من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
جملة القول في نصيب الضباب من الأعاجيب والغرائب
أوّل ذلك طول الذّماء، وهو بقيّة النّفس وشدّة انعقاد الحياة والرّوح بعد الذبح وهشم الرّأس، والطّعن الجائف النافذ، حتّى يكون في ذلك أعجب من الخنزير، ومن الكلب، ومن الخنفساء، وهذه الأشياء التي قد تفرّدت بطول الذّماء.
ثمّ شارك الضّبّ الوزغة والحيّة، فإن الحية تقطع من ثلث جسمها، فتعيش إن سلمت من الذّرّ. فجمع الضّبّ الخصلتين جميعا. إلا ما رأيت في دخّال الأذن من هذه الخصلة الواحدة، فإنّي كنت أقطعه بنصفين، فيمضي أحد نصفيه يمنة والآخر يسرة. إلا أنّي لا أعرف مقدار بقائهما بعد أن فاتا بصري.
ومن أعاجيبه طول العمر. وذلك مشهور في الأشعار والأخبار، ومضروب به المثل. فشارك الحيّات في هذه الفضيلة، وشارك الأفعى الرّمليّة والصّخرية في أنّها لا تموت حتف أنفها، وليس إلا أن تقتل أو تصطاد، فتبقى في جون الحوّائين، تذيلها الأيدي، وتكره على الطّعم في غير أرضها وهوائها، حتى تموت، أو تحتملها السّيول في الشّتاء وزمان الزّمهرير، فما أسرع موتها حينئذ، لأنّها صردة. وتقول العرب: «أصرد من حيّة»؛ كما تقول: «أعرى من حية». وقال القشيريّ: «والله لهي أصرد من عنز جرباء».
وحتوفها التي تسرع إليها ثلاثة أشياء:
أحدها مرور أقاطيع الإبل والشّاء، وهي منبسطة على وجه الأرض، إما للتشرّق نهارا في أوائل البرد، وإما للتبرّد ليلا في ليالي الصّيف، وإمّا لخروجها في طلب الطّعم.
والخصلة الثانية ما يسلّط عليها من القنافذ والأوعال والورل، فإنها تطالبها مطالبة شديدة، وتقوى عليها قوّة ظاهرة، والخنازير تأكلها وقد ذكرنا ذلك في باب القول في الحيّات.
والخصلة الثالثة: تكسّب الحوّائين بصيدها. وهي تموت عندهم سريعا.
والضّبّ يشاركها في طول العمر، ثمّ الاكتفاء بالنسيم والتّعيش ببرد الهواء.
وذلك عند الهرم وفناء الرّطوبات، ونقص الحرارات. وهذه كلها عجب.
ثم اتخاذه الجحر في الصّلابة، وفي بعض الارتفاع. خوفا من الانهدام، ومسيل المياه. ثم لا يكون ذلك إلا عند علم يرجع إليه إن هو أضلّ جحره. ولو رأى بالقرب ترابا متراكبا بقدر تلك المرداة والصّخرة، لم يحفل بذلك. فهذا كله كيس وحزم.
وقال الشّاعر:
سقى الله أرضا يعلم الضب أنّهاعذيّة بطن القاع طيّبة البقل
يرود بها بيتا على رأس كديةوكل امرئ في حرفة العيش ذو عقل
وقال البطين:
وكلّ شيء مصيب في تعيّشهالضبّ كالنّون، والإنسان كالسّبع
ومن أعاجيبه أنّ له أيرين، وللضبة حرين. وهذا شيء لا يعرف إلّا لهما.
فهذا قول الأعراب.
وأمّا قول كثير من العلماء، ومن نقّب في البلاد، وقرأ الكتب، فإنّهم يزعمون أنّ للسّقنقور أيرين، وهو الذي يتداوى به العاجز عن النكاح، ليورثه ذلك القوة.
قالوا: وإن للحرذون أيضا أيرين، وإنّهم عاينوا ذلك معاينة. وآخر من زعم لي ذلك موسى بن إبراهيم.
والحرذون دويبة تشبه الحرباء، تكون بناحية مصر وما والاها، وهي دويّبة مليحة موشّاة بألوان ونقط.
