من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
القول فيمن استطاب لحم الضب ومن عافه
روى أنّه أتي به على خوان النبي ﷺ فلم يأكله، وقال: «ليس من طعام قومي».
وأكله خالد بن الوليد فلم ينكر عليه.
ورووا أن النبي ﷺ قال: «لا أحلّه ولا أحرّمه». وأنكر ذلك ابن عباس وقال:
ما بعثه الله تعالى إلّا ليحلّ ويحرّم.
وحرّمه قوم، ورووا أنّ أمّتين مسختا، أخذت إحداهما في البر، فهي الضّباب، وأخذت الأخرى في طريق البحر، فهي الجرّيّ.
ورووا عن بعض الفقهاء أنه رأى رجلا أكل لحم ضبّ، فقال: اعلم أنّك قد أكلت شيخا من مشيخة بني إسرائيل.
وقال بعض من يعافه: الذي يدلّ على أنّه مسخ شبه كفّه بكفّ الإنسان.
وقال العدار الأبرص، نديم أيّوب بن جعفر، وكان أيوب لا يغبّ أكل الضباب، في زمانها. ولها في المربد سوق تقوم في ظلّ دار جعفر. ولذلك قال أبو فرعون، في كلمة له طويلة:
سوق الضباب خير سوق في العرب
وكان أبو إسحاق إبراهيم النظام والعدار، إذا كان عند أيوب قاما عن خوانه، إذا وضع له عليه ضبّ. ومما قال فيه العدار قوله:
له كفّ إنسان وخلق عظايةوكالقرد والخنزير في المسخ والغضب
والعوامّ تقول ذلك. وناس يزعمون أن الحيّة مسخ، والضبّ مسخ، والكلب مسخ، والإربيان، مسخ، والفأر مسخ.
ولم أر أهل الكتاب يقرّون بأنّ الله تعالى مسخ إنسانا قط خنزيرا ولا قردا. إلّا أنهم قد أجمعوا أنّ الله ﵎ قد مسخ امرأة لوط حجرا، حين التفتت.
وتزعم الأعراب: أنّ الله عزّ ذكره قد مسخ كلّ صاحب مكس وجابي خراج وإتاوة، إذا كان ظالما. وأنه مسخ ماكسين، أحدهما ذئبا والآخر ضبعا.
وأنشد محمّد بن السّكن المعلّم النحويّ، للحكم بن عمرو البهراني، في ذلك وفي غيره شعرا عجيبا، وقد ذكر فيه ضروبا كلّها طريف غريب، وكلها باطل، والأعراب تؤمن بها أجمع.
وكان الحكم هذا أتى بني العنبر بالبادية، على أنّ العنبر من بهراء، فنفوه من البادية إلى الحاضرة، وكان يتفقّه ويفتي فتيا الأعراب، وكان مكفوفا ودهريّا
عد مليّا، وهو الذي يقول:
إنّ ربّي لما يشاء قديرما لشيء أراده من مفرّ
مسخ الماكسين ضبعا وذئبافلهذا تناجلا أمّ عمرو
بعث النّمل والجراد وقفّىبنجيع الرّعاف في حيّ بكر
خرقت فارة بأنف ضئيلعرما محكم الأساس بصخر
فجّرته وكان جيلان عنهعاجزا لو يرومه بعد دهر
مسخ الضّبّ في الجدالة قدماوسهيل السّماء عمدا بصغر
والذي كان يكتني برغالجعل الله قبره شرّ قبر
وكذا كلّ ذي سفين وخرجومكوس وكلّ صاحب عشر
منكب كافر وأشراط سوءوعريف جزاؤه حرّ جمر
وتزوّجت في الشّبيبة غولابغزال وصدقتي زقّ خمر
ثيّب إن هويت ذلك منهاومتى شئت لم أجد غير بكر
