من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب الجدّ من أمر الجنّ
ليس هذا، حفظك الله تعالى، من الباب الذي كنّا فيه، ولكنّه كان مستراحا وجماما. وسنقول في باب من ذكر الجنّ، لتنتفع في دينك أشد الانتفاع. وهو جدّ كلّه.
والكلام الأوّل وما يتلوه من ذكر الحشرات، ليس فيه جدّ إلّا وفيه خلط من هزل، وليس فيه كلام صحيح إلا وإلى جنبه خرافة، لأن هذا الباب هكذا يقع.
وقد طعن قوم في استراق الشّياطين السمع بوجوه من الطّعن. فإذ قد جرى لها من الذّكر في باب الهزل ما قد جرى، فالواجب علينا أن نقول في باب الجدّ، وفيما يرد على أهل الدّين بجملة، وإن كان هذا الكتاب لم يقصد به إلى هذا الباب حيث ابتدئ. وإن نحن استقصيناه كنّا قد خرجنا من حدّ القول في الحيوان. ولكنا نقول بجملة كافية. والله تعالى المعين على ذلك.
قال قوم: قد علمنا أن الشياطين ألطف لطافة، وأقلّ آفة، وأحدّ أذهانا، وأقلّ فضولا، وأخفّ أبدانا، وأكثر معرفة وأدقّ فطنة منّا. والدّليل على ذلك إجماعهم على أنّه ليس في الأرض بدعة بديعة، دقيقة ولا جليلة، ولا في الأرض معصية من طريق الهوى والشّهوة، خفيّة كانت أو ظاهرة، إلّا والشّيطان هو الدّاعي لها، والمزيّن لها، والذي يفتح باب كلّ بلاء، وينصب كلّ حبالة وخدعة. ولم تكن لتعرف أصناف جميع الشرور والمعاصي حتى تعرف جميع أصناف الخير والطّاعات.
ونحن قد نجد الرّجل إذا كان معه عقل، ثمّ علم أنّه إذا نقب حائطا قطعت يده، أو أسمع إنسانا كلاما قطع لسانه، أو يكون متى رام ذلك حيل دونه ودون ما رام منه- أنّه لا يتكلّف ذلك ولا يرومه، ولا يحاول أمرا قد أيقن أنّه لا يبلغه.
وأنتم تزعمون أنّ الشّياطين الذين هم على هذه الصّفة كلّما صعد منهم شيطان ليسترق السّمع قذف بشهاب نار، وليس له خواطئ، فإمّا أن يكون يصيبه،
وإمّا أن يكون نذيرا صادقا أو وعيدا إن يقدم عليه رمى به. وهذه الرّجوم لا تكون إلا لهذه الأمور. ومتى كانت فقد ظهر للشّيطان إحراق المستمع والمسترق، والموانع دون الوصول ثمّ لا نرى الأوّل ينهي الثّاني، ولا الثّاني ينهي الثّالث، ولا الثّالث ينهي الرّابع عجب. وإن كان الذي يعود غيره فكيف خفي عليه شأنهم، وهو ظاهر مكشوف؟! وعلى أنّهم لم يكونوا أعلم منّا حتّى ميّزوا جميع المعاصي من جميع الطاعات. ولولا ذلك لدعوا إلى الطّاعة بحساب المعصية، وزيّنوا لها الصّلاح وهم يريدون الفساد. فإذا كانوا ليسوا كذلك فأدنى حالاتهم أن يكونوا قد عرفوا أخبار القرآن وصدقوها، وأنّ الله تعالى محقّق ما أوعد كما ينجز ما وعد. وقد قال الله ﷿: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
، وقال تعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
وقال تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ
وقال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ
مع قول الجنّ: أَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً
وقولهم: أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً
فكيف يسترق السّمع الذين شاهدوا الحالتين جميعا، وأظهروا اليقين بصحّة الخير بأنّ للمستمع بعد ذلك القذف بالشّهب، والإحراق بالنار، وقوله تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
وقوله تعالى: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ
في آي غير
هذا كثير. فكيف يعودون إلى استراق السّمع، مع تيقنهم بأنّه قد حصّن بالشهب.
ولو لم يكونوا موقنين من جهة حقائق الكتاب، ولا من جهة أنّهم بعد قعودهم مقاعد السّمع لمسوا السّماء فوجدوا الأمر قد تغيّر- لكان في طول التّجربة والعيان الظّاهر، وفي إخبار بعضهم لبعض، ما يكون حائلا دون الطّمع وقاطعا دون التماس الصّعود.
وبعد فأي عاقل يسرّ بأن يسمع خبرا وتقطع يده فضلا عن أن تحرقه النّار؟! وبعد فأيّ خبر في ذلك اليوم؟! وهل يصلون إلى النّاس حتّى يجعلوا ذلك الخبر سببا إلى صرف الدّعوى؟ قيل لهم: فإنّا نقول بالصّرفة في عامّة هذه الأصول. وفي هذه الأبواب، كنحو ما ألقي على قلوب بني إسرائيل وهم يجولون في التّيه، وهم في العدد وفي كثرة الأدلّاء والتجّار وأصحاب الأسفار، والحمّارين والمكارين، من الكثرة على ما قد سمعتم به وعرفتموه؛ وهم مع هذا يمشون حتّى يصبحوا، مع شدّة الاجتهاد في الدّهر الطويل، ومع قرب ما بين طرفي التّيه. وقد كان طريقا مسلوكا. وإنّما سمّوه التّيه حين تاهوا فيه، لأنّ الله تعالى حين أراد أن يمتحنهم ويبتليهم صرف أوهامهم.
ومثل ذلك صنيعه في أوهام الأمة التي كان سليمان ملكها ونبيّها، مع تسخير الريح والأعاجيب التي أعطيها. وليس بينهم وبين ملكهم ومملكتهم وبين ملك سبأ ومملكة بلقيس ملكتهم بحار لا تركب، وجبال لا ترام. ولم يتسامع أهل المملكتين ولا كان في ذكرهم مكان هذه الملكة.
وقد قلنا في باب القول في الهدهد ما قلنا، حين ذكرنا الصّرفة، وذكرنا حال يعقوب ويوسف وحال سليمان وهو معتمد على عصاه، وهو ميّت والجنّ مطيفة به وهم لا يشعرون بموته، وذكرنا من صرف أوهام العرب عن محاولة معارضة القرآن، ولم يأتوا به مضطربا ولا ملفّقا ولا مستكرها؛ إذا كان في ذلك لأهل الشّغب متعلّق، مع غير ذلك، ممّا يخالف فيه طريق الدّهريّة، لأنّ الدّهريّ لا يقر إلّا بالمحسوسات والعادات على خلاف هذا المذهب.
ولعمري ما يستطيع الدّهريّ أن يقول بهذا القول ويحتجّ بهذه الحجّة، ما دام لا يقول بالتّوحيد، وما دام لا يعرف إلا الفلك وعمله، ومادام يرى أن إرسال الرسل يستحيل، وأن الأمر والنّهي، والثواب والعقاب على غير ما نقول، وأنّ الله تعالى لا يجوز أن يأمر من جهة الاختبار إلا من جهة الحزم.
وكذلك نقول ونزعم أن أوهام هذه العفاريت تصرف عن الذكر لتقع المحنة، وكذلك نقول في النبي ﷺ أن لو كان في جميع تلك الهزاهز من يذكر قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
لسقط عنه من المحنة أغلظها.
وإذا سقطت المحنة لم تكن الطاعة والمعصية. وكذلك عظيم الطاعة مقرون بعظيم الثّواب.
وما يصنع الدهري وغير الدّهري بهذه المسألة وبهذا التسطير ؟! ونحن نقول: لو كان إبليس يذكر في كلّ حال قوله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ
وعلم في كلّ حال أنّه لا يسلم لوجب أن المحنة كانت تسقط عنه، لأن من علم يقينا أنّه لا يمضي غدا إلى السوق ولا يقبض دراهمه من فلان، لم يطمع فيه. ومن لم يطمع في الشيء انقطعت عنه أسباب الدواعي إليه. ومن كان كذلك فمحال أن يأتي السّوق.
