تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

القول في سن الضب وعمره

أنشد الأصمعيّ وغيره:

تعلّقت واتّصلت بعكلخطبي وهزّت رأسها تستبلي
تسألني من السّنين كم ليفقلت لو عمّرت عمر الحسل
أو عمر نوح زمن الفطحلوالصّخر مبتلّ كطين الوحل

صرت رهين هرم أو قتل

وهذا الشّعر يدلّ على طول عمر الحسل؛ لأنه لم يكن ليقول:

أو عمر نوح زمن الفطحلوالصّخر مبتلّ كطين الوحل

إلّا وعمر الحسل عنده من أطول الأعمار.

وروى ابن الأعرابي عن بعض الأعراب أنّ سنّ الضبّ واحدة أبدا، وعلى حال أبدا. قال فكأنه قال: لا أفعله ما دام سنها كذلك، لا ينقص ولا يزيد.

وقال زيد بن كثوة: سنّ الحسل ثلاثة أعوام. وزعم أن قوله ثمّة: «لا أفعله سنّ الحسل» غلط. ولكن الضبّ طويل العمر إذا لم يعرض له أمر.

وسنّ الحسل مثل سنّ القلوص، ثلاث سنين، حتى يلقح؛ ولو كانت سنّ الحسل على حال واحدة أبدا لم تعرف الأعراب الفتيّ من المذكّي.

وقد يكون الضّبّ أعظم من الضّبّ وليس بأكبر منه سنّا.

قال: ولقد نظرت يوما إلى شيخ لنا يفرّ ضبّا جحلا سبحلا قد اصطاده.

فقلت له: لم تفعل ذلك؟ فقال: أرجو أن يكون هرما.

قال: وزعم عمرو بن مسافر أن الضّبّة تبيض ستّين بيضة، فإذا كان ذلك سدّت عليهن باب الجحر، ثم تدعهن أربعين يوما فيتفقّص البيض، ويظهر ما فيه، فتحفر عنهنّ عند ذلك، فإذا كشفت عنهن أحضرن وأحضرت في أثرهن تأكلهن، فيحفر المنفلت منها لنفسه جحرا ويرعى من البقل.

قال: وبيض الضبّ شبيه ببيض الحمام. قال: وفرخه حين يخرج يخرج كيّسا كاسيا، خبيثا، مطيقا للكسب، وكذلك ولد العقرب، وفراخ البطّ، وفراريج الدّجاج، وولد العناكب.

وقال زيد بن كثوة، مرّة بعد ذلك: إنّ الضب ينبت سنّه معه وتكبر مع كبر بدنه، فلا يزال أبدا كذلك إلى أن ينتهي بدنه منتهاه قال: فلا يدعى حسلا إلا ثلاث ليال فقط.

وهذا القول يخالف القول الأوّل. وأنشد:

مهرتها بعد المطال ضبّينمن الضباب سحبلين سبطين

نعم لعمر الله مهر العرسين

أنشدني ابن فضّال: «أمهرتها» وزعم أنّه كذلك سمعها من أعرابيّ وقد يمكن أن يكون الحسل لا يثني ولا يربع، فتكون أسنانه أبدا على أمر واحد، ويكون قول رؤبة بن العجّاج في طول عمره حقّا.

ويدلّ على أنّ أسنانه على ما ذكروا قول الفزاريّ:

وجدناكم رأبا بني أمّ قرفةكأسنان حسل لا وفاء ولا غدر

يقول: لا زيادة ولا نقصان.

وقال زيد بن كثوة المزني: قال العنبريّ، وهو أبو يحيى: مكثت في عنفوان شبيبتي، وريعان من ذلك، أريغ ضبّا، وكان ببعض بلادنا في وشاز من الأرض، وكان عظيما منها منكرا. ما رأيت مثله، فمكثت دهرا أريغه ما أقدر عليه. ثم إنّي هبطت إلى البصرة، فأقمت بها ثلاثين سنة، ثمّ إنّي والله كررت راجعا إلى بلادي، فمررت في طريقي بموضع الضّبّ، معتمدا لذلك، فقلت: والله لأعلمنّ اليوم علمه، وما دهري إلا أن أجعل من جلده عكّة؛ للّذي كان عليه من إفراط العظم، فوجّهت الرّواحل نحوه، فإذا أنا به والله محرنبئا على تلعة؛ فلمّا سمع حسّ الرّواحل، ورأى سوادا مقبلا نحوه، مرّ مسرعا نحو جحره، وفاتني والله الذي لا إله إلا هو.

وقال ابن الأعرابيّ: أخبرني ابن فارس بن ضبعان الكلبيّ، أنّ الضّبّة يكون بيضها في بطنها، وهو مكنها، ويكون بيضها متّسقا، فإذا أرادت أن تبيضه حفرت في الأرض أدحيّا مثل أدحيّ النعامة، ثم ترمي بمكنها في ذلك الأدحيّ ثمانين مكنة، وتدفنه بالتّراب، وتدعه أربعين يوما، ثم تجيء بعد الأربعين فتبحث عن مكنها، فإذا حسلة يتعادين منها، فتأكل ما قدرت عليه، ولو قدرت على جميعهن لأكلتهنّ. قال: ومكنها جلد ليّن، فإذا يبست فهي جلد. فإذا شويتها أو طبختها وجدت لها محّا كمحّ بيض الدّجاج.

قال: والضّبّة تقاتل الحيّة وتضربها بذنبها، وهو أخشن من السّفن وهو

سلاحها، وقد أعطيت فيه من القوّة مثل ما أعطيت العقاب في أصابعها، فربما قطعتها بضربة، أو قتلتها، أو قدّتها. وذلك إذا كان الضّبّ ذيّالا مذنّبا وإذا كان مرائسا قتلته الحية.

والتذنيب: أنّ الضبّ إذا أرادت الحيّة الدّخول عليه في جحره أخرج الضبّ ذنبه إلى فم جحره. ثم يضرب به كالمخراق يمينا وشمالا، فإذا أصاب الحية قطعها، والحية عند ذلك تهرب منه.

والمراءسة: أن يخرج الرّأس ويدع الذّنب ويكون غمرا فتعضّه الحيّة فتقتله.

قال: وتقول: أمكنت الضبّة والجرادة فهي تمكن إمكانا: إذا جمعت البيض في جوفها. واسم البيض المكن. والضّبة مكون، فإذا باضت الضبّة والجرادة قيل قد سرأت. والمكن والسّرء: البيض، كان في بطنها أو بعد أن تبيضه. وضبّة سروء.

وكذلك الجرادة تسرأ سرءا، حين تلقي بيضها. وهي حينئذ سلقة.

وتقول: رزّت الجرادة ذنبها في الأرض فهي ترزّ رزّا، وضربت بذنبها الأرض ضربا، وذلك إذا أرادت أن تلقي بيضها.

ويقولون: ذئب الخمر، وشيطان الحماطة، وأرنب الخلّة، وتيس الرّبل، وضبّ السّحا. والسّحا: بقلة تحسن حاله عنها.

ويقال: هو قنفذ برقة، إذا أراد أن يصفه بالخبث.

وما أكثر ما يذكرون الضّبّ إذا ذكروا الصيف مثل قول الشاعر:

سار أبو مسلم عنها بصرمتهوالضبّ في الجحر والعصفور مجتمع

وكما قال أبو زبيد:

أيّ ساع سعى ليقطع شربيحين لاحت للصّابح الجوزاء
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
واستكنّ العصفور كرها مع الضبّ وأوفى في عوده الحرباء

وأنشد الأصمعيّ:

تجاوزت والعصفور في الجحر لاجئمع الضّبّ والشّقذان تسمو صدورها

قال: والشّقذان: الحرابيّ. قوله: «تسمو»: أي ترتفع في رؤوس العيدان.

الواحد من الشّقذان، بكسر الشين وإسكان القاف. شقذ بتحريك القاف.

وتقول الأعراب: خاصم الضبّ الضفدع في الظّمأ أيّهما أصبر، وكان للضفدع ذنب، وكان الضبّ ممسوح الذنب، فلمّا غلبها الضبّ أخذ ذنبها فخرجا في الكلإ، فصبرت الضفدع يوما ويوما، فنادت: يا ضبّ، وردا وردا! فقال الضبّ:

أصبح قلبي صردالا يشتهي أن يردا
للشاعر الضب، اقرأ القصيدة
إلّا عرادا عرداوصلّيانا بردا

فلما كان في اليوم الثالث نادت: يا ضبّ، وردا وردا! قال: فلمّا لم يجبها بادرت إلى الماء، وأتبعها الضبّ، فأخذ ذنبها. فقال: في تصداق ذلك ابن هرمة:

ألم تأرق لضوء البرق في أسحم لمّاح
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ألم تأرق لضوء البرق»
كأعناق نساء الهند قد شيبت بأوضاح
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ألم تأرق لضوء البرق»
تؤام الودق كالزّاحف يزجى خلف أطلاح
كأنّ العازف الجنّيّ أو أصوات أنواح
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ألم تأرق لضوء البرق»
على أرجائها الغرّتهدّيها بمصباح
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ألم تأرق لضوء البرق»
فقال الضبّ للضفدع في بيداء قرواح
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ألم تأرق لضوء البرق»
تأمّل كيف تنجو اليوم من كرب وتطواح
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ألم تأرق لضوء البرق»
فإني سابح ناجوما أنت بسبّاح
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ألم تأرق لضوء البرق»
فلمّا دق أنف المزن أبدى خير إرواح
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ألم تأرق لضوء البرق»
وسحّ الماء من مستحلب بالماء سحّاح
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ألم تأرق لضوء البرق»
رأى الضبّ من الضفدع عوما غير منجاح
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ألم تأرق لضوء البرق»
وحطّ العصم يهويهاثجوج غير نشّاح
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ألم تأرق لضوء البرق»
ثقال المشي كالسّكران يمشي خلفه الصّاحي
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ألم تأرق لضوء البرق»

ثم قال في شأن الضفدع والضب، الكميت بن ثعلبة:

على أخذها يوم غبّ الورودوعند الحكومة أذنابها

وقال عبيد بن أيوب:

ظللت وناقتي نضوي فلاةكفرخ الضبّ لا يبغي ورودا
للشاعر عبيد بن أيوب العنبري، اقرأ القصيدة

وقال أبو زياد: قال الضبّ لصاحبه:

أهدموا بيتك لا أبا لكاوزعموا أنك لا أخا لكا
للشاعر الضب، اقرأ القصيدة

وأنا أمشي الحيكى حوالكا

وتقول العرب: «أروى من ضبّ»؛ لأن الضب عندهم لا يحتاج إلى شرب الماء، وإذا هرم اكتفى ببرد النّسيم، وعند ذلك تفنى رطوبته فلا يبقى فيه شيء من الدّم، ولا مما يشبه الدّم. وكذلك الحيّة. فإذا صارت كذلك لم تقتل بلعاب، ولا بمجاج، ولا بمخالطة ريق؛ وليس إلّا مخالطة عظم السّنّ لدماء الحيوان.

وأنشدوا:

لميمة من حنش أعمى أصمقد عاش حتّى هو لا يمشي بدم

فكلّما أقصد منه الجوع شم

وأما صاحب المنطق فإنه قال: باضطرار إنه لا يعيش حيوان إلّا وفيه دم أو شيء يشاكل الدم.

والضبّ تذلقه من جحره أمور، منها السّيل. وربّما صبّوا في جحره قربة من ماء فأذلقوه به. وأنشد أبو عبيدة:

يذلق الضبّ ويخفيه كمايذلق السّيل يرابيع النّفق

يخفيه مفتوحة الياء. وتذلقه وقع حوافر الخيل. ولذلك قال امرؤ القيس بن حجر:

خفاهنّ من أنفاقهنّ كأنّماخفاهنّ ودق من سحاب مركّب

تقول: خفيته أخفيه خفيا: إذا أظهرته. وأخفيته إخفاء: إذا سترته. وقال ابن أحمر:

فإن تدفنوا الدّاء لا نخفهوإن تبعثوا الحرب لا نقعد
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «تطاول ليلك بالأثمد»

ولا بدّ من أن يكون وقع الحوافر هدم عليها. أو يكون أفزعها فخرجت. وأهل الحجاز يسمّون النّبّاش المختفي؛ لأنّه يستخرج الكفن من القبر ويظهره.

وحكوا عن بعض الأعراب أنّه قال: «إنّ بني عامر قد جعلوني على حنديرة أعينها، تريد أن تختفي دمي» أي تظهره وتستخرجه. كأنّها إذا سفحته وأراقته فقد أظهرته.

وأنشد أبو عبيدة:

ديمة هطلاء فيها وطفطبق الأرض تحرّى وتدر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ديمة هطلاء فيها وطف»
تخرج الضبّ إذا ما أشجذتوتواريه إذا ما تعتكر
وترى الضّبّ ذفيفا ماهراثانيا برثنه ما ينعفر

وكان أبو عبيدة يقدّم هذه القصيدة في الغيث، على قصيدة عبيد بن الأبرص، أو أوس بن حجر، التي يقول فيها أحدهما:

دان مسفّ فويق الأرض هيدبهيكاد يدفعه من قام بالرّاح
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «ودع لميس وداع الصارم اللاحي»
فمن بنجوته كمن بعقوتهوالمستكنّ كمن يمشي بقرواح

وأنا أتعجّب من هذا الحكم

ومما يضيفون إلى هذه الضّباب من الكلام، ما رواه الأصمعيّ في تفسير المثل، وهو قولهم: «هذا أجلّ من الحرش» - أنّ الضّبّ قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجنّ! قال: والحرش: تحريك اليد عند جحر الضب؛ ليخرج ويرى أنّه حيّة. قال: فسمع الحسل صوت الحفر، فقال للضّبّ: يا أبت! هذا الحرش؟

قال: يا بنيّ، هذا أجلّ من الحرش! فأرسلها مثلا.

وقال الكميت:

يؤلّف بين ضفدعة وضبّويعجب أن نبرّ بني أبينا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «يؤلف بين ضفدعة وضب»

وقال في الضّبّ والنّون:

ولو أنّهم جاؤوا بشيء مقاربلشيء وبالشّكل المقارب للشّكل
ولكنّهم جاؤوا بحيتان لجّةقوامس والمكنيّ فينا أبا حسل

وقال الكميت:

وما خلت الضّباب معطّفاتعلى الحيتان من شبه الحسول
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «وما خلت الضباب معطفات»

وقال آخر: [والعرب تقول في الشّيء الممتنع: لا يكون ذلك حتى يرد الضبّ، وفي تبعيد ما بين الجنسين:] حتّى يؤلّف بين الضّبّ والنّون

قال: ويقال أضبّت أرض بني فلان: إذا كثرت ضبابها. وهذه أرض مضبّة، وأرض بني فلان مضبّة، مثل فئرة من الفأر، وجرذة من الجرذان، ومحواة ومحياة من الحيّات. وجردة من الجراد، وسرفة من السّرفة، ومأسدة من الأسود، ومثعلة من الثّعالب؛ لأن الثّعلب يسمّى ثعالة، والذّئب ذؤالة.

ويقال أرض مذبّة من الذّباب. مذأبة من الذّئاب.

ويقال في الضّبّ: وقعنا في مضابّ منكرة، وهي قطع من الأرض تكثر ضبابها.

قال: ويقال أرض مربعة، كما يقال مضبّة. إذا كانت ذات يرابيع وضباب. واسم بيضها المكن، والواحدة مكنة.

ويقال لفرخه إذا خرج حسل، والجميع حسلة، وأحسال، وحسول. وهو حسل، ثم مطبّخ ثم غيداق، ثمّ جحل. والسّحبل: ما عظم منها. وهو في ذلك كلّه ضبّ.

وبعضهم يقول: يكون غيداقا، ثم يكون مطبّخا، ثمّ يكون جحلا، وهو

العظيم. ثمّ هو خضرم، ثمّ يكون ضبّا. وهذا خطأ، وهو ضبّ قبل ذلك. وقال الرّاجز:

ينفي الغياديق عن الطّريققلّص عنه بيضه في نيق

ويقال: «أضلّ من ضبّ».

والضلال وسوء الهداية يكون في الضبّ، والورل، والدّيك.

وإذا غيّر الحرّ لون جلد الضبّ فذلك أشدّ ما يكون من الحر. وقال الشّاعر:

وهاجرة تنجي عن الضّبّ جلدهقطعت حشاها بالغريريّة الصّهب

وفي المثل: «خلّ درج الضبّ»، وفي المثل: «تعلمني بضبّ أنا حرشته!»؛ و: «هذا أجلّ من الحرش»، و: «أضلّ من ضبّ» و: «أخبّ من ضبّ»، و: «أروى من ضبّ»، و: «أعقّ من ضبّ»، و: «أحيا من ضبّ»،

و: «أطول ذماء من ضبّ»، و: «كلّ ضبّ عند مرداته». ويقال: «أقصر من إبهام الضّبّ» كما يقال: «أقصر من إبهام القطاة». وقال ابن الطّثريّة:

ويوم كإبهام القطاة....

ومن أمثالهم: «لا آتيك سنّ الحسل». وقال العجاج:

ثمّت لا آتيه سنّ الحسل

كأنّه قال، حتّى يكون ما لا يكون؛ لأنّ الحسل لا يستبدل بأسنانه أسنانا.

وزعم [بعضهم] أنّ أسنان الذّئب ممطولة في فكيه. وأنشد:

أنيابه ممطولة في فكّين

وليس في هذا الشعر دليل على ما قال؛ لأنّ الشاعر يشبع الصفة إذا مدح أو هجا، وقد يجوز أن يكون ما قال حقّا.

فأما عبد الصّمد بن علي فإنه لم يثغر، ودخل القبر بأسنان الصّبا.

وقد يقال للضّبّ والحيّة والورل، وما أشبه ذلك: فحّ يفحّ فحيحا. والفحيح:

صوت الحية من جوفها، والكشيش والقشيش: صوت جلدها إذا حكّت بعضها ببعض.

وليس كما قال، ليس يسمع صوت احتكاك الجلد بالجلد إلّا للأفعى فقط.

وقال رؤبة:

فحّي فلا أفرق أن تفحّيوأن ترحّي كرحى المرحّي

وقال ابن ميادة:

ترى الضبّ إن لم يرهب الضبّ غيرهيكشّ له مستكبرا ويطاوله

ويكتب في باب حبّ الضّب للتّمر حديث أبي عمرة الأنصاري رووه من كلّ وجه. أنّ عمر بن الخطاب، ﵁، قال لرجل من أهل الطائف: الحبلة أفضل أم النخلة؟ قال: بل الحبلة، أتزببها وأشمّسها، وأستظل في ظلّها، وأصلح برمتي منها. قال عمر: تأبى ذاك عليك الأنصار.

ودخل أبو عمرة عبد الرحمن بن محصن النجّاري فقال له عمر: الحبلة أفضل أم النّخلة؟ قال: الزبيب إن آكله أضرس، وإن أتركه أغرث! ليس كالصّقر في رؤوس الرّقل، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، خرفة الصائم وتحفة الكبير، وصمتة الصغير وخرسة مريم، ويحترش به الضّباب من الصّلعاء يعني الصحراء.

قال: ويقال في الضّب حلّام، وفي اليربوع جفرة. والجفرة: التي قد انتفخ جنباها وشدنت. والحلّام فوق الجدي وقد صلح أن يذبح للنّسك. والحلّان، بالنون: الجدي الصغير الذي لا يصلح للنّسك.

وقال ابن أحمر:

تهدي إليه ذراع الجدي تكرمةإمّا ذبيحا وإمّا كان حلّانا

والحلّان والحلوان جميعا: رشوة الكاهن. وقد نهي عن زبد المشركين، وحلوان الكاهن. وقال مهلهل:

كلّ قتيل في كليب حلّامحتّى ينال القتل آل همّام
للشاعر المهلهل بن ربيعة - الزير، من قصيدة «كلُّ قتيلٍ في كليبٍ حُلامْ»

وقال الأصمعي: قال أعرابيّ يهزأ بصاحبه: اشتر لي شاة قفعاء، كأنّها تضحك: مندلقة خاصرتاها، كأنّها في محمل، لها ضرع أرقط. كأنّه ضبّ.

قال: فكيف العفل ؟ قال: أو لهذه عفل؟!

قال: وسأل مدنيّ أعرابيّا قال: أتأكلون الضّبّ؟ قال: نعم. قال: فاليربوع؟

قال: نعم. قال: فالورل؟ قال: نعم. قال: أفتأكلون أمّ حبين؟ قال: لا. قال: فليهن أمّ حبين العافية!.

وقال فراس بن عبد الله الكلابي:

لمّا خشيت الجوع والإرمالاولم أجد بشولها بلالا
أبصرت ضبّا دحنا مختالاأوفد فوق جحره وذالا
فدبّ لي يختلني اختيالاحتّى رأيت دوني القذالا
وميلة ما ملت حين مالافدهشت كفّاي فاستطالا ضمني فلا نزع ولا إرسالا
فحاجزا وبرّأ الأوصالامنّي ولم أرفع بذاك بالا
لمّا رأت عيني كشى خدالامنه وثنّيت له الأكبالا

ورحت منه دحنا دأّلا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.