وقال جالينوس: الضبّ الذي له لسانان يصلح لحمه لكذا وكذا. فهذه أيضا أعجوبة أخرى في الضبّ: أن يكون بعضه ذا لسانين وذا أيرين.
ومن أعاجيب الضّبّة أنّها تأكل أولادها. وتجاوز في ذلك خلق الهرّة، حتّى قالت الأعراب: «أعقّ من ضبّ».
وزعمت العرب أنّه يعدّ العقرب في جحره، فإذا سمع صوت الحرش استثفرها، فألصقها بأصل عجب الذّنب من تحت، وضمّ عليها، فإذا أدخل الحارش يده ليقبض على أصل ذنبه لسعته العقرب.
وقال علماؤهم: بل يهيّئ العقارب في جحره، لتلسع المحترش إذا أدخل يده.
وقال أبو المنجد بن رويشد: رأيت الضب أخور دابّة في الأرض على الحر، تراه أبدا في شهر ناجر بباب جحره، متدخّلا يخاف أن يقبض قابض بذنبه، فربّما أتاه الجاهل ليستخرجه، وقد أتى بعقرب فوضعها تحت ذنبه بينه وبين الأرض، يحبسها بعجب الذنب، فإذا قبض الجاهل على أصل ذنبه لسعته، فشغل بنفسه.
فأما ذو المعرفة فإنّ معه عويدا يحرّكه هناك، فإذا زالت العقرب قبض عليه.
وقال أبو الوجيه: كذب والله من زعم أنّ الضّبّة تستثفر عقربا، ولكنّ العقارب مسالمة للضّباب، لأنها لا تعرض لبيضها وفراخها. والضبّ يأكل الجراد ولا يأكل العقارب. وأنشد قول التميميّ الذي كان ينزل به الأزديّ: إنّه ليس إلى الطعام يقصد، وليس به إلا أنه قد صار به إلفا وأنيسا، فقال:
أتأنس بي ونجرك غير نجريكما بين العقارب والضّباب
وأنشد:
تجمّعن عند الضّبّ حتى كأنهعلى كلّ حال أسود الجلد خنفس
لأن العقارب تألف الخنافس. وأنشدوا للحكم بن عمرو البهراني:
والوزغ الرّقط على ذلّهاتطاعم الحيّات في الجحر
والخنفس الأسود من نجرهمودّة العقرب في السّرّ
لأنك لا تراهما أبدا إلّا ظاهرتين، يطّاعمان أو يتسايران، ومتى رأيت مكنة أو اطّلعت على جحر فرأيت إحداهما رأيت الأخرى.
قال: ومما يؤكّد القول الأوّل قوله:
ومستثفر دون السّويّة عقربالقد جئت بجريّا من الدّهر أعوجا
يقول: حين لم ترض من الدّهاء والنكر إلّا بما تخالف عنده النّاس وتجوزهم.
وأنشدني ابن داحة لحذيفة بن دأب عمّ عيسى بن يزيد، الذي يقال له ابن
دأب في حديث طويل من أحاديث العشّاق:
لئن خدعت حبّى بسبّ مزعفرفقد يخدع الضّبّ المخادع بالتّمر
لأن الضب شديد العجب بالتّمر، فضرب الضب مثلا في الخبث والخديعة.
والذي يدلّ على أن الضب والعقرب يعجبان بالتّمر عجبا شديدا، ما جاء من الأشعار في ذلك.
وأنشدني ابن الأعرابيّ، لابن دغماء العجلي:
سوى أنكم درّبتم فجريتمعلى دربة، والضّبّ يحبل بالتّمر
فجعل صيده بالتّمر كصيده بالحبالة. وأنشدني القشيريّ:
وما كنت ضبّا يخرج التّمر ضغنهولا أنا ممن يزدهيه وعيد
وقال بشر بن المعتمر، في قصيدته التي ذكر فيها آيات الله عز ذكره، في صنوف خلقه، مع ذكر الإباضيّة، والرافضة والحشوية والنابتة فقال فيها:
وهقلة ترتاع من ظلّهالها عرار ولها زمر
تلتهم المرو على شهوةوحبّ شيء عندها الجمر
وضبّة تأكل أولادهاوعترفان بطنه صفر
يؤثر بالطّعم، وتأذينهمنجّم ليس له فكر
وظبية تخضم في حنظلوعقرب يعجبها التمر
وقال أيضا بشر، في قصيدة له أخرى:
أما ترى الهقل وأمعاءهيجمع بين الصّخر والجمر
وفأرة البيش على بيشهاأحرص من ضبّ على تمر
وقال أبو دارة- وقد رأيته أنا، وكان صاحب قنص-:
وما التمر إلّا آفة وبليّةعلى جلّ هذا الخلق من ساكن البحر
وفي البرّ من ذئب وسمع وعقربوثرملة تسعى وخنفسة تسري
وقد قيل في الأمثال إن كنت واعياعذيرك، إنّ الضّبّ يحبل بالتمر
وسنفسّر معاني هذه الأبيات إذا كتبنا القصيدتين على وجوههما بما يشتملان عليه من ذكر الغرائب والحكم، والتّدبير والأعاجيب التي أودع الله تعالى أصناف هذا الخلق، ليعتبر معتبر، ويفكر مفكر، فيصير بذلك عاقلا عالما، وموحّدا مخلصا.
والدّليل على ما ذكرنا من تفسير قولهم: الضّبّ أطول شيء ذماء، قولهم:
«إنّه لأحيا من ضبّ»، لأنّ حارشه ربّما ذبحه فاستقصى فري الأوداج، ثم يدعه، فربما تحرك بعد ثلاثة أيام.
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
ذكر الورود بها وشاقى أمرهشؤما وأقبل حينه يتتبّع
فأبدّهنّ حتوفهنّ فهارببذمائه أو ساقط متجعجع
وكان النّاس يروون: «فهارب بدمائه» يريدون من الدم. وكانوا يكسرون الدال، حتى قال الأصمعيّ: «بذمائه» معجمة الذال مفتوحة وقال كثير:
ولقد شهدت الخيل يحمل شكّتيمتلمّظ خذم العنان بهيم
باقي الذماء إذا ملكت مناقلوإذا جمعت به أجشّ هزيم
والضّبّ إذا خدع في جحره وصف عند ذلك بالخبث والمكر، ولذلك قال الشاعر:
إنّا منينا بضبّ من بني جمحيرى الخيانة مثل الماء بالعسل
وأنشد أبو عصام:
إنّ لنا شيخين لا ينفعانناغنيّين لا يجدي علينا غناهما
كأنّهما ضبّان ضبّا مغارةكبيران غيداقان صفر كشاهما
فإن يحبلا لا يوجدا في حبالةوإن يرصدا يوما يخب راصداهما
ولذلك شبّهوا الحقد الكامن في القلب، الذي يسري ضرره، وتدبّ عقاربه بالضّبّ، فسمّوا ذلك الحقد ضبّا. قال معن بن أوس:
ألا من لمولى لا يزال كأنّهصفا فيه صدع لا يدانيه شاعب
تدبّ ضباب الغشّ تحت ضلوعهلأهل النّدى من قومه بالعقارب
وقال أبو دهبل الجمحيّ:
فاعلم بأنّي لمن عاديت مضطغنضبّا وإنّى عليك اليوم محسود
وأنشد ابن الأعرابيّ:
يا ربّ مولى حاسد مباغضعليّ ذي ضغن وضبّ فارض
له قروء كقروء الحائض
كأنّه ذهب إلى أنّ حقده يخبو تارة ثمّ يستعر، ثم يخبو ثم يستعر.