فنقول في إبليس: إنه ينسى ليكون مختبرا ممتحنا فليعلموا أن قولنا في مسترقي السمع كقولنا في إبليس، وفي جميع هذه الأمور التي أوجب علينا الدّين أن نقول فيها بهذا القول.
وليس له أن يدفع هذا القول على أصل ديننا، فإن أحبّ أن يسأل عن الدين الذي أوجب هذا القول علينا فيلفعل، والله تعالى المعين والموفّق.
وأما قولهم: «من يخاطر بذهاب نفسه لخبر يستفيده» فقد علمنا أن أصحاب الرّياسات وإن كان متبيّنا كيف كان اعتراضهم على أنّ أيسر ما يحتملون في جنب تلك الرّياسات القتل.
ولعلّ بعض الشّياطين أن يكون معه من النّفخ وحب الرّياسة ما يهوّن عليه أن يبلغ دوين المواضع التي إن دنا منها أصابه الرّجم، والرّجم إنما ضمن أنه مانع من الوصول، ويعلم أنه إذا كان شهابا أنه يحرقه ولم يضمن أنه يتلف عنه، فما أكثر من تخترقه الرّماح في الحرب ثم يعاود ذلك المكان ورزقه ثمانون دينارا ولا يأخذ إلا
نصفه، ولا يأخذه إلا قمحا. فلولا أن مع قدم هذا الجنديّ ضروبا مما يهزّه وينجّده ويدعو إليه ويغريه- ما كان يعود إلى موضع قد قطعت فيه إحدى يديه، أو فقئت إحدى عينيه.
ولم وقع عليه إذا اسم شيطان، ومارد، وعفريت، وأشباه ذلك؟! ولم صار الإنسان يسمّى بهذه الأسماء، ويوصف بهذه الصفات إذا كان فيه الجزء الواحد من كلّ ما هم عليه؟!.
وقالوا في باب آخر من الطّعن غير هذا، قالوا في قوله تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً
فقالوا: قد دلّ هذا الكلام على أن الأخبار هناك كانت مضيّعة حتّى حصّنت بعد. فقد وصفتم الله تعالى بالتّضييع والاستدراك!.
قلنا: ليس في هذا الكلام دليل على أنهم سمعوا سرّا قط أو هجموا على خبر إن أشاعوه فسد به شيء من الدّين. وللملائكة في السّماء تسبيح وتهليل، وتكبير وتلاوة، فكان لا يبلغ الموضع الذي يسمع ذلك منه إلا عفاريتهم.
وقد يستقيم أن يكون العفريت يكذب ويقول: سمعت ما لم يسمع ومتى لم يكن على قوله برهان يدلّ على صدقه فإنما هو في كذبه من جنس كلّ متنبئ وكاهن.
فإن صدقه مصدق بلا حجّة فليس ذلك بحجّة على الله وعلى رسوله ﷺ.
وذهب بعضهم في الطّعن إلى غير هذه الحجّة، قالوا: زعمتم أن الله تعالى جعل هذه الرّجوم للخوافي حجّة للنبي ﷺ، فكيف يكون ذلك رجما، وقد كان قبل الإسلام ظاهرا مرئيّا، وذلك موجود في الأشعار. وقد قال بشر بن أبي خازم في ذلك:
فجأجأها من أول الرّيّ غدوةولمّا يسكّنه من الأرض مرتع
بأكلبة زرق ضوار كأنّهاخطاطيف من طول الطريدة تلمع
فجال على نفر تعرّض كوكبوقد حال دون النّقع والنّقع يسطع
فوصف شوط الثّور هاربا من الكلاب بانقضاض الكوكب في سرعته، وحسنه، وبريق جلده. ولذلك قال الطّرمّاح:
يبدو وتضمره البلاد كأنّهسيف على شرف يسلّ ويغمد
وأنشد أيضا قول بشر بن أبي خازم:
وتشجّ بالعير الفلاة كأنّهافتخاء كاسرة هوت من مرقب
والعير يرهقها الخبار وجحشهاينقضّ خلفهما انقضاض الكوكب
قالوا: وقال الضّبّي:
ينالها مهتك أشجارهابذي غروب فيه تحريب
كأنّه حين نحا كوكبأو قبس بالكفّ مشبوب
وقال أوس بن حجر:
فانقضّ كالدّريء يتبعهنقع يثور تخاله طنبا
يخفى وأحيانا يلوح كمارفع المشير بكفّه لهبا
ورووا قوله:
فانقضّ كالدّرّي من متحدّرلمع العقيقة جنح ليل مظلم
وقال عوف بن الخرع:
يردّ علينا العير من دون أنفهأو الثّور كالدّرّي يتبعه الدّم
وقال الأفوه الأودي:
كشهاب القذف يرميكم بهفارس في كفّه للحرب نار
وقال أميّة بن أبي الصّلت:
وترى شياطينا تروغ مضافةورواغها شتّى إذا ما تطرد
يلقى عليها في السّماء مذلّةوكواكب ترمى بها فتعرّد
قلنا لهؤلاء القوم: إن قدرتم على شعر جاهليّ لم يدرك مبعث النبي ﷺ ولا مولده فهو بعض ما يتعلّق به مثلكم، وإن كان الجواب في ذلك سيأتيكم إن شاء الله تعالى. فأما أشعار المخضرمين والإسلاميّين فليس لكم في ذلك حجّة. والجاهليّ ما لم يكن أدرك المولد، فإنّ ذلك ممّا ليس ينبغي لكم أن تتعلّقوا به. وبشر بن أبي خازم فقد أدرك الفجار، والنبي ﷺ شهد الفجار، وقال: «شهدت الفجار فكنت أنبل على عمومتي وأنا غلام».
والأعلام ضروب، فمنها ما يكون كالبشارات في الكتب، لكون الصّفة إذا واقفت الصّفة التي لا يقع مثلها اتفاقا وعرضا لزمت فيه الحجة، وضروب أخر كالإرهاص للأمر، والتأسيس له، وكالتعبيد والترشيح، فإنّه قلّ نبيّ إلّا وقد حدثت عند مولده، أو قبيل مولده، أو بعد مولده أشياء لم يكن يحدث مثلها. وعند ذلك
يقول الناس: إنّ هذا لأمر، وإنّ هذا ليراد به أمر وقع، أو سيكون لهذا نبأ. كما تراهم يقولون عند الذوائب التي تحدث لبعض الكواكب في بعض الزمان. فمن التّرشيح والتّأسيس والتّفخيم شأن عبد المطلب عند القرعة، وحين خروج الماء من تحت ركبة جملة، وما كان من شأن الفيل والطير الأبابيل وغير ذلك، مما إذا تقدم للرّجل زاد في نبله وفي فخامة أمره. والمتوقّع أبدا معظّم فإن كانت هذه الشهب في هذه الأيام أبدا مرئيّة فإنما كانت من التأسيس والإرهاص، إلا أن ينشدونا مثل شعر الشعراء الذين لم يدركوا المولد ولا بعد ذلك، فإنّ عددهم كثير، وشعرهم معروف.
وقد قيل الشّعر قبل الإسلام في مقدار من الدهر أطول ممّا بيننا اليوم وبين أوّل الإسلام، وأولئكم عندكم أشعر ممن كان بعدهم.
وكان أحدهم لا يدع عظما منبوذا باليا، ولا حجرا مطروحا، ولا خنفساء، ولا جعلا، ولا دودة، ولا حية، إلا قال فيها، فكيف لم يتهيأ من واحد منهم أن يذكر الكواكب المنقضّة مع حسنها وسرعتها والأعجوبة فيها. وكيف أمسكوا بأجمعهم عن ذكرها إلى الزّمان الذي يحتجّ فيه خصومكم.
وقد علمنا أنّ النبي ﷺ حين ذكر له يوم ذي قار قال: «هذا أوّل يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا».