بنت عمرو وخالها مسحل الخىر وخالي هميم صاحب عمرو
ولها خطّة بأرض وبارمسحوها فكان لي نصف شطر
أرض حوش وجامل عكنانوعروج من المؤبّل دثر
سادة الجنّ ليس فيها من الجنّ سوى تاجر وآخر مكر
ونفوا عن حريمها كلّ عفريسرق السّمع كل ليلة بدر
في فتوّ من الشّنقناق غرّونساء من الزوابع زهر
تأكل الفول ذا البساطة مسيابعد روث الحمار في كلّ فجر
جعل الله ذلك الرّوث بيضامن أنوق ومن طروقة نسر
ضربت فردة فصارت هباءفي محاق القمير آخر شهر
تركت عبدلا ثمال اليتامىوأخوه مزاحم كان بكري
وضعت تسعة وكانت نزورامن نساء في أهلها غير نزر
غلبتني على النّجابة عرسيبعد ما طار في النّجابة ذكري
وأرى فيهم شمائل إنسغير أنّ النّجار صورة عفر
وبها كنت راكبا حشراتملجما قنفذا ومسرج وبر
كنت لا أركب الأرانب للحيض ولا الضّبع أنّها ذات نكر
تركب المقعص المجيّف ذا النّعظ وتدعو الضّباع من كلّ جحر
جائبا للبحار أهدي لعرسيفلفلا مجتنى وهضمة عطر
وأحلّي هرير من صدف البحر وأسقي العيال من نيل مصر
ويسنّي المعقود نفثي وحلّيثمّ يخفى على السّواحر سحري
وأجوب البلاد تحتي ظبيضاحك سنّه كثير التّمرّي
مولج دبره خواية مكووهو باللّيل في العفاريت يسري
يحسب النّاظرون أنّي ابن ماءذاكر عشّه بضفّة نهر
ربّ يوم أكلت من كبد اللّيث وأعقبت بين ذئب ونمر
ليس ذاكم كمن يبيت بطينامن شواء ومن قليّة جزر
ثم لاحظت خلتي في غدوّبين عيني وعينها السّمّ يجري
ثم أصبحت بعد خفض ولهومدنفا مفردا محالف عسر
أتراني مقتّ من ذبح الدّىك وعاديت من أهاب بصقر
وسمعت النقيق في ظلم اللّيل فجاوبته بسرّ وجهر
ثمّ يرمى بي الجحيم جهارافي خمير وفي دراهم قمر
فلعل الإله يرحم ضعفيويرى كبرتي ويقبل عذري
وسنقول في الذين استحلوه واستطابوه وقدّموه.
قالوا: الشيء لا يحرم إلّا من جهة كتاب، أو إجماع، أو حجة عقل، أو من جهة القياس على أصل في كتاب الله ﷿، أو إجماع. ولم نجد في تحريمه شيئا من هذه الخصال، وإن كان إنّما يترك من قبل التقزز؛ فقد أكل الناس الدّجاج، والشبابيط؛ ولحوم الجلّالة، وأكلوا السراطين، والعقصير، وفراخ الزّنابير، والصحناء والرّبيثا فكان التقزّز مما يغتذي العذرة رطبة ويابسة، أولى وأحقّ من كلّ شيء يأكل الضروب التي قد ذكرناها وذكرها الرّاجز حيث يقول:
يا ربّ ضبّ بين أكناف اللّوىرعى المرار والكباث والدّبا
حتّى إذا ما ناصل البهمى ارتمىوأجفئت في الأرض أعراف السّفا
ظلّ يباري هبّصا وسط الملاوهو بعيني قانص بالمرتبا
كان إذا أخفق من غير الرعارازم بالأكباد منها والكشى
فإن عفتموه لأكل الدّبا فلا تأكلوا الجراد، ولا تستطيبوا بيضه.
وقد قال أبو حجين المنقريّ:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةبأسفل واد ليس فيه أذان
وهل آكلن ضبّا بأسفل تلعةوعرفج أكماع المديد خواني
أقوم إلى وقت الصّلاة وريحهبكفّيّ لم أغسلهما بشنان
وهل أشربن من ماء لينة شربةعلى عطش من سور أمّ أبان
وقال آخر:
لعمري لضبّ بالعنيزة صائفتضحّى عرادا فهو ينفخ كالقرم
أحبّ إلينا أن يجاور أرضنامن السّمك البنّيّ والسّلجم الوخم
وقال آخر في تفضيل أكل الضّبّ:
أقول له يوما وقد راح صحبتيوبالله أبغي صيده وأخاتله
فلمّا التقت كفّي على فضل ذيلهوشالت شمالي زايل الضّبّ باطله
فأصبح محنوذا نضيجا وأصبحتتمشّى على القيزان حولا حلائله
شديد اصفرار الكشيتين كأنّماتطلّى بورس بطنه وشواكله
فذلك أشهى عندنا من بياحكملحى الله شاريه وقبّح آكله
وقال أبو الهنديّ، من ولد شبث بن ربعيّ:
أكلت الضّباب فما عفتهاوإنّي لأهوى قديد الغنم
وركّبت زبدا على تمرةفنعم الطّعام ونعم الأدم
وسمن السّلاء وكمء القصيصوزين السّديف كبود النّعم
ولحم الخروف حنيذا وقدأتيت به فائرا في الشّبم
فأمّا البهطّ وحيتانكمفما زلت منها كثير السّقم
وقد نلت ذاك كما نلتمفلم أر فيها كضبّ هرم
وما في البيوض كبيض الدّجاجوبيض الجراد شفاء القرم
ومكن الضّباب طعام العريبولا تشتهيه نفوس العجم
وإلى هذا المعنى ذهب جران العود، حين أطعم ضيفه ضبّا، فهجاه ابن عمّ له كان يغمز في نسبه، فلما قال في كلمة له:
وتطعم ضيفك الجوعان ضبّاوتأكل دونه تمرا بزبد
وقال في كلمة له أخرى:
وتطعم ضيفك الجوعان ضبّاكأنّ الضّبّ عندهم عريب
قال جران العود:
فلولا أنّ أصلك فارسيّلما عبت الضّباب ومن قراها
قريت الضيف من حبّي كشاهاوأيّ لويّة إلّا كشاها
واللّويّة: الطّعيّم الطّيب، واللّطف يرفع للشّيخ والصبي. وقد قال الأخطل:
ففلت لهم هاتوا لوية مالكوإن كان قد لاقى لبوسا ومطعما
وقال مويس بن عمران: كان بشر بن المعتمر خاصّا بالفضل بن يحيى، فقدم عليه رجل من مواليه، وهو أحد بني هلال بن عامر، فمضى به يوما إلى الفضل؛ ليكرمه بذلك، وحضرت المائدة، فذكروا الضب ومن يأكله، فأفرط الفضل في ذمّه، وتابعه القوم بذلك ونظر الهلاليّ فلم ير على المائدة عربيّا غيره، وغاظه كلامهم، فلم يلبث الفضل أن أتي بصحفة ملآنة من فراخ الزّنابير، ليتّخذ له منها بزماورد - والدّبر والنّحل عند العرب أجناس من الذّبان- فلم يشكّ الهلاليّ أنّ الذي رأى من ذبّان البيوت والحشوش. وكان الفضل حين ولي خراسان استظرف بها بزماورد الزّنابير، فلمّا قدم العراق كان يتشّهاها فتطلب له من كلّ مكان. فشمت الهلاليّ به وبأصحابه، وخرج وهو يقول:
وعلج يعاف الضّبّ لؤما وبطنةوبعض إدام العلج هام ذباب
ولو أن ملكا في الملا ناك أمّهلقالوا لقد أوتيت فصل خطاب
لما قال أبو الطروق الضبي:
يقولون أصدقها جرادا وضبّةفقد جردت بيتي وبيت عياليا
وأبقت ضبابا في الصّدور جواثمافيا لك من دعوى تصمّ المناديا
وعاديت أعمامي وهم شرّ جيرةيدبّون شطر اللّيل نحوي الأفاعيا
وقد كان في قعب وقوس وإن أشأمن الأقط ما بلّغن في المهر حاجيا
فقال أبوها:
فلو كان قعبا رضّ قعبك جندلولو كان قوسا كان للنّبل أذكرا
فقال عمّها: دعوني والعبد.
وأنشد للدّبيري:
أعامر عبد الله إنّي وجدتكمكعرفجة الضّبّ الذي يتذلّل
قال: هي ليّنة، وعودها ليّن، فهو يعلوها إذا حضروا بالقيظ. ويتشوّف عليها. ولست ترى الضّب إلا وهي سامية برأسها، تنظر وترقب. وأنشد:
بلاد يكون الخيم أطلال أهلهاإذا حضروا بالقيظ والضّبّ نونها
وقال عمرو بن خويلد:
ركاب حسيل أشهر الصّيف بدّنوناقة عمرو ما يحلّ لها رحل
إذا ما ابتنينا بيتنا لمعيشةيعود لما نبني فيهدمه حسل
ويزعم حسل أنّه فرع قومهوما أنت فرع يا حسيل ولا أصل
ولدت بحادي النّجم تسعى بسعيهكما ولدت بالنّحس ديّانها عكل
وهم يسمّون بحسل وحسيل: وضبّ وضبّة. فمنهم ضبّة بن أدّ، وضبة بن محض، وزيد بن ضبّ. ويقال: حفرة ضب. وفي قريش بنو حسل. ومن ذلك ضبّة الباب. ويسمّى حلب الناقة بخمس أصابع ضبّا، يقال ضبّها يضبّها ضبّا: إذا حلبها كذلك. وضبّ الجرح وبضّ: إذا سال دما، مثل ما تقول: جذب وجبذ. و: «إنّه لخبّ
ضبّ»، و: «إنّه لأخدع من ضبّ». والضبّ: الحقد إذا تمكّن وسرت عقاربه.
وأخفى مكانه. والضّبّ: ورم في خفّ البعير. وقال الرّاجز:
ليس بذي عرك ولا ذي ضبّ
ويقال ضبّ خدع، أي مراوغ. ولذلك سموا الخزانة المخدع. وقال راشد بن شهاب:
أرقت فلم تخدع بعينيّ نعسةوو الله ما دهري بعشق ولا سقم
وقال ذو الرّمّة:
مناسمها خثم صلاب كأنّهارؤوس الضّباب استخرجتها الظهائر
ويدلّ على كثرة تصريفهم لهذا الاسم ما أنشدناه أبو الرّدينيّ:
لا يعقر التقبيل إلا زبّيولا يداوي من صميم الحبّ
والضّبّ في صوّانه مجبّ
وأنشدنا أبو الرّدينيّ العكليّ، لطارق وكنيته أبو السّمّال:
يا أم سمّال ألمّا تدريأنّي على مياسري وعسري
يكفيك رفدي رجلا ذا وفرضخم المثاليث صغير الأير
إذا تغدّى قال تمري تمريكأنّه بين الذّرى والكسر
ضبّ تضحّى بمكان قفر
وقال أعرابيّ:
قد اصطدت يا يقظان ضبّا ولم يكنليصطاد ضبّ مثله بالحبائل
يظلّ رعاء الشّاء يرتمضونهحنيذا ويجنى بعضه للحلائل
عظيم الكشى مثل الصّبي إذا عدايفوت الضّباب حسله في السّحابل
وقال العماني:
إنّي لأرجو من عطايا ربّيومن وليّ العهد بعد الغبّ
روميّة أولج فيها ضبّيلها حر مستهدف كالقب
مستحصف نعم قراب الزّبّ
وقال الآخر:
إذا اصطلحوا على أمر تولّواوفي أجوافهم منه ضباب
وقال الزّبرقان بن بدر:
ومن الموالي ضبّ جندلةزمر المروءة ناقص الشّبر
فالأول جعل أيره ضبّا، والثاني جعل الحقد ضبّا.
وقال الخليل بن أحمد، في ظهر البصرة مما يلي قصر أنس:
زر وادي القصر نعم القصر والواديلا بدّ من زورة عن غير ميعاد
ترى به السّفن كالظّلمان واقفةوالضبّ والنّون والملاح والحادي
وقال في مثل ذلك ابن أبي عيينة:
يا جنّة فاتت الجنان فمايبلغها قيمة ولا ثمن
ألفتها فاتّخذتها وطناإنّ فؤادي لأهلها وطن
زوّج حيتانها الضّباب بهافهذه كنّة وذا ختن
فانظر وفكّر فيما تطيف بهإنّ الأريب المفكّر الفطن
من سفن كالنّعام مقبلةومن نعام كأنّها سفن
وقال عقبة بن مكدّم في صفة الفرس:
ولها منخر إذا رفعتهفي المجاراة مثل وجر الضّباب
وأنشد:
وأنت لو ذقت الكشى بالأكبادلما تركت الضّبّ يسعى بالواد
وقال أبو حيّة النّميري:
وقرّبوا كلّ قنعاس قراسيةأبدّ ليس به ضبّ ولا سرر
وقال كثير:
ومحترش ضبّ العداوة منهمبحلو الرّقى حرش الضّباب الخوادع
وقال كثيّر أيضا:
وما زالت رقاك تسلّ ضغنيوتخرج من مضائبها ضبابي
فأما الذين ذمّوا الضب وأكله، وضربوا المثل به وبأعضائه وأخلاقه وأعماله، فكما قال التميمي:
لكسرى كان أعقل من تميمليالي فرّ من أرض الضّباب
فأنزل أهله ببلاد ريفوأشجار وأنهار عذاب
وصار بنو بنيه بها ملوكاوصرنا نحن أمثال الكلاب
فلا رحم الإله صدى تميمفقد أزرى بنا في كلّ باب
وقال أبو نواس:
إذا ما تميميّ آتاك مفاخرافقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضّبّ
تفاخر أبناء الملوك سفاهةوبولك يجري فوق ساقك والكعب
وقال الآخر:
فحبّذا هم وروّى الله أرضهممن كلّ منهمر الأحشاء ذي برد
ولا سقى الله أياما غنيت بهاببطن فلج على الينسوع فالعقد
مواطن من تميم غير معجبةأهل الجفاء وعيش البؤس والصّرد
همّ الكرام كريم الأمر تفعلهوهمّ سعد بما تلقي إلى المعد
أصحاب ضبّ ويربوع وحنظلةوعيشة سكنوا منها على ضمد
إن يأكلوا الضّبّ باتوا مخصبين بهوزادها الجوع إن باتت ولم تصد
لو أنّ سعدا لها ريف لقد دفعتعنه كما دفعت عن صالح البلد
من ذا يقارع سعدا عن مفازتهاومن ينافسها في عيشها النّكد
وقال في مثل ذلك عمرو بن الأهتم:
وتركنا عميرهم رهن ضبعمسلحبّا ورهن طلس الذّئاب
نزلوا منزل الضّيافة منافقرى القوم غلمة الأعراب
ورددناهم إلى حرّتيهمحيث لا يأكلون غير الضّباب
وقالت المرّيّة:
جاؤوا بحارشة الضّباب كأنّماجاؤوا ببنت الحارث بن عباد
وقائله هذا الشعر امرأة من بني مرّة بن عباد.
وقال الحارث الكندي:
لعمرك ما إلى حسن أنخناولا جئنا حسينا يابن أنس
ولكنّ ضبّ جندلة أتينامضبّا في مضابئها يفسّي
فلمّا أن أتيناه وقلنابحاجتنا تلوّن لون ورس
وآض بكفّه يحتكّ ضرسايرينا أنّه وجع بضرس
فقلت لصاحبي أبه كزازوقلت أسرّه أتراه يمسي
وقمنا هاربين معا جميعانحاذر أن نزنّ بقتل نفس
وقالت عائشة ابنة عثمان، في أبان بن سعيد بن العاص، حين خطبها، وكان
نزل أيلة وترك المدينة:
نزلت ببيت الضّبّ لا أنت ضائرعدوّا ولا مستنفعا أنت نافع
وقال جرير:
وجدنا بيت ضبّة في تميمكبيت الضّبّ ليس له سواري
وقال آخر- وهذا الشعر يقع أيضا في الضّباع كما يقع في الضّباب-:
يا ضبع الأكهاف ذات الشّعبوالوثب للعنز وغير الوثب
عيثي ولا تخشين إلّا سبّيفلست بالطّبّ ولا ابن الطّبّ
إن لم أدع بيتك بيت الضّبّيضيق عند ذي القرد المكبّ
وقال الفرزدق:
لحى الله ماء حنبل خير أهلهقفا ضبّة عند الصّفاة مكون
فلو علم الحجّاج علمك لم تبعيمينك ماء مسلما بيمين
وأنشد:
زعمت بأنّ الضبّ أعمى ولم يفتبأعمى ولكن فات وهو بصير
بل الضبّ أعمى يوم يخنس باستهإليك بصحراء البياض غرير
وقالت امرأة في ولدها وتهجو أباه:
وهبته من ذي تفال خبّيقلب يمينا مثل عين الضّبّ
ليس بمعشوق ولا محبّ
وقال رجل من فزارة:
وجدناكم رأبا بين أمّ قرفةكأسنان حسل لا وفاء ولا غدر
وأنشد:
ثلاثون رأبا أو تزيد ثلاثةيقاتلنا بالقرن ألف مقنّع
والرأب: السواء، والمعنى الأول يشبه قوله:
سواس كأسنان الحمار فلا ترىلذي شيبة منهم على ناشئ فضلا
وأنشد ابن الأعرابي:
قبّحت من سالفة ومن صدغكأنّها كشية ضبّ في صقغ
أراد صقع بالعين فقلب. وقال الآخر:
أعقّ من ضبّ وأفسى من ظرب
وأنشد:
فجاءت تهاب الذّمّ ليست بضبّةولا سلفع يلقى مراسا زميلها
يقول: لا تخدع كما يخدع الضّبّ في جحره.
وأنشد ابن الأعرابي لحيّان بن عبيد الربعي جد أبي محضة:
يا سهل لو رأيته يوم الجفرإذ هو يسعى يستجير للسّور
يرمي عن الصّفو ويرضى بالكدرلازددت منه قذرا على قذر
يضحك عن ثغر ذميم المكتشرولثة كأنّها سير حور
وعارض كعارض الضّبّ الذكر
وأنشد السّدري:
هو القرنبى ومشي الضب تعرفهوخصيتا صرصراني من الإبل
والخال ذو قحم في الجري صادقةوعاتق يتعقّى مأبض الرجل
واعلم، حفظك الله تعالى، أنّه قد أكتفي بالشّاهد، وتبقى في الشعر فضلة، ممّا يصلح لمذاكرة، ولبعض ما بك إلى معرفته حاجة، فأصله به، ولا أقطعه عنه.
وأنشد لابن لجأ:
وغنوي يرتمي بأسهميلصق بالصّخر لصوق الأرقم
لو سئم الضبّ بها لم يسأم
وقال أعرابيّ من بني تميم:
تسخر منّي أن رأتني أحترشولو حرشت لكشفت عن حرش
يريد عن حرك.
قال: وقال أبو سعنة:
قلهزمان جعدة لحاهماعاداهما الله وقد عاداهما
ضبّا كدى قد غمّرت كشاهما
وأنشد الأصمعي:
إنّي وجدتك يا جرثوم من نفرجرثومة اللّؤم لا جرثومة الكرم
إنّا وجدنا بني جلان كلّهمكساعد الضّبّ لا طول ولا عظم
وقال ابن ميّادة:
فإنّ لقيس من بغيض لناصراإذا أسد كشّت لفخر ضبابها
وفي هذه القصيدة يقول:
ولو أنّ قيسا قيس عيلان أقسمتعلى الشّمس لم يطلع عليك حجابها
وهذا من شكل قول بشّار:
إذا ما غضبنا غضبة مضريّةهتكنا حجاب الشّمس أو مطرت دما
وأنشد لأبي الطّمحان:
مهلا نمير فإنّكم أمسيتممنّا بثغر ثنيّة لم تستر
سودا كأنّكم ذئاب خطيطةمطر البلاد وحرمها لم يمطر
يحبون بين أجا وبرقة عالجحبو الضّباب إلى أصول السّخبر
وتركتم قصب الشّريف طوامياتهوي ثنيّته كعين الأعور
وقال العثّ، واسمه زيد بن معروف، للضب غلام رتبيل بن غلاق: وقد رأيت من سمّى عنزا وثورا، وكلبا، ويربوعا، فلم نر منهم أحدا أشبه العنز ولا الثّور، ولا الكلب، ولا اليربوع. وأنت قد تقيّلت الضّبّ حتى لم تغادر منه شيئا. فاحتمل ذلك عنه، فلمّا قال:
من كان يدعى باسم لا يناسبهفأنت والاسم شنّ فوقه طبق
فقال ضبّ لعثّ:
إن كنت ضبّا فإنّ الضّبّ محتبلوالضبّ ذو ثمن في السّوق معلوم
وليس للعثّ حبّال يراوغهولست شيئا سوى قرض وتقليم
وما أكثر ما يجيء الأعرابي بقربة من ماء، حتى يفرغها في جحره، ليخرج فيصطاده. ولذلك قال الكميت في صفة المطر الشديد الذي يستخرج الضّباب من جحرتها، وإن كانت لا تتّخذها إلا في الارتفاع- فقال:
وعلته بتركها تحفش الأكم ويكفي المضبّب التفجير
والمضبّب هو الذي يصيد الضباب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع