارب.

ونجد العقرب تلسع إنسانا فيموت الإنسان، وتسلع آخر فتموت هي. فدلّ ذلك على أنها كما تعطي تأخذ، وأن للناس أيضا سموما عجيبة. ولذلك صار بعضهم إذا عضّ قتل.

ومن أعاجيبها أنها تضرب الطست أو القمقم فتخرقه. وربما ضربته فتثبت فيه إبرتها ثم تنصل حتى تبين منها.

والعنبر يقذفه البحر إلى عبريه، فلا يأكل منه شيء إلا مات، ولا ينقره طائر بمنقار إلا نصل فيه منقاره. فإذا وضع رجليه نصلت أظفاره. فإن كان قد أكل منه قتله ما أكل. وإن لم يكن أكل فإنه ميت لا محالة، لأنه إذا بقي بغير منقار، ولم يكن للطائر شيء يأكل به مات.

والبحريّون والعطّارون يخبروننا أنهم ربما وجدوا فيه المنقار والظفر. وإنّ البال ليأكل منه اليسير فيموت.

والبال: سمكة ربما كان طولها أكثر من خمسين ذراعا.

ومن أعاجيب العقارب أنها تلسع الأفعى فتموت الأفعى ولا تموت هي، وتلسع بعض الناس، فتموت هي، ولا ينال الملسوع منها من المكروه قليل ولا كثير. ويزعم العوامّ أن ذلك إنما يكون لمن لسعت أمّه عقرب وهو حمل في بطنها.

وقد لسعت عقرب رجلا مفلوجا، فذهب عنه الفالج. وقصة هذا المفلوج معروفة، وقد عرفها صليبا وغيره من الأطباء.

ومن العقارب طيارات وجرارات، ومعقّفات، وخضر، وحمر.

وتختلف سموم العقارب بأسباب: منها اختلاف أجناسها، كالجرّارة وغيرها، ومنها اختلاف التّرب كفرق ما بين جرّارات عقارب شهرزور وعسكر مكرم.

وتختلف مضرّة سمومها على قدر طباع الملسوع. ويختلف قدر سمومها على قدر مواضع اللسعة، وعلى قدر اختلاف ما بين النهار والليل، وعلى قدر ما صادفت عليه الملسوع من غذائه، ومن تفتح منافسه، وعلى قدر ما تصادف عليه العقرب من الحبل وغير الحبل وعلى قدر لسعتها في أوّل الليل عند خروجها من جحرها بعد أن أقامت فيه شتوتها. وأشدّ من ذلك أن تلسع أوّل ما تخرج من جحرها بعد أن أقامت فيه يومها.

قال ماسرجويه: فلذلك اختلفت وجوه العلاج، فصار ضرب من العلاج يفيق عنه إنسان ولا يصلح أمر الآخر.

وخبرني ثمامة عن أمير المؤمنين المأمون أنه قال: قال لي بختيشوع بن جبريل وسلمويه، وابن ماسويه: «إن الذباب إذا دلك به موضع لسعة الزنبور سكن»

فلسعني زنبور فحككت على موضعه أكثر من عشرين ذبابة فما سكن إلا في قدر الزمان الذي كان يسكن فيه من غير علاج. فلم يبق في يدي منهم إلا أن يقولوا: كان هذا الزنبور حتفا قاضيا، ولولا هذا العلاج لقتلك.

وكذلك هم إذا سقوا دواء فضرّ، أو قطعوا عرقا فضرّ، قالوا: أنت مع هذا العلاج الصّواب تجد ما تجد! فلولا ذلك العلاج كنت الساعة في نار جهنم.

وقيل لي- وقرأت في كتاب الحيوان- إنّ ريح السّذاب يشتد على الحيّات. فألقيت على وجوه الأفاعي جرز السّذاب فما كان عندها إلا كسائر البقل.

فلو قلت لهم في هذا شيئا لقالوا: الحيّات غير الأفاعي. وهذا باطل. الأفاعي نوع من الحيات. وكلهم قد عمّ ولم يخص.

وجميع الحشرات والأحناش، وجميع العقارب وهذه الدّبابات التي تعضّ وتلسع، التي تكمن في الشتاء لا تأكل شيئا في تلك الأشهر ولا تشرب، وكذا كل شيء من الهمج والحشرات مما لا يتحرّك في الشتاء إلا النمل والذّرّ والنحل، فإنها قد ادخرت ما يكفيها، وليست كغيرها مما تثبت حياته مع ترك الطعم.

وللعقرب ثماني أرجل وهي حريصة على أكل الجراد. وكذلك الحيات. وما أكثر ما تلدغ وتنهش صاحب الجراد.

ومن عجيب سمّ الأفاعي ما خبرني به بعض من يخبر شأن الأفاعي قال:

كنت بالبادية ورأيت ناقة ترتع، وفصيلها يرتضع من أخلافها، إذ نهشت الناقة على مشافرها أفعى، فبقيت واقفة سادرة، والفصيل يرتضع، فبينا هو يرتضع إذ خرّ ميّتا.

فكان موته قبل موت أمّه من العجب. وكان مرور السمّ في تلك الساعة القصيرة أعجب، وكان ما صار من فضول سمها في لبن الضّرع حتى قتل الفصيل قبل أمه عجبا آخر.

والمرأة المرضع تشرب النبيذ فيسكر عن لبنها الرضيع وتشرب دواء المشي فيعتري الرضيع الخلفة. فلذلك يختار الحكماء لأولادهم الظئر البريئة من ألأدواء:

في عقلها، وفي بدنها.

وتوهّموا أن اللبن إنما نجع في الفصيل لقرابة ما بين اللبن والدّم، فصار ذلك السمّ أسرع إليه منه إلى أمه. ولعل ضعف الفصيل قد أعان أيضا على ذلك.

قال أبو عبيدة: لسعت أعرابيّا عقرب بالبصرة، فخيف عليه فاشتدّ جزعه، فقال بعض الناس: ليس شيء خيرا له من أن تغسل له خصية زنجي عرق- وكانت ليلة غمقة - فلما سقوه قطب، فقيل له: طعم ماذا تجد؟ قال: طعم قربة جديدة.

وخبرني محمد وعليّ ابنا بشير، أن ظئرا لسليمان بن رياش لسعتها عقرب فملأت الدنيا صراخا، فقال سليمان: اطلبوا لها هذه العقرب، فإن دواءها أن تلسعها لسعة أخرى في ذلك المكان، فقالت العجوز: قد برئت، وقد سكن وجعي، ولا حاجة لي إلى هذا العلاج. قال: فأتوه بعقرب لا والله إن يدرى: أهي تلك أم غيرها؟ فأمر بها فأمسكت فقالت: أنشدك بالله واللبن فأبى وأرسلها عليها. فلسعتها فغشي عليها ومرضت زمانا وتساقط شعر رأسها. فقيل لسليمان في ذلك فقال: يا مجانين! لا والله إن ردّ عليّ روحها إلا اللسعة الثانية. ولولا هي لقد كانت ماتت.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.