تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب في الضفادع

وأنا ذاكر من شأن الضفدع من القول ما يحضر مثلي. وهو قليل في جنب ما عند علمائنا. والذي عند علمائنا لا يحسّ في جنب ما عند غيرهم من العلماء.

والذي عند العلماء قليل في جنب ما عند الأنبياء، والذي عند الأنبياء قليل في جنب ما عند الله ﵎.

من ذلك الضّفدع، لا يصيح ولا يمكنه الصياح حتى يدخل حنكه الأسفل

في الماء. فإذا صار في فمه بعض الماء صاح. ولذلك لا تسمع للضفادع نقيقا إذا كنّ خارجات من الماء.

والضفادع من الحيوان الذي يعيش في الماء، ويبيض في الشطّ، مثل الرّق والسّلحفاة، وأشباه ذلك.

والضفادع تنقّ، فإذا أبصرت النار أمسكت.

والضفادع من الحيوان الذي يخلق في أرحام الحيوان، وفي أرحام الأرضين، إذا ألقحتها المياه، لأن اليخّ يخراسان يكبس في الآزاج، ويحال بينه وبين الرّيح والهواء والشمس، بأحكم ما يقدرون عليه وأوثقه. ومتى انخرق في تلك الخزانة خرق في مقدار منخر الثور حتى تدخله الريح، استحال ذلك اليخّ كله ضفادع.

ولم نعرف حقّ هذا وصدقه من طريق حديث الرجل والرجلين، بل نجد الخبر عنه كالإطباق، وكالخبر المستفيض الذي لا معارض له.

وفيها أعجوبة أخرى: وذلك أنا نجد، من كبارها وصغارها، الذي لا يحصى في غبّ المطر، إذا كان المطر ديمة، ثم نجدها في المواضع التي ليس بقربها بحر ولا نهر، ولا حوض، ولا غدير، ولا واد، ولا بير. ونجدها في الصّحاصح الأماليس، وفوق ظهور مساجد الجماعة. حتى زعم كثير من المتكلفين، ومن أهل الخسارة وممن لا يحتفل بسوء الحال عند العلماء، ولا يكترث للشكّ- أنها كانت في السحاب.

ولذلك طمع بعض الكذّابين ممن نكره اسمه، فذكر أن أهل أيذج مطروا مرة أكبر شبابيط في الأرض، وأسمنها وأعذبها وأعظمها، وأنهم اشتووا، وملّحوا، وقرّسوا، وتزوّد منه مسافرهم. وإنما تلك الضفادع شيء يخلق في تلك الحال بمزاوجة الزمان، وتلك المطرة، وتلك الأرض، وذلك الهواء.

والضفادع من الخلق الذي لا عظام له.

ويزعم أصحاب الغرائب أن العلاجيم منها الذكورة السود.

ويقال: «أرسح من ضفدع».

وتزعم الأعراب أن الضفدع كان ذا ذنب، وأن الضّبّ سلبه إياه وذلك في خرافة من خرافات الأعراب. ويقول آخرون: إن الضفدع إذا كان صغيرا كان ذا ذنب، فإذا خرجت له يدان أو رجلان سقط.

وتقول العرب: «لا يكون ذلك حتى يجمع بين الأروى والنعام» و «حتى يجمع بين الماء والنار»، و «حتى يشيب الغراب»، و «حتى يبيضَّ القار»، و «حتى تقع السماء على الأرض».

ومن حديث الأمثال: «حتى يجيء نشيط من مرو». وهو لأهل البصرة.

و «حتى يجيء مصقلة من طبرستان»، وهو لأهل الكوفة.

وقال الله ﷿: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ

وتقول العرب: «لا يكون ذلك حتى يجمع بين الضب والنون»، و: «حتى يجمع بين الضفدع والضّبّ!». وقال الكميت:

يؤلّف بين ضفدعة وضبّويعجب أن نبرّ بني أبينا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «يؤلف بين ضفدعة وضب»

وقال في النون والضبّ:

ولو أنهم جاؤوا بشيء مقاربلشيء وبالشكل الموافق للشّكل
ولكنهم جاؤوا بحيتان لجّةقوامس، والمكنيّ فينا أبا الحسل

وهو من الخلق الذي لا يصاب له عظم. والضفدع أجحظ الخلق عينا.

والأسد تنتابها في الشرائع، وفي مناقع المياه، والآجام والغياض، فتأكلها أكلا شديدا.

وهي من الخلق المائيّ الذي يصبر عن الماء أياما صالحة. والضفادع تعظم ولا تسمن، كالدّرّاج والأرنب، فإنّ سمنهما أن يحتملا اللحم.

وفي سواحل فارس ناس يأكلونها.

ولا أدري ما هيّج مسيلمة على ذكرها، ولم ساء رأيه فيها، حيث جعل بزعمه فيما نزل عليه من قرآنه: يا ضفدع كم تنقّين! نصفك في الماء ونصفك في الطين! لا الماء تكدّرين، ولا الشارب تمنعين.

والضفادع من الخلق الذي يعيش مع السمك في الماء. وليس كل شيء يعيش في الماء فهو سمك. وقد قال الصّلتان العبديّ، في القضاء الذي قضى بين جرير والفرزدق. والفصل الذي بينهما:

فإن يك بحر الحنظليَّين زاخرافما تستوي حيتانه والضفادع

والحيات تأني مناقع الماء، تطلب الضفادع. والفأر تكون بقرب المياه كثيرة، فلذلك تأتي الحيات تلك المواضع. ولأن صيدها من أسهل الصيد عليها، وهي تعرف صيدها. ألا تراها تحيد عن ابن عرس، وإن رأت جرذا أكبر منه لم تنهنهه دون أن تبتلعه؟! وترى الورل فتفرّ منه. وترى الوحرة فتشدّ عليها، وترى القنفذ- وإن صغر- فلا تجترئ أن تمرّ به خاطفة، وترى الوبرة، وهي مثل ذلك القنفذ مرتين فتأكلها.

ولطلبها الضفادع بالليل في الشرائع يقول الأخطل:

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبتفدلّ عليها صوتها حيّة البحر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»

وقد سرق معناه بعض الشّعراء، فقال- وهو يذكر الضفدع، وأنه لا ينقّ حتى يدخل حنكه الماء:

يدخل في الأشداق ماء ينصفهكيما ينقّ والنّقيق يتلفه

وقال زهير:

وقابل يتغنَّى كلما قدرتعلى العراقي يداه قائما دفقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»
يحيل في جدول تحبو ضفادعهحبو الجواري ترى في مائه نطقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»
يخرجن من شربات ماؤها طحلعلى الجذوع يخفن الغمّ والغرقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

وقال أوس بن حجر:

فباكرن جونا للعلاجيم فوقهمجالس غرقى لا يحلا ناهله
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «صحا قلبه وأقصر اليوم باطله»

جون قال: يريد غديرا كثير الماء. قال: وإذا كثر الماء وكثر عمقه اسودّ في العين. والعلاجيم: الضفادع السود؛ وجعلها غرقى، يقول: هي فيما شاءت من الماء، كقولك: فلان في خير غامر من قبل فلان. وجعل لها مجالس حول الماء وفوقه، لأن هذه الأجناس- التي تعيش مع السمك في الماء وليست بسمك- أكثر حالاتهن إذ لم تكن سمكا خالصا أن تظهر على شطوط المياه، وفي المواضع التي تبيض فيها من الدّغل. وذلك كالسّرطان والسّلحفاة، والرّق، والضفدع، وكلب الماء، وأشباه ذلك.

ويقال: نقّ الضفدع ينقّ نقيقا، وأنقض ينقض إنقاضا.

وقال رؤبة:

إذا دنا منهن إنقاض النّققفي الماء والساحل خضخاض البثق
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

وقد زعم ناس أن أبا الأخزر الحمّاني حيث قال:

تسمّع القنقن صوت القنقن

إنما أراد الضفدع. قالوا: وكذلك الطّرماح حيث يقول:

يخافتن بعض المضغ من خشية الرّدىوينصتن للصوت انتصات القناقن
للشاعر الطرماح، من قصيدة «أساءك تقويض الخليط المباين»

قالوا: لأن الضفدع جيّد السمع إذا ترك النقيق وكان خارجا من الماء. وهو في ذلك الوقت أحذر من الغراب والعصفور والعقعق، وأسمع من فرس، وأسمع من قراد، وأسمع من عقاب. وبكل هذا جاء الشعر.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.