ولم يكن قال لهم قبل ذلك إنّ وقعة ستكون، من صفتها كذا، ومن شأنها كذا، وتنصرون على العجم، وبي تنصرون فإن كان بشر بن أبي خازم وهؤلاء الذين ذكرتم قد عاينوا انقضاض الكواكب فليس بمستنكر أن تكون كانت إرهاصا لمن لم يخبر عنها ويحتجّ بها لنفسه. فكيف وبشر بن أبي خازم حيّ في أيّام الفجار، التي شهدها النبيّ ﷺ بنفسه، وأنّ كنانة وقريشا به نصروا.
وسنقول في هذه الأشعار التي أنشدتموها، ونخبر عن مقاديرها وطبقاتها. فأما قوله:
فانقضّ كالدّرّي من متحدّرلمع العقيقة جنح ليل مظلم
فخبّرني أبو إسحاق أن هذا البيت في أبيات أخر كان أسامة صاحب روح بن أبي همّام، هو الذي كان ولّدها. فإن اتّهمت خبر أبي إسحاق فسمّ الشّاعر، وهات القصيدة، فإنّه لا يقبل في مثل هذا إلّا بيت صحيح صحيح الجوهر، من قصيدة، صحيحة لشاعر معروف. وإلّا فإن كلّ من يقول الشّعر يستطيع أن يقول خمسين بيتا كل بيت منها أجود من هذا البيت.
وأسامة هذا هو الذي قال له روح:
اسقني يا أسامهمن رحيق مدامه
اسقنيها فإنّيكافر بالقيامه
وهذا الشعر هو الذي قتله. وأمّا ما أنشدتم من قول أوس بن حجر:
فانقضّ كالدريء يتبعهنقع يثور تخاله طنبا
وهذا الشّعر ليس يرويه لأوس إلّا من لا يفصل بين شعر أوس بن حجر، وشريح ابن أوس. وقد طعنت الرّواة في هذا الشّعر الذي أضفتموه إلى بشر بن أبي خازم، من قوله:
والعير يرهقها الخبار وجحشهاينقضّ خلفهما انقضاض الكوكب
فزعموا أنه ليس من عادتهم أن يصفوا عدو الحمار بانقضاض الكوكب، ولا بدن الحمار ببدن الكوكب. وقالوا: في شعر بشر مصنوع كثير، مما قد احتملته كثير من الرّواة على أنّه من صحيح شعره. فمن ذلك قصيدته التي يقول فيها:
فرجّي الخير وانتظري إيابيإذا ما القارظ العنزيّ آبا
وأما ما ذكرتم من شعر هذا الضّبّي، فإنّ الضّبّي مخضرم.
وزعمتم أنّكم وجدتم ذكر الشّهب في كتب القدماء من الفلاسفة، وأنّه في الآثار العلوية لأرسطاطاليس، حين ذكر القول في الشّهب، مع القول في الكواكب ذوات الذوائب، ومع القول في القوس، والطّوق الذي يكون حول القمر بالليل. فإن كنتم بمثل هذا تستعينون، وإليه تفزعون، فإنّا نوجدكم من كذب التّراجمة وزيادتهم، ومن فساد الكتاب، من جهة تأويل الكلام، ومن جهة جهل المترجم بنقل لغة إلى لغة، ومن جهة فساد النّسخ، ومن أنه قد تقادم فاعترضت دونه الدّهور والأحقاب، فصار لا يؤمن عليه ضروب التّبديل والفساد. وهذا الكلام معروف صحيح.
وأما ما رويتم من شعر الأفوه الأوديّ فلعمري إنّه لجاهليّ، وما وجدنا أحدا من الرّواة يشكّ في أن القصيدة مصنوعة. وبعد فمن أين علم الأفوه أنّ الشهب التي يراها إنما هي قذف ورجم، وهو جاهليّ، ولم يدّع هذا أحد قطّ إلا المسلمون؟ فهذا دليل آخر على أن القصيدة مصنوعة.
ثم رجع بنا القول إلى تفسير قصيدة البهرانيّ:
وأما قوله:
«جائبا للبحار أهدي لعرسيفلفلا مجتنى وهضمة عطر
وأحلّي هرير من صدف البحر وأسقي العيال من نيل مصر»
فإن الناس يقولون: إن السّاحر لا يكون ماهرا حتّى يأتى بالفلفل الرّطب من سرنديب. وهريرة: اسم امرأته الجنّيّة.
وذكر الظّبي الذي جعله مركبه إلى بلاد الهند، فقال:
«وأجوب البلاد تحتي ظبيضاحك سنّه كثير التّمرّي
مولج دبره خواية مكووهو باللّيل في العفاريت يسري»
يقول: هذا الظّبي الذي من جبنه وحذره، من بين جميع الوحش، لا يدخل حراه إلا مستدبرا، لتكون عيناه تلقاء ما يخاف أن يغشاه هو الذي يسري مع العفاريت باللّيل ضاحكا بي هازئا إذا كان تحتي.
وأما قوله:
«يحسب النّاظرون أني ابن ماءذاكر عشّه بضفّة نهر»
فإن الجنّيّ إذا طار به في جوّ السماء ظنّ كلّ من رآه أنّه طائر ماء.
وأما قولهم في المثل: «أروى من ضبّ» فإني لا أعرفه، لأنّ كلّ شيء بالدوّ والدّهناء والصّمّان، وأوساط هذه المهامه والصحاصح فإن جميع ما يسكنها من الحشرات والسّباع لا يرد الماء ولا يريده، لأنه ليس في أوساط هذه الفيافي في الصّيف كله وفي القيظ جميعا منقع ماء، ولا غدير، ولا شريعة، ولا وشل. فإذا استقام أن يمرّ بظبائها وأرانبها وثعالبها وغير ذلك منها الصّيفة كلّها، والقيظ كله، ولم تذق فيها قطرة ماء، فهي له في الشتاء أترك، لأنّ من اقتات اليبس إذا لم يشرب الماء فهو إذا اقتات الرّطب أترك.
وليس العجب في هذا، ولكنّ العجب في إبل لا ترد الماء.
وزعم الأصمعيّ أنّ لبني عقيل ماعزا لم يرد الماء قطّ. فينبغي على ذاك أن يكون واديهم لا يزال يكون فيه من البقل والورق ما يعيشها بتلك الرّطوبة التي فيها.
ولو كانت ثعالب الدّهناء وظباؤها وأرانبها ووحشها تحتاج إلى الماء لطلبته أشدّ الطلب، فإن الحيوان كلّه يهتدي إلى ما يعيشه، وذلك في طبعه وإنما سلب هذه المعارف الذين أعطوا العقل والاستطاعة فوكلوا إليهما.
فأمّا من سلب الآلة التي بها تكون الرّويّة والأداة التي يكون بها التصرّف، وتخرج أفعاله من حد الإيجاب إلى حد الإمكان، وعوّض التمكين، فإن سبيله غير سبيل من منح ذلك، فقسم الله تعالى لتلك الكفاية، وقسم لهؤلاء الابتلاء والاختيار.
أوّل ما نبدأ قبل ذكر الحشرات وأصناف الحيوان والوحش بشعري بشر بن المعتمر، فإن له في هذا الباب قصيدتين، قد جمع فيهما كثيرا من هذه الغرائب
والفرائد، ونبّه بهذا على وجوه كثيرة من الحكمة العجيبة، والموعظة البليغة. وقد كان يمكننا أن نذكر من شأن هذه السّباع والحشرات بقدر ما تتسع له الرواية، من غير أن نكتبهما في هذا الكتاب، ولكنهما يجمعان أمورا كثيرة.
أمّا أوّل ذلك فإنّ حفظ الشّعر أهون على النّفس، وإذا حفظ كان أعلق وأثبت، وكان شاهدا. وإن احتيج إلى ضرب المثل كان مثلا.
وإذا قسمنا ما عندنا في هذه الأصناف، على بيوت هذين الشّعرين، وقع ذكرهما مصنّفا فيصير حينئذ آنق في الأسماع، وأشدّ في الحفظ.
قال بشر بن المعتمر:
الناس دأبا في طلاب الغنىوكلهم من شأنه الختر
كأذؤب تنهشها أذؤبلها عواء ولها زفر
تراهم فوضى وأيدي سباكلّ له في نفثه سحر
تبارك الله وسبحانهبين يديه النّفع والضّرّ
من خلقه في رزقه كلّهمالذّيخ والثّيتل والغفر
وساكن الجوّ إذا ما علافيه، ومن مسكنه القفر
والصّدع الأعصم في شاهقوجأبة مسكنها الوعر
والحيّة الصّماء في جحرهاوالتّتفل الرائغ والذّرّ
وإلقة ترغث ربّاحهاوالسّهل والنّوفل والنضر
وهقلة ترتاع من ظلّهالها عرار ولها زمر
تلتهم المرو على شهوةأحبّ شيء عندها الجمر
وضبة تأكل أولادهاوعترفان بطنه صفر
يؤثر بالطّعم، وتأذينه،منجّم ليس له فكر
وكيف لا أعجب من عالمحشوته التأبيس والدّغر
وحكمة يبصرها عاقلليس له من دونها ستر
جرادة تخرق متن الصّفاوأبغث يصطاده صقر
سلاحه رمح فما عذرهوقد عراه دونه الذّعر
والدّبّ والقرد إذا علّماوالفيل والكلبة واليعر
يحجم عن فرط أعاجيبهاوعن مدى غاياتها السّحر
وظبية تخضم في حنظلوعقرب يعجبها التّمر
وخنفس يسعى بجعلانهيقوتها الأرواث والبعر
يقتلها الورد وتحيا إذاضمّ إليها الرّوث والجعر
وفأرة البيش إمام لهاوالخلد فيه عجب هتر
وقنفذ يسري إلى حيّةوحيّة يخلى له الجحر
وعضرفوط ماله قبلةوهدهد يكفره بكر
وفرّة العقرب من لسعهاتخبر أن ليس لها عذر
والببر فيه عجب عاجبإذا تلاقى اللّيث والببر
وطائر أشرف ذو جردةوطائر ليس له وكر
وثرمل تأوي إلى دوبلوعسكر يتبعه النّسر
يسالم الضّبع بذي مرّةأبرمها في الرّحم العمر
وتمسح خلّله طائروسابح ليس له سحر
والعثّ والحفّاث ذو فحفحوخرنق يسفده وبر
وغائص في الرمل ذو حدّةليس له ناب ولا ظفر
حرباؤها في قيظها شامسحتّى يوافي وقته العصر
يميل بالشّقّ إليها كمايميل في روضته الزّهر
والظّربان الورد قد شفّهحبّ الكشى، والوحر الحمر
يلوذ منه الضّبّ مذلولياولو نجا أهلكه الذّعر
وليس ينجيه إذا ما فساشيء ولو أحرزه قصر
وهيشة تأكلها سرفةوسمع ذئب همّه الحضر
لا ترد الماء أفاعي النّقالكنما يعجبها الخمر
وفي ذرى الحرمل ظلّ لهاإذا غلا واحتدم الهجر
فبعضها طعم لبعض كماأعطى سهام الميسر القمر
وتمسح النّيل عقاب الهواوالّليث رأس وله الأسر
ثلاثة ليس لها غالبإلّا بما ينتقض الدّهر
إنّي وإن كنت ضعيف القوىفالله يقضي وله الأمر
لست إباضيّا غبيّا ولاكرافضيّ غرّه الجفر
كما يغرّ الآل في سبسبسفرا فأودى عنده السّفر
كلاهما وسّع في جهل مافعاله عندهما كفر
لسنا من الحشو الجفاة الأولىعابوا الذي عابوا ولم يدروا
أن غبت لم يسلمك من تهمةوإن رنا فلحظه شزر
يعرض إن سالمته مدبراكأنما يلسبه الدّبر
أبله خبّ ضغن قلبهله احتيال وله مكر
وانتحلوا جماعة باسمهاوفارقوها فهم اليعر
وأهوج أعوج ذو لوثةليس له رأي ولا قدر
قد غرّه في نفسه مثلهوغرّهم أيضا كما غرّوا
لا تنجع الحكمة فيهم كماينبو عن الجرولة القطر
قلوبهم شتّى فما منهمثلاثة يجمعهم أمر
إلّا الأذي أو بهت أهل التّقىوأنّهم أعينهم خزر
أولئك الدّاء العضال الذيأعيا لديه الصّاب والمقر
حيلة من ليست له حيلةحسن عزاء النّفس والصبر
قال: وأنشدني أيضا:
ما ترى العالم ذا حشوةيقصر عنها عدد القطر
أوابد الوحش وأحناشهاوكلّ سبع وافر الظّفر
وبعضه ذو همج هامجفيه اعتبار لذوي الفكر
والوزغ الرّقط على ذلّهاتطاعم الحيّات في الجحر
والخنفس الأسود في طبعهمودّة العقرب في السّرّ
والحشرات الغبر منبثّةبين الورى والبلد القفر
وكلها شرّ وفي شرّهاخير كثير عند من يدري
لو فكّر العاقل في نفسهمدّة هذا الخلق في العمر
لم ير إلّا عجبا شاملاأو حجّة تنقش في الصّخر
فكم ترى في الخلق من آيةخفيّة الجسمان في قعر
أبرزها الفكر على فكرةيحار فيها وضح الفجر
لله درّ العقل من رائدوصاحب في العسر واليسر
وحاكم يقضي على غائبقضيّة الشّاهد للأمر
وإنّ شيئا بعض أفعالهأن يفصل الخير من الشّرّ
بذي قوى، قد خصّه ربّهبخالص التّقديس والطّهر
بل أنت كالعين وإنسانهاومخرج الخيشوم والنّحر
فشرّهم أكثرهم حيلةكالذّئب والثّعلب والذّرّ
واللّيث قد جلّده علمهبما حوى من شدّة الأسر
فتارة يحطمه خابطاوتارة يثنيه بالهصر
والضعف قد عرّف أربابهمواضع الفرّ من الكرّ
تعرف بالإحساس أقدارهافي الأسر والإلحاج والصّبر
والبخت مقرون فلا تجهلنّبصاحب الحاجة والفقر
وذو الكفايات إلى سكرةأهون منها سكرة الخمر
والضّبع الغثراء مع ذيخهاشرّ من اللبوة والنّمر
لو خلّي اللّيث ببطن الورىوالنّمر أو قد جيء بالببر
كان لها أرجى ولو قضقضتما بين قرنيه إلى الصّدر
والذئب إن أفلت من شرهفبعد أن أبلغ في العذر
وكلّ جنس فله قالبوعنصر أعراقه تسري
وتصنع السّرفة فيهم علىمثل صنيع الأرض والبذر
والأضعف الأصغر أحرى بأنيحتال للأكبر بالفكر
متى يرى عدوّه قاهراأحوجه ذاك إلى المكر
كما ترى الذئب إذا لم يطقصاح فجاءت رسلا تجري
وكلّ شيء فعلى قدرهيحجم أو يقدم أو يجري
والكيس في المكسب شمل لهموالعندليب الفرخ كالنّسر
والخلد كالذّئب على خبثهوالفيل والأعلم كالوبر
والعبد كالحرّ وإن ساءهوالأبغث الأغثر كالصّقر
لكنّهم في الدّين أيدي سباتفاوتوا في الرّأي والقدر
قد غمر التّقليد أحلامهمفناصبوا القيّاس ذا السّبر
فافهم كلامي واصطبر ساعةفإنّما النّجح مع الصّبر
وانظر إلى الدّنيا بعين امرئيكره أن يجري ولا يدري
أما ترى الهقل وأمعاءهيجمع بين الصّخر والجمر
وفارة البيش على بيشهاطيّبة فائقة العطر
وطائر يسبح في جاحمكماهر يسبح في غمر
ولطعة الذئب على حسوهوصنعة السّرفة والدّبر
ومسمع القردان في منهلأعجب ممّا قيل في الحجر
وظبية تدخل في تولجمؤخرها من شدّة الذّعر
تأخذ بالحزم على قانصيريغها من قبل الدّبر
والمقرم المعلم ما إنّ لهمرارة تسمع في الذّكر
وخصية تنصل من جوفهعند حدوث الموت والنّحر
ولا يرى من بعدها جازرشقشقة مائلة الهدر
وليس للطّرف طحال وقدأشاعه العالم بالأمر
وفي فؤاد الثور عظم وقديعرفه الجازر ذو الخبر
وأكثر الحيتان أعجوبةما كان منها عاش في البحر
إذ لا لسان سقي ملحهولا دماغ السّمك النّهري
يدخل في العذب إلى جمّهكفعل ذي النّقلة في البرّ
تدير أوقاتا بأعيانهاعلى مثال الفلك المجري
وكلّ جنس فله مدّةتعاقب الأنواء في الشّهر
وأكبد تظهر في ليلهاثمّ توارى آخر الدّهر
ولا يسيغ الطّعم ما لم يكنمزاجه ماء على قدر
ليس له شيء لإزلاقهسوى جراب واسع الشّجر
والتتفل الرائغ إمّا نضافشطر أنبوب على شطر
متى رأى اللّيث أخا حافرتجده ذا فشّ وذا جزر
وإن رأى النّمر طعاما لهأطعمه ذلك في النّمر
وإن رأى مخلبه وافياونابه يجرح في الصّخر
منهرت الشّدق إلى غلصمفالنّمر مأكول إلى الحشر
وما يعادي النّمر في ضيغمزئيره أصبر من نمر
لولا الذي في أصل تركيبهمن شدّة الأضلاع والظّهر
يبلغ بالجسر على طبعهما يسحر المختال ذا الكبر
سبحان ربّ الخلق والأمرومنشر الميت من القبر
فاصبر على التّفكير فيما ترىما أقرب الأجر من الوزر
نقول بعون الله تعالى وقوته في تفسير قصيدة أبي سهل بشر بن المعتمر، ونبدأ بالأولى المرفوعة، التي ذكر في آخرها الإباضية، والرافضة، والنابتة. فإذا قلنا في ذلك بما حضرنا قلنا في قصيدته الثانية إن شاء الله تعالى.
أمّا قوله:
«كأذؤب تنهشها أذؤبلها عواء ولها زفر»
فإنّها قد تتهارش على الفريسة، ولا تبلغ القتل، فإذا أدمى بعضها بعضا وثبت عليه فمزّقته وأكلته. وقال الرّاجز:
فلا تكوني يا ابنة الأشمّورقاء دمّى ذئبها المدمّي
وقال الفرزدق:
وكنت كذئب السّوء لمّا رأى دمابصاحبه يوما أحال على الدّم
نعم حتّى ربما أقبلا على الإنسان إقبالا واحدا، وهما سواء على عداوته والجزم على أكله، فإذا أدمي أحدهما وثب على صاحبه المدمى فمزّقه وأكله، وترك الإنسان وإن كان أحدهما قد أدماه.
ولا أعلم في الأرض خلقا ألأم من هذا الخلق، ولا شرّا منه، ويحدث عند رؤيته الدّم له في صاحبه الطمع، ويحدث له في ذلك الطمع فضل قوة، ويحدث للمدمّى جبن وخوف، ويحدث عنهما ضعف واستخذاء، فإذا تهيأ ذلك منهما لم يكن دون أكله شيء. والله أعلم حيث لم يعط الذئب قوة الأسد، ولم يعط الأسد جبن الذئب الهارب بما يرى في أثر الدم من الضعف. مثل ما يعتري الهر والهرة بعد الفراغ من السّفاد، فإن الهر قبل أن يفرغ من سفاد الهرة أقوى منها كثيرا، فإذا سفدها ولّى عنها هاربا واتبعته طالبة له، فإنها في تلك الحال إن لحقته كانت أقوى منه كثيرا.
فلذلك يقطع الأرض في الهرب، وربّما رمى بنفسه من حالق. وهذا شيء لا يعدمانه في تلك الحال.
ولم أرهم يقفون على حدّ العلة في ذلك. وهذا باب سيقع في موضعه من القول في الذئب تامّا، بما فيه من الرّواية وغير ذلك.
وأمّا قوله:
«من خلقه في رزقه كلّهمالذّيخ والثّيتل والغفر
الذّيخ: ذكر الضّبع. والثّيتل شبيه بالوعل، وهو ممّا يسكن في رؤوس الجبال، ولا يكون في القرى. وكذلك الأوعال. وليس لها حضر ولا عمل محمود على البسيط، وكذلك ليس للظباء حضر ولا عمل محمود في رؤوس الجبال.
وقال الشاعر:
وخيل تكردس بالدارعينكمشي الوعول على الظاهره
وقال أيضا:
والظّبي في رأس اليفاع تخالهعند الهضاب مقيّدا مشكولا
والغفر: ولد الأروية: واحد الأروى، والأروى: جماعة من إناث الأوعال.
وأما قوله:
«والصّدع الأعصم في شاهقوجأبة مسكنها الوعر»
فالصّدع: الشّاب من الأوعال. والأعصم: الذي في عصمته بياض، وفي المعصم منه سواد ولون يخالف لون جسده، والأنثى عصماء. والجأب: الحمار الغليظ الشّديد. والجأبة: الأتان الغليظة. والجأب أيضا، مهموز: المغرة. وقال عنترة:
فنجا أمام رماحهنّ كأنّهفوت الأسنة حافر الجأب
شبّهه بما عليه من لطوخ الدّماء برجل يحفر في معدن المغرة. والمغرة أيضا المكر. ولذلك قال أبو زبيد في صفة الأسد المخمر بالدماء:
يعاجيهم للشّرّ ثاني عطفهعنايته كأنّما بات يمكر
وأما قوله:
«والحية الصماء في جحرهاوالتّتفل الرائغ والذّرّ»
فالتتفل هو الثّعلب، وهو موصوف بالرّوغان والخبث، ويضرب به المثل في النّذالة والدناءة، كما يضرب به المثل في الخبث والرّوغان.
وقال طرفة:
وصاحب قد كنت صاحبتهلا ترك الله له واضحه
كلهم أروغ من ثعلبما أشبه اللّيلة بالبارحه
وقال دريد بن الصمّة:
ومرّة قد أدركتهم فتركتهميروغون بالغرّاء روغ الثّعالب
وقال أيضا:
ولست بثعلب، إن كان كونيدسّ برأسه في كلّ جحر
ولمّا قال أبو محجن الثّقفي لأصحاب النبي ﷺ، من حائط الطائف ما قال: قال له عمر بن الخطاب ﵁: «إنما أنت ثعلب في جحر، فابرز من الحصن إن كنت رجلا» !.
ومما قيل في ذلة الثعلب، قال بعض السّلف، حين وجد الثّعلبان بال على رأس صنمه:
إله يبول الثّعلّبان برأسهلقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب
فأرسلها مثلا. وقال دريد في مثل ذلك:
تمنّيتني قيس بن سعد سفاهةوأنت امرؤ لا تحتويك المقانب
وأنت امرؤ جعد القفا متعكّسمن الأقط الحوليّ شبعان كانب
إذا انتسبوا لم يعرفوا غير ثعلبإليهم، ومن شرّ السّباع الثعالب
وأنشدوا في مثل ذلك:
ما أعجب الدّهر في تصرّفهوالدّهر لا تنقضي عجائبه
يبسط آمالنا فنبسطهاودون آمالنا نوائبه
وكم رأينا في الدّهر من أسدبالت على رأسه ثعالبه
ففي الثّعلب جلده، وهو كريم الوبر، وليس في الوبر أغلى من الثعلب الأسود.
وهو ضروب، ومنه الأبيض الذي لا يفصل بينه وبين الفنك، ومنه الخلنجيّ، وهو الأعمّ.
ومن أعاجيبه أن نضيّه، وهو قضيبه في خلقة الأنبوبة، أحد شطريه عظم في صورة المثقب، والآخر عصب ولحم، ولذلك قال بشر بن المعتمر:
والتّتفل الرائغ إمّا نضافشطر أنبوب على شطر
وهو سبع جبان جدّا، ولكنّه لفرط الخبث والحيلة يجري مع كبار السّباع.
وزعم أعرابيّ ممن يسمع منه، أنّه طارده مرّة بكلاب له، فراوغه حتّى صار في خمر، ومرّ بمكانه فرأى ثعلبا ميّتا، وإذا هو قد زكر بطنه ونفخه، فوهّمه أنّه قد مات من يوم أو يومين. قال: فتعدّيته وشمّ رائحة الكلاب فوثب وثبة فصار في صحراء.
وفي حديث العامّة أنّه لما كثرت البراغيث في فروته، تناول بفيه إمّا صوفة وإمّا ليقة، ثم أدخل رجليه في الماء، فترفّعت عن ذلك الموضع، فما زال يغمس بدنه أوّلا
فأوّلا حتّى اجتمعن في خطمه، فلمّا غمس خطمه أوّلا فأوّلا اجتمعن في الصّوفة، فإذا علم أنّ الصّوفة قد اشتملت عليهنّ تركها في الماء ووثب، فإذا هو خارج عن جميعها.
فإن كان هذا الحديث حقّا فما أعجبه. وإن كان باطلا فإنّهم لم يجعلوه له إلّا للفضيلة التي فيه، من الخبث والكيس.
وإذا مشى الفرس مشيا شبيها بمشي الثعلب قالوا: مشى الثّعلبيّة قال الراعي:
وغملى نصيّ بالمتان كأنّهاثعالب موتى جلدها قد تسلّعا
وقال الأصمعيّ: سرق هذا المعنى من طفيل الغنويّ ولم يجد السّرق.
وفي تشبيه بعض مشيته قال المرّار بن منقذ:
صفة الثّعلب أدنى جريهوإذا يركض يعفور أشر
وقال امرؤ القيس:
له أيطلا ظبي وساقا نعامةوإرخاء سرحان وتقريب تتفل
والبيت الذي ذكره الأصمعيّ لطفيل الغنوي، أنّ الرّاعي سرق معناه هو قوله:
وغملى نصيّ بالمتان كأنّهاثعالب موتى جلدها لم ينزع
وأنشدوا في جبنه قول زهير بن أبي سلمى:
وبلدة لا ترام خائفةزوراء مغبّرة جوانبها
تسمع للجنّ عازفين بهاتصيح من رهبة ثعالبها
كلّفتها عرمسا عذافرةذات هباب فعما مناكبها
تراقب المحصد الممرّ إذاهاجرة لم تقل جنادبها
والذي عندي أنّ زهيرا قد وصف الثّعلب بشدّة القلب، لأنهم إذا هوّلوا بذكر الظّلمة الوحشيّة والغيلان، لم يذكروا إلّا فزع من لا يكاد يفزع، لأنّ الشاعر قد وصف نفسه بالجراءة على قطع هذه الأرض في هذه الحال.
وفي استنذاله وجبنه قالت أمّ سالم لابنها معمر:
أرى معمرا لا زيّن الله معمراولا زانه من زائر يتقرّب
أعاديتنا عاداك عزّ وذلّةكأنك في السّربال إذ جئت ثعلب
فلم تر عيني زائرا مثل معمرأحقّ بأن يجنى عليه ويضرب
وقال عقيل بن علفة:
تأمّل لما قد نال أمّك هجرسفإنّك عبد يا زميل ذليل
وإني متى أضربك بالسّيف ضربةأصبّح بني عمرو وأنت قتيل
الهجرس: ولد الثّعلب. قال: وكيف يصطاد وهو على هذه الصّفة؟
فأنشد شعر ابن ميّادة:
ألم تر أنّ الوحش يخدع مرّةويخدع أحيانا فيصطاد نورها
بلى، وضواري الصّيد تخفق مرّةوإن فرهت عقبانها ونسورها
قال: وسألت عنه بعض الفقهاء فقال: قيل لابن عبّاس: كيف تزعمون أنّ سليمان بن داود ﵉ كان إذا صار في البراري، حيث لا ماء ولا شجر، فاحتاج إلى الماء، دلّه على مكانه الهدهد، ونحن نغطّي له الفخّ بالتراب الرّقيق، ونبرز له الطّعم، فيقع فيه جهلا بما تحت ذلك التراب، وهو يدلّ على الماء في قعر الأرض الذي لا يوصل إليه إلّا بأن يحفر عليه القيّم الكيّس؟
قال: فقال ابن عبّاس ﵄: «إذا جاء القدر لم ينفع الحذر».
وأنشدوا:
خير الصديق هو الصّدوق مقالةوكذاك شرّهم الميون الأكذب
فإذا غدوت له تريد نجازهبالوعد راغ كما يروغ الثّعلب
وقال حسّان بن ثابت ﵁:
بني عابد شاهت وجوه الأعابدبطاء عن المعروف يوم التّزايد
فما كان صيفيّ يفي بأمانةقفا ثعلب أعيا ببعض المراصد
وأنشد:
ويشربه مذقا ويسقي عيالهسجاجا كأقراب الثّعالب أورقا
وقال مالك بن مرداس:
يا أيّها ذا الموعدي بالضرّلا تلعبنّ لعبة المغترّ
أخاف أن تكون مثل هرّأو ثعلب أضيع بعد حرّ
هاجت به مخيلة الأظفرعسراء في يوم شمال قرّ
يجول منها لثق الذعربصرد ليس بذي محجر
تنفض أعلى فروه المغبرّتنفضّ منها نابها بشزر
نفضا كلون الشره المخمر
المخيلة: العقاب الذّكر الأشبث. صرد: مكان مطمئن.
وقال اليقطري: كان اسم أبي الضّريس دينارا فقال له مولاه: يا دنينير! فقال:
أتصغّرني وأنت من بني مخيلة، والعقاب الذّكر بدرهم، والأنثى بنصف درهم، وأنا ثمني عشرة دراهم
ومن أشدّ سلاح الثّعلب عندكم الرّوغان والتّماوت، وسلاحه أنتن وألزج وأكثر من سلاح الحبارى.
وقالت العرب: «أدهى [من ثعلب]، وأنتن من سلاح الثّعلب».
وله عجيبة في طلب مقتل القنقذ، وذلك إذا لقيه فأمكنه من ظهره بال عليه.
فإذا فعل ذلك به ينبسط فعند ذلك يقبض على مراقّ بطنه.
ومن العجب في قسمة الأرزاق أنّ الذّئب يصيد الثّعلب فيأكله، ويصيد الثّعلب القنقذ فيأكله، ويريغ القنفذ الأفعى فيأكلها. وكذلك صنيعه في الحيّات ما لم تعظم الحيّة. والحيّة تصيد العصفور فتأكله، والعصفور يصيد الجراد فيأكله، والجراد يلتمس فراخ الزّنابير وكلّ شيء يكون أفحوصه على المستوي، والزّنبور يصيد النّحلة فيأكلها، والنّحلة تصيد الذبابة فتأكلها، والذبابة تصيد البعوضة فتأكلها.
وأمّا قوله:
«وإلقة ترغث ربّاحهاوالسّهل والنّوفل والنضر»
فالإلقة ها هنا القردة. ترغث: ترضع. والرّبّاح: ولد القردة. والسّهل: الغراب.
والنّوفل:. والنّضر: [الذهب]. وكلّ جريّة من النّساء وغير ذلك فهي إلقة. وأنشدني بشر بن المعتمر لرؤبة:
جدّ وجدّت إلقة من الإلق
وقد ذكرنا الهقل وشأنه في الجمر والصّخر، وأكل الضّبّ أولاده، في موضعه من هذا الكتاب وكذلك قوله في العترفان، وهو الديك الذي يؤثر الدّجاج بالحبّ، وكأنّه منجّم أو صاحب أسطرلاب. وذكرنا أيضا ما في الجراد في موضعه. ولسنا نعيد ذكر ذلك، وإن كان مذكورا في شعر بشر.
وأمّا قوله:
« [جرادة تخرق متن الصفا]وأبغث يصطاده صقر»
ثم قال:
«سلاحه رمح فما عذرهوقد عراه دونه الذعر»
يقول: بدن الأبغث أعظم من بدن الصقر، وهو أشدّ منه شدّة، ومنقاره كسنان الرّمح في الطول والذّرب. وربّما تجلّى له الصّقر والشّاهين فعلق الشّجر والعرار، وهتك كلّ شيء. يقول: فقد اجتمعت فيه خصال في الظّاهر معينة له عليه. ولولا أنّه على حال يعلم أنّ الصّقر إنما يأتيه [قبلا] ودبرا، واعتراضا، ومن عل، وأنه قد
أعطى في سلاحه وكفّه فضل قوّة لما استخذى له، ولما أطمعه بهربه، حتّى صارت جرأته عليه بأضعاف ما كانت.
قال بعض بني مروان في قتل عبد الملك عمرو بن سعيد:
كأنّ بني مروان إذ يقتلونهبغاث من الطّير اجتمعن على صقر
وأمّا قوله:
«والدّبّ والقرد إذا علّماوالفيل والكلبة واليعر»
فإن الحيوان الذي يلقن ويحكي ويكيس ويعلّم فيزداد بالتّعليم في هذه التي ذكرنا، وهي الدّبّ والقرد، والفيل، والكلب.
وقوله: اليعر، يعني صغار الغنم. ولعمري أنّ في المكّيّة والحبشيّة لعبا.
وأمّا قوله:
«وظبية تخضم في حنظلوعقرب يعجبها التّمر»
ففي الظّبي أعاجيب من هذا الضرب، وذلك أنّه ربّما رعى الحنظل، فتراه يقبض ويعضّ على نصف حنظلة فيقدّها قد الخسفة فيمضغ ذلك النصف وماؤه يسيل من شدقيه، وأنت ترى فيه الاستلذاذ له، والاستحلاء لطعمه.
وخبرني أبو محجن العنزيّ، خال أبي العميثل الرّاجز، قال: كنت أرى بأنطاكية الظّبي يرد البحر، ويشرب المالح الأجاج.
والعقرب ترمي بنفسها في التّمر. وإنّما تطلب النّوى المنقع في قعر الإناء.
فأيّ شيء أعجب من حيوان يستعذب ملوحة البحر، ويستحلي مرارة الحنظل.
وسنذكر خصال الظّبي في الباب الذي يقع فيه ذكره إن شاء الله تعالى. ولسنا نذكر شأن الضبّ والنّمل، والجعل والرّوث والورد لأنّا قد ذكرناه مرّة.
وأمّا قوله:
«وفأرة البيش إمام لهاوالخلد فيه عجب هتر»
فإن فأرة البيش دويبة تشبة الفأرة، وليست بفأرة، ولكن هكذا تسمّى. وهي تكون في العياض والرّياض ومنابت الأهضام. وفيها سموم كثيرة، كقرون السّنبل، وما في القسط. فهي تتخلّل تلك الأهضام، وتطلب السّموم وتغتذيها. والبيش:
اسم لبعض السّموم. وهذا ممّا يعجب منه.
وقد ذكرنا شأن القنقذ والحيّة في باب القول في الحيّات.
وأمّا قوله:
«وعضرفوط ما له قبلة»
فهو أيضا عندهم من مطايا الجنّ. وقد ذكره أيمن بن خريم فقال:
وخيل غزالة تنتابهمتجوب العراق وتجبي النّبيطا
تكرّ وتجحر فرسانهمكما أجحر الحيّة العضرفوطا
لأن العضرفوط دويبّة صفيرة ضعيفة، والحيّات تأكلها وتغصبها أنفسها.
وأنشدوا على ألسنة الجنّ:
ومن عضرفوط حطّ بي فأقمتهيبادر وردا من عظاء قوارب
وأمّا قوله:
«وهدهد يكفره بكر»
فإنّما ذلك لأنّه كان حاجّ بكر ابن أخت عبد الواحد [صاحب] البكريّة، فقال له: أتخبر عن حال الهدهد بخبر؟ إنه كان يعرف طاعة الله ﷿ من معصيته، وقد ترك موضعه وسار إلى بلاد سبأ، وهو وإن أطرف سليمان بذلك الخبر وقبله منه فإنّ ذنبه في ترك موضعه الذي وكلّ به، وجولانه في البلدان على حاله. ولا يكون ذلك مما يجعل ذنبه السابق إحسانا. والمعصية لا تنقلب طاعة، فلم لا تشهد عليه بالنّفاق؟ قال: فإني أفعل! قال: فحكى ذلك عنه فقال: أمّا هو فقد كان سلم على سليمان وقد كان قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
، فلمّا أتاه بذلك الخبر، رأى أنّه قد أدلى بحجّة، فلم يعذّبه، ولم يذبحه.
فإن كان ذنبه على حاله، فكيف يكون ما هجم عليه ممّا لم يرسل فيه ولم يقصد له حجّة؟ وكيف يبقي هذا عليه.
وبكر يزعم أن الأطفال والبهائم لا تأثم، ولا يجوز أن يؤثم الله تعالى إلّا المسيئين. فقال بشر لبكر: بأيّ شيء تستدلّ على أنّ المسيء يعلم أنه مسيء؟
قال: بخجله، واعتذاره بتوبته. قال: فإنّ العقرب متى لسعت فرّت من خوف القتل، وهذا يدلّ على أنّها جانية، وأنت تزعم أنّ كلّ شيء عاص كافر، فينبغي للعقرب أن تكون كافرة، إذا لم يكن لها عذر في الإساءة.
وأمّا قوله:
«والببر فيه عجب عاجبإذا تلاقى الليث والنّمر»
لأنّ الببر مسالم للأسد، والنّمر يطالبه، فإذا التقيا أعان الببر الأسد.
وأمّا قوله:
«وطائر أشرف ذو جردةوطائر ليس له وكر»
فإنّ الأشرف من الطّير الخفّاش، لأنّ لآذانها حجما ظاهرا. وهو متجرّد من الزّغب والرّيش، وهو يلد.
والطّائر الذي ليس له وكر، هو طائر يخبر عنه البحريّون أنّه لا يسقط إلّا ريثما يجعل لبيضه أدحيّا من تراب، ويغطّي عليه، ويطير في الهواء أبدا حتّى يموت. وإن لقى ذكر أنثى تسافدا في الهواء. وبيضه يتفقص من نفسه عند انتهاء مدّته، فإذا أطاق فرخه الطّيران كان كأبويه في عاداتهما.
وأمّا قوله:
«وثرمل تأوي إلى دوبلوعسكر يتبعه النسر
يسالم الضّبع بذي مرةأبرمها في الرحم العمر»
فالثرملة: أنثى الثّعالب، وهي مسالمة للدّوبل. وأمّا قوله:
وعسكر يتبعه النّسر
فإن النسور تتبع العساكر، وتتبع الرّفاق ذوات الإبل، وقد تفعل ذلك العقبان، وتفعله الرّخم. وقد قال النّابغة:
وثقت له بالنّصر إذ قيل له قد غدتكتائب من غسّان غير أشائب
بنو عمّه دنيا، وعمرو بن عامرأولئك قوم بأسهم غير كاذب
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهمعصائب طير تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيلهإذا ما التقى الجمعان أوّل غالب
تراهنّ خلف القوم خزرا عيونهاجلوس الشّيوخ في مسوك الأرانب
والأصمعي يروي: «جلوس الشيوخ في ثياب المرانب».
وسباع الطير كذلك في اتباع العساكر. وأنا أرى ذلك من الطمع في القتلى، وفي الرّذايا والحسرى، أو في الجهيض وما يجرح.
وقد قال النّابغة:
سماما تباري الرّيح خصوما عيونهالهنّ رذايا بالطّريق ودائع
وقال الشاعر:
يشقّ سماحيق السّلا عن جنينهاأخو قفرة بادي السّغابة أطحل
وقال حميد بن ثور في صفة ذئب:
إذا ما بدا يوما رأيت غيايةمن الطير ينظرن الذي هو صانع
لأنّه لا محالة حين يسعى وهو جائع، سوف يقع على سبع أضعف منه أو على بهيمة ليس دونها مانع.
وقد أكثر الشّعراء في هذا الباب حتّى أطنب بعض المحدثين وهو مسلم بن الوليد بن يزيد فقال:
يكسو السيوف نفوس الناكثين بهويجعل الهام تيجان القنا الذّبل
قد عوّد الطّير عادات وثقن بهافهنّ يتبعنه في كلّ مرتحل
ولا نعلم أحدا منهم أسرف في هذا القول وقال قولا يرغب عنه إلا النابغة، فإنّه قال:
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيلهإذا ما التقى الجمعان أوّل غالب
وهذا لا نثبته.
وليس عند الطّير والسّباع في اتّباع الجموع إلّا ما يسقط من ركابهم ودوابّهم وتوقّع القتل، إذ كانوا قد رأوا من تلك الجموع مرّة أو مرارا. فأمّا أن تقصد بالأمل واليقين إلى أحد الجمعين، فهذا ما لم يقله أحد.
وقد أكثر الشّعراء في ذكر النسور، وأكثر ذلك قالوا في لبد.
قال النّابغة:
أضحت خلاء وأمسى أهلها احتملواأخنى عليها الذي أخني على لبد
فضربه مثلا في طول السّلامة. وقال لبيد:
لما رأى صبح سواد خليلهمن بين قائم سيفه والمحمل
صبّحن صبحا يوم حقّ حذارهفأصاب صبحا قائما لم يعقل
فالتفّ منقصفا وأضحى نجمهبين التراب وبين حنو الكلكل
ولقد جرى لبد فأدرك جريهريب الزّمان وكان غير مثقّل
لما رأى لبد النسور تطايرترفع القوادم كالفقير الأعزل
من تحته لقمان يرجو نفعهولقد رأى لقمان أن لم يأتل
وإن أحسنت الأوائل في ذلك فقد أحسن بعض المحدثين وهو الخزرجي في ذكر النّسر وضرب المثل به وبلبد وصحّة بدن الغراب، حيث ذكر طول عمر معاذ بن مسلم بن رجاء، مولى القعقاع بن شور [وكان من المعمرين، طعن في السن مائة وعشرين سنة]. وهو قوله:
إنّ معاذ بن مسلم رجلقد ضجّ من طول عمره الأبد
قد شاب رأس الزّمان واختضب الدّهر وأثواب عمره جدد
يا نسر لقمان كم تعيش وكمتلبس ثوب الحياة يا لبد
قد أصبحت دار آدم خربتوأنت فيها كأنّك الوتد
تسأل عربانها إذا حجلتكيف يكون الصّداع والرّمد
وما تعلق بالسّحاب من الغيم يشبّه بالنّعام، وما تراكب عليه يشبّه بالنسور. قال الشاعر:
خليليّ لا تستسلما وادعوا الذيله كلّ أمر أن يصوب ربيع
حيا لبلاد أنفذ المحل عودهاوجبر لعظم في شظاه صدوع
بمستنضر غرّ النّشاص كأنّهاجبال عليهنّ النسور وقوع
عسى أن يحلّ الحيّ جزعا وإنهاوعلّ النوى بالظّاعنين تريع
وشبّه العجير السّلوليّ شيوخا على باب بعض الملوك بالنسور، فقال:
فمنهن إسآدي على ضوء كوكبله من عمانيّ النّجوم نظير
ومنهن قرعي كلّ باب كأنّمابه القوم يرجون الأذين نسور
إلى فطن يستخرج القلب طرفهله فوق أعواد السّرير زئير
وذكرت امرأة من هذيل قتيلا فقالت:
تمشى النسور إليه وهي لاهيةمشي العذارى عليهنّ الجلابيب
تقول: هي آمنة أن تذعر ومدح بعض الشّعراء عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ فقال:
وعند الكلابيّ الذي حلّ بيتهبجوّ شخاب ماضر وصبوح
ومكسورة حمر كأنّ متونهانسور إلى جنب الخوان جنوح
مكسورة: يعني وسائد مثنيّة. وقال ابن ميّادة:
ورجعت من بعد الشّباب وعصرهشيخا أزبّ كأنّه نسر
وقال طرفة:
فلأمنعنّ منابت الضّمران إذ منع النسور
وفي كتاب كليلة ودمنة: «وكن كالنّسر حوله الجيف، ولا تكن كالجيف حولها النسور». فاعترض على ترجمة ابن المقفّع بعض المتكلّفين من فتيان الكتّاب فقال: إنما كان ينبغي أن يقول: «كن كالضّرس حفّ بالتّحف، ولا تكن كالهبرة تطيف بها الأكلة»: وأطنّه أراد الضّروس فقال الضّرس. وهذا من الاعتراض عجب.
ويوصف النسر بشدّة الارتفاع، حتّى ألحقوه بالأنوق، وهي الرّخمة.
وقال عديّ بن زيد:
فوق علياء لا ينال ذراهايلغب النّسر دونها والأنوق
وأنشدوا في ذلك:
أهل الدّناءة في مجالسهمالطّيش والعوراء والهذر
يدنون ما سألوا وإن سئلوافهم مع العيّوق والنّسر
وقال زيد بن بشر التّغلبي، في قتل عمير بن الحباب:
لا يجوزنّ أرضنا مضريّبخفير ولا بغير خفير
طحنت تغلب هوازن طحناوألحّت على بني منصور
يوم تردى الكماة حول عميرحجلان النسور حول جزور
وقال جميل:
وما صائب من نابل قذفت بهيد وممرّ العقدتين وثيق
له من خوافي النّسر حمّ نظائرونصل كنصل الزّاعبيّ رقيق
على نبعة زوراء أمّا خطامهافمتن وأمّا عودها فعتيق
بأوشك قتلا منك يوم رميتنينوافذ لم تظهر لهن خروق
فلم أر حربا يا بثين كحربناتكشّف غمّاها وأنت صديق
وأما قوله:
«يسالم الضّبع بذي مرّةأبرمها في الرّحم العمر»
لأنّ النّسر طير ثقيل، عظيم شره رغيب نهم. فإذا سقط على الجيفة وتملأ لم يستطع الطّيران حتى يثب وثبات، ثمّ يدور حول مسقطه مرارا، ويسقط في ذلك، فلا يزال يرفع نفسه طبقة طبقة في الهواء حتى يدخل تحته الرّيح. فكلّ من صادفه وقد بطن وتملأ، ضربه إن شاء بعصا، وإن شاء بحجر، حتّى ربما اصطاده الضّعيف من الناس.
وهو مع ذلك يشارك الضّبع في فريسة الضبع، ولا يثب عليه، مع معرفته بعجزه عن الطّيران.
وزعم أنّ ثقته بطول العمر هو الذي جرّأه على ذلك.
ويقال: هوت العقاب تهوي هويّا: إذا انقضّت على صيد أو غيره ما لم ترغه، فإذا أراغته قيل أهوت له إهواء. والإهواء أيضا التّناول باليد. والإراغة أن يذهب بالصيد هكذا وهكذا.
ويقال دوّم الطائر في جوّ السّماء، وهو يدوّم تدويما: إذا دار في السماء ولا يحرك جناحيه.
ويقال نسره بالمنسر. وقال العجّاج:
شاكي الكلاليب إذا أهوى ظفركعابر الرؤوس منها أو نسر
والنسر ذو منسر، وليس بذي مخلب، وإنما له أظفار كأظفار الدّجاج.
وليس له سلاح، إنّما يقوى بقوّة بدنه وعظمه. وهو سبع لئيم عديم السّلاح، وليس من أحرار الطير وعتاقها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع