تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب في الضأن والمعز

(القول في الضأن والمعز) قال صاحب الضّأن: قال الله ﵎: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ

، فقدّم ذكر الضأن.

وقال ﷿: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ

. وقد أجمعوا على أنه كبش. ولا شيء أعظم مما عظّم الله ﷿، ومن شيء فدي به نبيّ.

وقال تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ

ولم يقل إنّ هذا أخي له تسع وتسعون عنزا ولي عنز واحدة؛ لأن الناس يقولون: كيف النعجة؟ يريدون الزوجة.

وتسمي المها من بقر الوحش نعاجا ولم تسمّ بعنوز. وجعله الله ﷿ السّنّة في الأضاحي. والكبش للعقيقة وهدية العرس وجعل الجذع من

الضأن كالثّنيّ من المعز في الأضحية.

وهذا ما فضّل الله به الضأن في الكتاب والسّنّة.

تولّد الضأن مرة في السّنة، وتفرد ولا تتئم. والماعزة قد تولّد مرتين، وقد تضع الثلاث وأكثر وأقلّ.

والبركة والنّماء والعدد في الضأن، والخنزيرة كثيرة الخنانيص. يقال إنها تلد عشرين خنّوصا. ولا نماء فيها.

قال: وفضل الضأن على المعز أن الصوف أغلى وأثمن وأكثر قدرا من الشعر.

والمثل السائر: «إنما فلان كبش من الكباش». وإذا هجوه قالوا: «إنما هو تيس من التيوس» إذا أرادوا النتن أيضا. فإذا أرادوا الغاية في الغباوة قالوا: «ما هو إلا تيس في سفينة!».

والحملان يلعب بها الصبيان، والجداء لا يلعب بها. ولبن الضأن أطيب وأخثر وأدسم، وزبده أكثر. ورؤوس الضأن المشويّة هي الطيبة المفضلة، ورؤوس المعز ليس عندها طائل.

ويقال رؤوس الحملان، ولا يقال رؤوس العرضان.

ويقال للّوطيّ الذي يلعب بالحدّر من أولاد الناس: «هو يأكل رؤوس

الحملان»؛ لمكان ألية الحمل، ولأنه أخدل وأرطب. ولم يقولوا في الكناية والتعريض: هو يأكل رؤوس العرضان.

والشّواء المنعوت شواء الضأن، وشحمه يصير كلّه إهالة أوّله وآخره. والمعز يبقى شحمه على حاله، وكذلك لحمه. ولذلك صار الخبّازون الحذّاق قد تركوا الضأن؛ لأن المعز يبقى شحمه ولحمه، فيصلح لأن يسخّن مرات، فيكون أربح لأصحاب العرس.

والكباش للهدايا وللنطاح. فتلك فضيلة في النجدة وفي الثقافة، ومن الملوك من يراهن عليها، ويضع السّبق عليها، كما يراهن على الخيل.

والكبش الكراز يحمل الراعي وأداة الراعي. وهو له كالحمار في الوقير.

ويعيش الكرّاز عشرين سنة.

وإذا شبق الراعي واغتلم اختار النعجة على العنز. وإذا نعتوا شكلا من أشكال مشي البراذين الفرّه قالوا: هو يمشي مشي النّعاج.

وقال الله ﷿: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها

فقدّم الصّوف.

والبخت هي ضأن الإبل، منها الجمّازات. والجواميس هي ضأن البقر.

يقال للجاموس الفارسية: «كاوماش».

ولا يذكر الماعز بفضيلة إلا ارتفاع ثمن جلده، وغزارة لبنه. فإذا صرت إلى عدد كثرة النّعاج وجلود النعاج والضأن كلّها أربى ذلك على ما يفضل به الماعز الضأن في ثمن الجلد، والغزر في اللبن.

وقيل لابنة الخسّ: ما تقولين في مائة من الماعز؟ قالت: قنى! قيل: فمائة من الضأن؟ قالت: غنى. قيل: فمائة من الإبل؟ قالت: منى! وسئل دغفل بن حنظلة عن بني مخزوم، فقال: معزى مطيرة، عليها قشعريرة، إلا بني المغيرة؛ فإن فيهم تشادق الكلام، ومصاهرة الكرام.

وتقول العرب: «لهو أصرد من عنز جرباء!» وتقول العرب: «العنز تبهي ولا تبني» لأن العنز تصعد على ظهور الأخبية فتقطعها بأظلافها، والنعجة لا تفعل ذلك.

هذا. وبيوت الأعراب إنما تعمل من الصوف والوبر، فليس للماعز فيها معونة، وهي تخرّقها. وقال الأول:

لو نزل الغيث لأبنين امرأكانت له قبّة، سحق بجاد

أبناه: إذا جعل له بناء. وأبنية العرب: خيامهم؛ ولذلك يقولون: بنى فلان على امرأته البارحة.

وقال لي شمؤون الطبيب: يا أبا عثمان، إياك ولحم الماعز؛ فإنه يورث الهمّ، ويحرّك السّوداء، ويورث النّسيان، ويفسد الدم وهو والله يخبّل الأولاد!.

وقال الكلابيّ: «العنوق بعد النّوق»، ولم يقل: الحمل بعد الجمل.

وقال عمرو بن العاص للشيخ الجهنيّ المعترض عليه في شأن الحكمين: وما أنت والكلام يا تيس جهينة؟! ولم يقل يا كبش جهينة؛ لأن الكبش مدح والتّيس ذمّ.

وأما قوله: «إن الظّلف لا يرى مع الخفّ» فالبقر والجواميس والضأن والمعز في ذلك سواء.

قال: وأتي عبد الملك بن مروان في دخوله الكوفة على موائد بالجداء، فقال:

فأين أنتم عن العماريس ؟ فقيل له: عماريس الشّام أطيب!.

وفي المثل: «لهو أذلّ من النقد». النقد هو المعز. وقال الكذّاب الحرمازيّ:

لو كنتم قولا لكنتم فنداأو كنتم ماء لكنتم زبدا
أو كنتم شاء لكنتم نقداأو كنتم عودا لكنتم عقدا

قال: والمرأة تسمى كبشة، وكبيشة. والرجل يكنى أبا كبشة، وقال أبو قردودة:

كبيشة إذ حاولت أن تبين يستبق الدّمع مني استباقا
وقامت تريك غداة الفراقكشحا لطيفا وفخذا وساقا
ومنسدلا كمثاني الحبال توسعه زنبقا أو خلاقا
للشاعر أبو قردودة الطائي، من قصيدة «كبيشة عرسي تمنى الطلاقا»

وأول هذه القصيدة:

كبيشة عرسي تريد الطّلاقاوتسألني بعد وهن فراقا

وقال بعض القصّاص: ومما فضل الله ﷿ به الكبش أن جعله مستور العورة من قبل ومن دبر، وممّا أهان الله تعالى به التيس أن جعله مهتوك الستر، مكشوف القبل والدّبر.

وقال حسّان بن ثابت الأنصاريّ:

سألت قريشا كلها فشرارهابنو عامر شاهت وجوه الأعابد
إذا جلسوا وسط النّديّ تجاوبواتجاوب عتدان الربيع السّوافد

وقال آخر:

أعثمان بن حيّان بن أدمعتود في مفارقه يبول
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة
ولو أني أشاء قد ارفأنّتنعامته ويعلم ما أقول
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

وقال الشاعر:

سميّت زيدا كي تزيد فلم تزدفعاد لك المسمي فسمّاك بالقحر
وما القحر إلا التّيس يعتك بولهعليه ويمذي في الّلبان وفي النّحر

فالتّيس كالكلب؛ لأنه يقزح ببوله، فيريد به حاقّ خيشومه. وبول التّيس من أخثر البول وأنتنه، وريح أبدان التّيوس إليها ينتهي المثل. ولو كان هذا العرض في الكبش لكان أعذر له؛ لأن الخموم واللخن، والعفن والنّتن، لو عرض لجلد ذي الصّوف المتراكم، الصّفيق الدقيق، والملتفّ المستكثف؛ لأن الرّيح لا تتخلّله، والنسيم لا يتخرّقه- لكان ذلك أشبه.

فقد علمنا الآن أن للتيس مع تخلخل شعره، وبروز جلده وجفوف عرقه، وتقطع بخار بدنه- فضلا ليس لشيء سواه. والكلب يوصف بالنّتن إذا بلّه المطر.

والحيّات توصف بالنّتن. ولعل ذلك أن يجده من وضع أنفه على جلودها.

وبول التّيس يخالط خيشومه. وليس لشيء من الحيوان ما يشبه هذا، إلا ما ذكرنا من الكلب، على أن صاحب الكلب قد أنكر هذا.

وجلود التّيوس، وجلود آباط الزّنج، منتنة العرق، وسائر ذلك سليم. والتيس إبط كله، ونتنه في الشتاء كنتنه في الصيف. وإنا لندخل السكّة وفي أقصاها تيّاس، فنجد نتنها من أدناها، حتى لا يكاد أحدنا يقطع تلك السكة إلا وهو مخمّر الأنف. إلا ما كان مما طبع الله ﷿ عليه البلويّ وعليّا الأسواري؛ فإن بعضهما صادق بعضا على استطابة ريح التيوس. وكان ربما جلسا على باب التّيّاس؛ ليستنشقا تلك الرائحة، فإذا مرّ بهما من يعرفهما وأنكر مكانهما، ادّعيا أنهما ينتظران بعض من يخرج إليهما من بعض تلك الدّور.

فأما المكي فإنه تعشّق جارية يقال لها سندرة، ثم تزوجها نهاريّة وقد

دعاني إلى منزلها غير مرّة، وخبّرني أنها كانت ذات صنان، وأنه كان معجبا بذلك منها، وأنها كانت تعالجه بالمرتك، وأنه نهاها مرارا حتى غضب عليها في ذلك.

قال: فلما عرفت شهوتي كانت إذا سألتني حاجة ولم أقضها قالت: والله لأتمرتكنّ، ثم والله لأتمرتكنّ، ثمّ والله لأتمرتكنّ! فلا أجد بدّا من أن أقضي حاجتها كائنا ما كان.

وحدّثني مويس بن عمران، وكان هو والكذب لا يأخذان في طريق، ولم يكن عليه في الصدق مؤونة، لإيثاره له حتى كان يستوي عنده ما يضرّ وما لا يضر- قال:

كان عندنا رجل يشتهي ريح الكرياس لا يشفيه دونه شيء، فكان قد أعدّ مجوبا أو سكة حديد في صورة المبرد، فيأتي الكراييس التي تكون في الأزقة القليلة المارة، فيخرق الكرياس ولا يبالي، أكان من خزف أو من خشب، ثم يضع منخريه عليه، حتى يقضي وطره.

قال: فلقي الناس من سيلان كراييسهم شرّا حتى عثروا عليه فما منعهم من حبسه إلا الرحمة له من تلك البليّة، مع الذي رأوا من حسن هيئته، فقال لهم: يا هؤلاء، لو مررتم بي إلى السلطان كان يبلغ من عقابي أكثر مما أبلغ من نفسي؟ قالوا:

لا والله! وتركوه.

قالوا: وهذا شأن التّيس، وهو أبو العنز. «ولا تلد الحيّة إلا حيّة»، ولا بد لذلك النّتن عن ميراث في ظاهر أو باطن. وأنشدوا لابن أحمر:

إني وجدت بني أعيا وجاملهمكالعنز تعطف روقيها فترتضع

وهذا عيب لا يكون في النّعاج.

والعنز هي التي ترتضع من خلفها وهي محفَّلة، حتى تأتي على أقصى لبنها، وهي التي تنزع الوتد وتقلب المعلف، وتنثر ما فيه.

وإذا ارتعت الضائنة والماعزة في قصيل، نبت ما تأكله الضائنة، ولا ينبت ما تأكله الماعزة، لأن الضائنة تقرض بأسنانها وتقطع، والماعزة تقبض عليه فتثيره وتجذبه، وهي في ذلك تأكله. ويضرب بها المثل بالموق في جلبها حتفها على نفسها. وقال الفرزدق:

فكانت كعنز السّوء قامت بظلفهاإلى مدية تحت التّراب تثيرها

وقال الشاعر:

لعمرك ما تدري فوارس منقرأفي الرأس أم في الإست تلقى الشّكائم
وألهى بني حمّان عسب عتودهمعن المجد حتى أحرزته الأكارم

وذلك أن بني حمّان تزعم أن تيسهم قرع شاة بعد أن ذبح وأنه ألقحها.

قالوا: في الضأن أعجوبة؛ وذلك أن النعجة ربما عظمت أليتها حتى تسقط على الأرض، ويمنعها ذلك من المشي، فعند الكبش رفق في السّفاد، وحذق لم يسمع بأعجب منه، وذلك أنه يدنو منها ويقف منها موقفا يعرفه، ثم يصكّ أحد جانبي الألية بصدره، بمقدار من الصكّ يعرفه، فيفرج عن حياها المقدار الذي لا يعرفه غيره، ثم يسفدها في أسرع من اللّمح.

وقالوا: والضأن أحمل للبرد والجمد وللرّيح والمطر.

قالوا: ومن مفاخر الضأن على المعز أن التمثيل الذي كان عند كسرى والتّخيير، إنما كان بين النعجة والنخلة، ولم يكن هناك للعنز ذكر وعلى ذلك الناس إلى اليوم.

والموت إلى المعزى أسرع، وأمراضها أكثر. وإنما معادن الغنم الكثير الذي عليه يعتمد الناس- الجبال، والمعز لا تعيش هناك. وأصواف الكباش أمنع للكباش من غلظ جلود المعز. ولولا أن أجواف الماعز أبرد وكذلك كلاها، لما احتشت من الشّحم كما تحتشي.

وذكورة كلّ جنس أتمّ حسنا من إناثها. وربما لم يكن للإناث شيء من الحسن، وتكون الذكورة في غاية الحسن؛ كالطواويس والتّدارج. وإناثها لا تدانيها في الحسن، ولها من الحسن مقدار، وربما كنّ دون الذّكورة، ولهنّ من الحسن مقدار، كإناث الدّراريج والقبج والدجاج والحمام، والوراشين، وأشباه ذلك.

وإذا قال الناس: تيّاس، عرف معناه واستقذرت صناعته. وإذا قالوا: كبّاش، فإنما يعنون بيع الكباش واتخاذها للنّطاح.

والتّيوس قبيحة جدّا. وزاد في قبحها حسن الصّفايا.

وإذا وصفوا أعذاق النخل العظام قالوا: كأنّها كباش.

وقال الشاعر:

كأنّ كباش السّاجسيّة علّقتدوين الخوافي أو غراير تاجر

وصوّر عبيد الله بن زياد، في زقاق قصره، أسدا، وكلبا، وكبشا فقرنه مع سبعين عظيمي الشأن: وحشيّ، وأهليّ؛ تفاؤلا به.

ومما ذمّوا فيه العنز دون النعجة قول أبي الأسود الدّؤلي:

ولست بمعراض إذا ما لقيتهيعبّس كالغضبان حين يقول
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «إذا كنت معتدا خليلا فلا يرق»
ولا بسبس كالعنز أطول رسلهاورئمانها يومان ثم يزول
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «إذا كنت معتدا خليلا فلا يرق»

وقال أبو الأسود أيضا:

ومن خير ما يتعاطى الرجالنصيحة ذي الرّأي للمجتبيها
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أبلغ حصينا إذا جئته»
فلا تك مثل التي استخرجتبأظلافها مدية أو بفيها
فقام إليها بها ذابحومن تدع يوما شعوب يجيها
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أبلغ حصينا إذا جئته»
فظلّت بأوصالها قدرهاتحشّ الوليدة أو تشتويها
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أبلغ حصينا إذا جئته»

وقال مسكين الدارميّ:

إذا صبّحتني من أناس ثعالبلترفع ما قالوا منحتهم حقرا
فكانوا كعنز السّوء تثغو لحينهاوتحفر بالأظلاف عن حتفها حفرا
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «إذا صحبتني من أناس ثعالب»

وقال الفرزدق:

وكان يجير الناس من سيف مالكفأصبح يبغي نفسه من يجيرها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وكان يجير الناس من سيف مالك»
وكان كعنز السّوء قامت بظلفهاإلى مدية تحت التراب تثيرها

وقال رمضان لأبي شعيب القلّال- وأبو الهذيل حاضر-: أيّ شيء تشتهي؟

وذلك نصف النهار، وفي يوم من صيف البصرة. قال أبو شعيب: أشتهي أن أجيء إلى باب صاحب سقط، وله على باب حانوته ألية معلقة، من تلك المبزَّرة المشرّجة، وقد اصفرّت، وودكها يقطر من حاقّ السّمن، فآخذ بحضنها ثم أفتح لها فمي، فلا أزال كدما كدما، ونهشا نهشا، وودكها يسيل على شدقي، حتى أبلغ عجب الذّنب ! قال أبو الهذيل: ويلك قتلتني قتلتني!! يعني من الشهوة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.