تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب من القول في العرجان

قال رجل من بني عجل:

وشى بي واش عند ليلى سفاهةفقالت له ليلى مقالة ذي عقل
وخبّرها أنّي عرجت فم تكنكورهاء تجترّ الملامة للبعل
وما بي من عيب الفتى غير أنّنيجعلت العصا رجلا أقيم بها رجلي

وقال أبو حيّة في مثل ذلك:

وقد جعلت إذ ما قمت، يوجعنيظهري فقمت قيام الشّارب السّكر
وكنت أمشي على رجلين معتدلافصرت أمشي على أخرى من الشجر
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

وقال أعرابيّ من بني تميم:

وما بي من عيب الفتى غير أنّنيألفت قناتي حين أوجعني ظهري

وكان بنو الحدّاء عرجانا كلّهم، فهجاهم بعض الشّعراء فقال:

لله درّ بني الحدّاء من نفروكلّ جار على جيرانه كلب
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «لله در بني الحداء من نفر»
إذا غدوا وعصيّ الطّلح أرجلهمكما تنصّب وسط البيعة الصّلب
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «لله در بني الحداء من نفر»

وإنّما شبه أرجلهم بعصيّ الطّلح؛ لأنّ أغصان الطلح تنبت معوجّة. لذلك قال معدان الأعمى:

والذي طفّف الجدار من الذّعر وقد بات قاسم الأنفال
فغدا خامعا بأيدي هشيموبساق كعود طلح بال

وله حديث.

وكان الحكم بن عبدل أعرج، وكان بعد هجائه لمحمد بن حسّان بن سعد لا يبعث إلى أحد بعصاه التي يتوكأ عليها وكتب عليها حاجته إلّا قضاها كيف كانت، فدخل على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وهو أمير الكوفة، وكان أعرج، وكان صاحب شرطته أعرج- فقال ابن عبدل:

ألق العصا ودع التّعارج والتمسعملا فهذي دولة العرجان
فأميرنا وأمير شرطتنا معايا قومنا لكليهما رجلان
فإذا يكون أميرنا ووزيرهوأنا فإنّ الرّابع الشيطان

وقال آخر ووصف ضعفه وكبر سنّه:

آتي النديّ فلا يقرّب مجلسيوأقود للشرف الرفيع حماريا

وكان من العرجان والشعراء أبو ثعلب، وهو كليب بن أبي الغول. ومنهم أبو مالك الأعرج. وفي أحدهما يقول اليزيدي:

أبو ثعلب للناطفيّ مؤازرعلى خبثه والناطفيّ غيور
وبالبغلة الشهباء رقّة حافروصاحبنا ماضي الجنان جسور
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «أبو ثعلب للناطفي زؤر»
ولا غرو أن كان الأعيرج آرهاوما الناس إلا آير ومئير

وقال الشاعر:

تلقى ثنانا إذا ما جاء بدأهموبدؤهم إن أتانا كان ثنيانا

فالبدء أضخم السّادات؛ يقال ثنى وثنيان، وهو اسم واحد. وهو تأويل قول الشّاعر:

يصدّ الشّاعر الثّنيان عنّيصدود البكر عن قرم هجان
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «لعمرك ما خشيت على يزيد»

لم يمدح نفسه بأن لا يغلب الفحل وإنّما يغلب الثّنيان. وإنما أراد أن يصغّر بالذي هجاه، بأنه ثنيان، وإن كان عند نفسه فحلا وأمّا قول الشّاعر:

ومن يفخر بمثل أبي وجدّييجئ قبل السّوابق وهو ثان

فالمعنى ثان عنانه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.