وقال ابن ميّادة، وضرب المثل بنفخ الضب وتوثّبه:
فإن لقيس من بغيض أقاصياإذا أسد كشّت لفخر ضبابها
وقال الآخر:
فلا يقطع الله اليمين التي كستحجاجي منيع بالقنا من دم سجلا
ولو ضبّ أعلى ذي دميث حبلتماإذا ظلّ يمطو من حبالكم حبلا
والضب يوصف بشدّة الكبر، ولا سيّما إذا أخصب وأمن وصار، كما قال عبدة بن الطّبيب، فإنّه ضرب الضبّ مثلا حيث يقول ليحيى بن هزّال:
لأعرفنّك يوم الورد ذا لغطضخم الجزارة بالسّلمين وكّار
تكفي الوليدة والرّعيان مؤتزرافاحلب فإنّك حلّاب وصرّار
ما كنت أول ضب صاب تلعتهغيث فأمرع واسترخت به الدار
وقال ابن ميّادة:
ترى الضّبّ أن لم يرهب الضّبّ غيرهيكشّ له مستكبرا ويطاوله
وقال دعلج عبد المنجاب:
إذا كان بيت الضب وسط مضبّةتطاول للشخص الذي هو حابله
المضبّة: مكان ذو ضباب كثيرة، ولا تكثر إلّا وبقربها حيّة أو ورل، أو ظربان، ولا يكون ذلك إلّا في موضع بعيد من النّاس، فإذا أمن وخلا له جوّه، وأخصب، نفخ وكشّ نحو كل شيء يريده.
ومما يوصف بالكبر الثّور في حال تشرّقه، وفي حال مشيته الخيلاء في الرّياض،
عند غبّ ديمة. ولذلك قال الكميت:
كشبوب ذي كبرياء من الوحدة لا يبتغي عليها ظهيرا
وهذا كثير، وسيقع في موضعه من القول في البقر.
وممّا يوصف بالكبر الجمل الفحل، إذا طافت به نوق الهجمة، ومرّ نحو ماء أو كلأ فتبعنه. وقال الرّاجز:
فإن تشرّدن حواليه وقفقالب حملاقيه في مثل الجرف
لو رضّ لحد عينه لما طرفكبرا وإعجابا وعزّا وترف
والنّاقة يشتدّ كبرها إذا لقحت، وتزمّ بأنفها وتنفرد عن صحاباتها، وأنشد الأصمعيّ:
وهو إذا أراد منها عرسادهماء مرباع اللّقاح جلسا
عاينها بعد السّنان أنساحتّى تلقّته مخاضا قعسا
حتّى احتشت في كلّ نفس نفساعلى الدّوام ضامزات خرسا
خوصا مسرّات لقاحا ملسا
وأمّا قول الشّمّاخ:
جماليّة لو يجعل السّيف غرضهاعلى حدّه لاستكبرت أن تضوّرا
فليس من الأوّل في شيء.
والمذكورون من النّاس بالكبر، ثمّ من قريش: بنو محزوم، وبنو أميّة. ومن العرب: بنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس خاصّة.
فأمّا الأكاسرة من الفرس فكانوا لا يعدّون النّاس إلّا عبيدا، وأنفسهم إلّا أربابا.
ولسنا نخبر إلا عن دهماء النّاس وجمهورهم كيف كانوا، من ملوك وسوقة.
والكبر في الأجناس الذّليلة من النّاس أرسخ وأعمّ. ولكنّ الذلة والقلّة مانعتان من ظهور كبرهم، فصار لا يعرف ذلك إلّا أهل المعرفة. كعبيدنا من السّند، وذمّتنا من اليهود.
والجملة أنّ كلّ من قدر من السّفلة والوضعاء والمحقرين أدنى قدرة، ظهر من كبره على من تحت قدرته، على مراتب القدرة، ما لا خفاء به. فإن كان ذمّيّا وحسن بما له في صدور النّاس، تزيّد في ذلك، واستظهرت طبيعته بما يظنّ أنّ فيه رقع ذلك الخرق، وحياص ذلك الفتق، وسد تلك الثّلمة. فتفقد ما أقول لك، فإنك ستجده فاشيا.
وعلى هذا الحساب من هذه الجهة، صار المملوك أسوأ ملكة من الحرّ.
وشيء قد قتلته علما، وهو أنّي لم أر ذا كبر قطّ على من دونه إلا وهو يذلّ لمن فوقه بمقدار ذلك ووزنه.
فأمّا بنو مخزوم. وبنو أميّة، وبنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس، فأبطرهم ما وجدوا لأنفسهم من الفضيلة. ولو كان في قوى عقولهم وديانتهم فضل على قوى دواعي الحميّة فيهم، لكانوا كبنى هاشم في تواضعهم، وفي إنصافهم لمن دونهم.
وقد قال في شبيه بهذا المعنى عبدة بن الطبيب، حيث يقول:
إن الذين ترونهم خلّانكميشفي صداع رؤوسهم أن تصرعوا
فضلت عداوتهم على أحلامهموأبت ضباب صدورهم لا تنزع
فأمّا ما ذكروا أنّ للضبّ أيرين، وللضّبّة حرين، فهذا من العجب العجيب.
ولم نجدهم يشكّون. وقد يختلفون ثمّ يرجعون إلى هذا العمود. وقال الفزاريّ:
جبى المال عمّال الخراج وجبوتيمحذّفة الأذناب صفر الشّواكل
رعين الدّبا والبقل حتى كأنّماكساهنّ سلطان ثياب المراجل
سبحل له نزكان كانا فضيلةعلى كلّ حاف في البلاد وناعل
ترى كلّ ذيّال إذا الشمس عارضتسما بين عرسيه سموّ المخايل
واسم أيره النّزك، معجمة الزّاي والنون من فوق بواحدة، وساكنة الزاي. فهذا قول الفزاريّ. وأنشد الكسائي:
تفرّقتم لا زلتم قرن واحدتفرّق أير الضّبّ والأصل واحد
فهذا يؤكد ما رواه أبو خالد النميري، عن أبي حيّة النّميري. قال أبو خالد:
سئل أبو حيّة عن ذلك، فزعم أنّ أير الضبّ كلسان الحيّة: الأصل واحد، والفرع اثنان.
وبعض أهل التّفسير يزعم أنّ الله ﷿ عاقب الحيّة- حين أدخلت إبليس في جوفها حتّى كلّم آدم على لسانها- بعشر خصال، منها شقّ اللسان.
قالوا: فلذلك ترى الحيّة أبدا إذا ضربت لتقتل كيف تخرج لسانها، تلويه كما يصنع المسترحم من النّاس بإصبعه إذا ترحّم أو دعا، لتري الظالم عقوبة الله تعالى لها.
قال أبو خالد: قال أبو حيّة: الأصل واحد، والفرع اثنان، وللأنثى مدخلان.
وأنشد لحبّى المدنيّة:
وددت بأنّه ضبّ وأنيكضبّة كدية وجدت خلاء
قال: قالت هذا البيت لابنها، حين عذلها، لأنّها تزوّجت ابن أمّ كلاب، وهو فتى حدث، وكانت هي قد زادت على النّصف، فتمنّت أن يكون لها حران ولزوجها أيران.
وقال ابن الأعرابيّ: للأنثى سبيلان، ولرحمها قرنتان، وهما زاويتا الرّحم. فإذا امتلأت الزّاويتان أتأمت، وإذا لم تمتلئ أفردت.
وقال غيره من العلماء: هذا لا يكون لذوات البيض والفراخ، وإنما هذا من صفة أرحام اللواتي يحبلن بالأولاد، ويضعن خلقا كخلقهنّ ويرضعن. وكيف تفرد الضبّة وهي لم تتئم قط. وهي تبيض سبعين بيضة في كلّ بيضة حسل.
قال: ولهذه الحشرات أيور معروفة، إلّا أنّ بعضها أحقر من بعض. فأما الخصى فشيء ظاهر لمن شقّ عنها.
وجسر أبو خالد، فزعم أنه قد أبصر أير ذباب وهو يكوم ذبابة وزعم أن اسم أيره المتك. وأنشد لعبد الله بن همام السّلوليّ:
لما رأيت القصر غلّق بابهوتعلّقت همدان بالأسباب
أيقنت أنّ إمارة ابن مضاربلم يبق منها قيس أير ذباب
وهذا شعر لا يدلّ على ما قال.
وقال أصحابنا: إنّما المتك البظر. ولذلك يقال للعلج: يابن المتكاء كما يقال له: يابن البظراء.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع