تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب القول في القمل والصّؤاب

وسنقول في القمل والصّؤاب ما وجدنا تمكينا من القول، إن شاء الله تعالى.

ذكروا عن إياس بن معاوية، أنه زعم أن الصّئبان ذكورة القمل والقمل إناثها، وأن القمل من الشّكل الذي تكون إناثه أعظم من ذكورته.

وذكروا عنه أنه قال: وكذلك الزّرارقة والبزاة. فجعل البزاة في الإناث.

وليس فيما قال شيء من الصواب والتّسديد. وقد خبّرناكم عن حكايته في الشّبّوط، حين جعله كالبغل، وجعله مخلوقا من بين البنّيّ والزّجر.

والقمل يعتري من العرق والوسخ، إذا علاهما ثوب، أو ريش، أو شعر، حتى يكون لذلك المكان عفن وخموم.

والقملة تكون في رأس الأسود سوداء، ورأس الأبيض الشعر بيضاء، وتكون خصيفة اللون، وكالحبل الأبرق إذا كانت في رأس الأشمط. وإذا كانت في رأس الخاضب بالحمرة كانت حمراء، وإن كان الخاضب ناصل الخضاب كان في لونها شكلة، إلا أن يستولي على الشعر النّصول فتعود بيضاء.

وهذا شيء يعتري القمل، كما تعتري الخضرة دود البقل، وجراده وذبابه، وكلّ شيء يعيش فيه.

وليس ذلك بأعجب من حرّة بن سليم، فإن من طباع تلك الحرة أن تسوّد كل

شيء يكون فيها: من إنسان، أو فرس، أو حمار، أو شاة، أو بعير، أو طائر، أو حيّة.

ولم نسمع ببلدة أقوى في هذا المعنى من بلاد الترك، فإنها تصوّر إبلهم وخيلهم، وجميع ما يعيش فيها، على صورة التّرك.

والقمل يعرض لثياب كلّ الناس إذا عرض لها الوسخ والعرق، والخموم، إلا ثياب المجذّمين فإنهم لا يقملون.

وإذا قمل إنسان وأفرط عليه ذلك، زأبق رأسه إن كنّ في رأسه أو جسده، وإن كنّ في ثيابه، فموّتن.

وقال أبو قطيفة لأصحابه: أتدرون ما يذرأ القمل! قالوا: لا. قال: ذاك والله من قلة عنايتكم بما يصلح أبدانكم! يذرأ القمل الفساء.

فأما ثمامة فحدثني عن يحيى بن خالد البرمكي، أن شيئين يورثان القمل:

أحدهما الإكثار من التّين اليابس، والآخر بخار اللّبان إذا ألقي على المجمرة.

وربما كان الإنسان قمل الطباع، وإن تنظّف وتعطّر وبدّل الثياب، كما عرض لعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوّام، استأذنا رسول الله ﷺ، في لباس الحرير فأذن لهما فيه؛ ولولا أنهما كانا في حدّ ضرورة لما أذن لهما فيه، مع ما قد جاء في ذلك من التشديد.

فلما كان في خلافة عمر، رأى عمر على بعض بني المغيرة من أخواله، قميص حرير، فعلاه بالدّرّة، فقال المغيريّ: أو ليس عبد الرحمن بن عوف يلبس الحرير؟

قال: وأنت مثل عبد الرحمن؛ لا أمّ لك!

واحتاج أصحابنا إلى التسلّم من عضّ البراغيث، أيام كنّا بدمشق، ودخلنا أنطاكية، فاحتالوا لبراغيثها بالأسرّة فلم ينتفعوا بذلك؛ لأن براغيثهم تمشي.

وبراغيثهم نوعان: الأبجل والبقّ، إنما سمّوا ذلك الجنس على شبيه بما حكى لي ثمامة عن يحيى بن خالد البرمكيّ، فإنّ يحيى زعم أن البراغيث من الخلق الذي يعرض له الطيران فيستحيل بقّا، كما يعرض الطيران للنّمل، وكما يعرض الطيران للدّعاميص؛ فإن الدعاميص إذا انسلخت صارت فراشا.

فكان أصحابنا قد لقوا من تلك البراغيث جهدا. وكانت لها بليّة أخرى: وذلك أن الذي تسهره البراغيث لا يستريح إلا أن يقتلها بالعرك والقتل. وإلى أن يقبض عليها فيرمي بها إلى الأرض من فوق سريره فيرى أنهنّ إذا صرن عشرين كان أهون عليه من أن يكنّ إحدى وعشرين. فكان الرجل إذا رام ذلك من واحدة منها نتنت يده وكانوا ملوكا، ومثل هذا شديد على مثلهم، فما زالوا في جهد منها حتى لبسوا قمص الحرير الصّينيّ، وجعلوها طويلة الأردان والأبدان فناموا مستريحين.

وخبّرني كم شئت من أطبّاء الناس وأصحاب التجارب، منهم من يقشعر من الكذب، ويتقزز منه- أنهم رأوا القمل عيانا وهو يخرج من جلد الإنسان. فإذا كان الإنسان قملا كان قمله مستطيلا، في شبيه بخلقة الديدان الصغار البيض.

ويذكر أن مثل ذلك قد كان عرض لأيوب النبي، ﷺ، حين كان امتحن بتلك الأوجاع حتى سمّي: «المبتلى» وخبّرني شيخ من بني ليث، أنه اعتراه جرب، وأنه تطلّى بالمرتك والدّهن،

ثم دخل الحمّام فرأى قملا كثيرا، يخرج من تلك الجلب والقروح.

وخبّرني أبو موسى العباسيّ صديقنا أنه كان له غلام بمصر، وكان الغلام ربما أخذه إبرة ففتح بها فتحا في بعض جسده، في الجلد، فلا يلبث أن يطلع من تحت الجلد في القيح قملة.

والقمل يسرع إلى الدّجاج والحمام، إذا لم يغتسل ويكن نظيف البيت. وهو يعرض للقرد، ويتولّد من وسخ جلد الأسير وما في رأسه من الوسخ. ولذلك كانوا يضجّون ويقولون: أكلنا القدّ والقمل!

وكانوا يلبّدون شعورهم، وذلك العمل هو التلبيد، والحاجّ الملبّد هو هذا.

وقال الشاعر:

يا ربّ، ربّ الراقصات عشيّةبالقوم بين منى وبين ثبير
زحف الرّواح قد انقضت منّاتهميحملن كلّ ملبّد مأجور

وقال عبد الله بن العجلان النهديّ:

إني وما مار بالفريق وماقرقر بالجلهتين من سرب
للشاعر ابن العجلان النهدي، من قصيدة «إني وما مار بِالفريق وما»

جماعة من القطا وغيره، واحدتها سربة وعبر بها ها هنا عن الحجّاج.

من شعر كالغليل يلبد بالقمل وما مار من دم سرب
للشاعر ابن العجلان النهدي، من قصيدة «إني وما مار بِالفريق وما»
والعتر عتر النّسيك يخفر بالبدن لحلّ الإحرام والنّصب
للشاعر ابن العجلان النهدي، من قصيدة «إني وما مار بِالفريق وما»

وقال أميّة بن أبي الصّلت:

شاحين آباطهم لم ينزعوا تفثاولم يسلّوا لهم قملا وصئبانا

ويروى: «لم يقربوا تفثا» قال الله ﷿: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ

. وما أقل ما ذكروا التّفث في الأشعار.

والتلبيد: أن يأخذ شيئا من خطميّ وآس وسدر، وشيئا من صمغ فيجعله في أصول شعره وعلى رأسه، كي يتلبد شعره ولا يعرق ويدخله الغبار، ويخمّ فيقمل.

وكانوا يكرهون تسريح الشعر وقتل القمل. فكان ذلك العمل يقلّ معه القمل.

وقد قال النبيّ ﷺ لكعب بن عجرة: هل آذاك هوامّ رأسك؟!»

وقال ابن الكلبيّ: عيّرت هوازن وأسد بأكل القرّة. وهما بنو القملة.

وذلك أن أهل اليمن كانوا إذا حلقوا رؤوسهم بمنى وضع كل رجل منه على رأسه قبضة من دقيق. فإذا حلقوا رؤوسهم سقط ذلك الشّعر مع ذلك الدقيق، ويجعلون الدقيق صدقة. فكان ناس من الضّركاء وفيهم ناس من قيس وأسد، يأخذون ذلك الشعر بدقيقه، فيرمون بالشعر، وينتفعون بالدقيق.

وأنشد لمعاوية بن أبي معاوية الجرميّ، في هجائهم:

ألم تر جرما أنجدت وأبوكممع الشعر في قصّ الملبّد شارع
إذا قرَّة جاءت يقول أصب بهاسوى القمل إني من هوازن ضارع

وقال بعض العقيليّين، ومرّ بأبي العلاء العقيليّ وهو يتفلّى، فقال:

وإذا مررت به مررت بقانصمتصيّد في شرقة مقرور
للقمل حول أبي العلاء مصارعمن بين مقتول وبين عقير
وكأنهنّ لدى خبون قميصهفذّ وتوءم سمسم مقشور
ضرج الأنامل من دماء قتيلهاحنق على أخرى العدوّ مغير

وقال الحسن بن هانىء، في أيوب، وقد ذهب عني نسبه، وطالما رأيته في المسجد:

من ينأ عنه مصادهفمصاد أيوب ثيابه
تكفيه فيها نظرةفتعلّ من علق حرابه
يا ربّ محترس بخبن الدّرز تكنفه صؤابه
فاشي النّكاية غير معلوم إذا دبّ انسيابه
أو طامريّ واثبلم ينجه عنه وثابه

الطامريّ: البرغوث. ثم قال:

أهوى له بمذلّق الغربين إصبعه نصابه

لله درّك من أخيقنص أصابعه كلابه

وفي الحديث أن أكل التفاح، وسؤر الفأرة، ونبذ القملة يورث النّسيان.

وفي حديث آخر أنّ الذي ينبذ القملة لا يكفى الهمّ.

والعامة تزعم أن لبس النّعال السود يورث الغمّ والنسيان.

وتناول أعرابيّ قملة دبّت على عنقه، ففدغها ثم قتلها بين باطن إبهامه وسبّابته، فقيل له: ما تصنع ويلك بحضرة الأمير؟! فقال: بأبي أنت وأميّ: وهل بقي منها إلا خرشاؤها؟ يعني جلدتها وقشرتها وكل وعاء فهو خرشاء.

وحدثني إبراهيم بن هانىء، قال: حدّثني سعيد بن جابر، قال: لما كادت الأجناد تحيط ببغداد من جوانبها. قال لنا المخلوع: لو خرجنا هكذا قطربّل على دوابنا، ثم رجعنا من فورنا، كان لنا في ذلك نشرة، قال: فلما صرنا هناك هجمنا على موضع خمّارين، فرأى أناسا قد تطافروا من بعض تلك الحانات، فسأل عنهم، فإذا هم أصحاب قمار ونرد ونبيذ، فبعث في آثارهم فردّوا وقال لنا: أشتهي أن أسمع حديثهم، وأرى مجلسهم وقمارهم. قال: فدخلنا إلى موضعهم، فإذا تخت النّرد قطعة لبد، وإذا فصوص النّرد من طين، بعضه مسوّد وبعضه متروك، وإذا الكعبان من عروة كوز محكّكة، وإذا بعضهم يتكئ على دنّ خال وتحتهم بوار قد تنسّرت. قال: فبينا هو يضحك منهم إذ رأيت قملة تدب على ذيله، فتغفّلته وأخذتها فرآني وقد تناولت شيئا، فقال لي: أي شيء تناولت؟ فقلت: دويبّة دبت

على ذيلك من ثياب هؤلاء. قال: وأيّ دابة هي؟ قلت: قملة. قال: أرنيها؛ فقد والله سمعت بها! قال: فتعجبت يومئذ من المقادير كيف ترفع رجالا في السماء، وتحطّ آخرين في الثّرى!

قال: والقرد يتفلّى، فإذا أصاب قملة رمى بها إلى فيه.

ونساء العوامّ يعجبهنّ صوت قصع القمل على الأظفار.

ورأيت مرة أنا وجعفر بن سعيد، بقَّالا في العتيقة وإذا امرأته جالسة بين يديه، وزوجها يحدّثها وهي تفلّي جيبها وقد جمعت بين باطن إبهامها وسبّابتها عدّة قمل، فوضعتها على ظفر إبهامها الأيسر، ثم قلبت عليها ظفرها الأيمن فشدختها به، فسمعت لها فرقعة، فقلت لجعفر: فما منعها أن تضعها بين حجرين؟ قال: لها لذة في هذه الفرقعة، والمباشرة أبلغ عندها في اللذة. فقلت: فما تكره مكان زوجها؟

قال: لولا أن زوجها يعجب بذلك لنهاها!

وقال ابن ميّادة:

سقتني سقاة المجد من آل ظالمبأرشية أطرافها في الكواكب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وإنّ بأعلى ذي النّخيل نسيّةيسيّرن أعيارا شداد المناكب
يشلن بأستاه عليهنّ دسمةكما شال بالأذناب سمر العقارب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.