من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
أشعار فيها أخلاط من السباع والوحش والحشرات
قال مسعود بن كبير الجرمي، من طيئ، يقولها في حمار اشتراه فوجده على خلاف ما وصفه به النخّاس:
إنّ أبا الخرشن شيء هنبمعجّب ما يحتويه العجب
قد قلت لما أن أجدّ الرّكبواعتر القوم صحار رحب
يا أجنح الأذن ألا تخبّأهانك الله فبئس النّجب
ما كان لي إذ أشتريك قلببلى ولكن ضاع ثمّ اللّبّ
إن الذي باعك خبّ ضبّأخبرني أنّك عير ندب
وشرّ ما قال الرّجال الكذبصبّ عليه ضبع وذئب
سرحانة وجيأل قرشبّذيخ عدته رملة وهضب
كأنه تحت الظّلام سقبيأخذ منه من رآه الرّعب
أبو جراء مسّهنّ السّغبحتّى يقال حيث أفضى السحب
وأنت نفّاق هناك ضبّوصبّح الراعي مجرّا وغب
ورخات بينهنّ كعبوأكرع العير وفرث رطب
تقول: أدنوني إلى شرائه، ويقال ثرية لقيك لغة طائيّة.
وقال قرواش بن حوط:
نبّئت أن عقالا بن خويلدبنعاف ذي عدم وأنّ الأعلما
ضبعا مجاهرة وليثا هدنةوثعيلبا خمر إذا ماء أظلما
لا تسأماني من رسيس عداوةأبدا فلست بسائم إن تسأما
غضّا الوعيد فما أكون لموعديفيئا ولا أكلا له متخضّما
فمتى ألاقكما البراز تلاقياعركا يفلّ الحدّ شاكا معلما
قال: وقال العدبّس الكنانيّ: والوحرة دويبّة كالعظاءة حمراء إذا اجتمعت تلصق بالأرض، وجمع وحرة وحر، مفتوحة الحاء، ومنه قيل وحر الصّدر، كما قيل للحقد ضبّ؛ ذهبوا إلى لزوقه بالصّدر كالتزاق الوحرة بالأرض، وأنشد:
بئس عمر الله، قوم طرقوافقروا أضيافهم لحما وحر
وسقوهم في إناء مقرفلبنا من درّ مخراط فئر
يقال لحم وحر: إذا دبّت عليه الوحرة، مقرف: موبئ. ويقال فئر: إذا وقعت فيه فارة. وقال الحكميّ:
بأرض باعد الرّحمن عنها الطّلح والعشرا
ولم يجعل مصايدهايرابيعا ولا وحرا
وأمّا قوله:
«وهيشة تأكلها سرفةوسمع ذئب همّه الحضر»
فالهيشة أم حبين، وأنشد:
أشكو إليك زمانا قد تعرّقناكما تعرّق رأس الهيشة الذّيب
وأمّ جبين وأمّ حبينة سواء، وقد ذكرنا شأنها في صدر هذا الكتاب. ويقال إنّها لا تقيم بمكان تكون فيه هذه الدّودة التي يقال لها السّرفة، وإليها ينتهي المثل في الصّنعة، ويقال: «أصنع من سرفة». ويقال إنّها تقوم من أمّ حبين مقام القراد من
البعير، إذا كانت أمّ حبين في الأرض التي تكون فيها هذه الدّودة.
قال: وقال مدنيّ لأعرابي: أتأكلون الضّبّ؟ قال: نعم. قال: فاليربوع؟ قال:
نعم. قال: فالوحرة؟ قال: نعم. حتّى عدّ أجناسا كثيرة من هذه الحشرات. قال أفتأكلون أمّ حبين؟ قال: لا. قال: «فلتهن أمّ حبين العافية».
قال ابن أبي كريمة: سأل عمرو بن كريمة أعرابيّا- وأنا عنده- فقال:
أتأكلون القرنبى؟ قال: طال والله ما سال ماؤه على شدقي!.
وزعم أبو زيد النحويّ سعيد بن أوس الأنصاريّ، قال: دخلت على رؤبة وإذا قدّامه كانون، وهو يملّ على جمره جرذا من جرذان البيت، يخرج الواحد بعد الواحد فيأكله، ويقول: هذا أطيب من اليربوع! يأكل التّمر والجبن، ويحسو الزّيت والسّمن.
وأنشد:
ترى التّيميّ يزحف كالقرنبىإلى تيميّة كقفا القدّوم
وقال آخر:
يدبّ على أحشائها كلّ ليلةدبيب القرنبى بات يعلو نقا سهلا
قال: واليربوع دابّة كالجرذ، منكبّ على صدره؛ لقصر يديه طويل الرّجلين، له ذنب كذنب الجرذ يرفعه في الصعداء إذا هرول. وإذا رأيته كذلك رأيت فيه اضطرابا وعجبا. والأعراب تأكله في الجهد وفي الخصب.
قال: وكلّ دابّة حشاها الله تعالى خبثا فهو قصير اليدين، فإذا خافت شيئا لاذت بالصّعداء فلا يكاد يلحقها شيء.
قال: وأخبرني ابن أبي نجيح وكان حجّ مع المسيّب بن شريك عام حجّ المهديّ [مع] سلسبيل، قال: زاملت المسيّب في حجّته تلك، فبينا نحن نسير إذ نظرنا إلى يربوع يتخلل فراسن الإبل، فصاح بغلمانه: دونكم اليربوع! فأحضروا في إثره فأخذوه. فلمّا حططنا قال: اذبحوه. ثمّ قال: اسلخوه واشووه وائتوني به في غدائي. قال: فأتي به في آخر الغداء، على رغيف قد رعّبوه فهو أشدّ حمرة من الزّهوة،- يريد البسرة- فعطف عليه فثنى الرّغيف ثم غمزه بين راحتيه ثم فرج الرغيف، فإذا هو قد أخذ من دسمه، فوضعه بين يديه، ثمّ تناول اليربوع فنزع فخذا منه، فتناولها ثم قال: كل يا أبا محمد! فقلت: ما لي به حاجة! فضحك ثم جعل يأتي عليه عضوا عضوا.
قال: وأمّا أمّ حبين فهي الهيشة، وهي أم الحبين، وهي دويبة تأكلها الأعراب مثل الحرباء، إلّا أنّها أصغر منها، وهي كدراء لسواد بيضاء البطن. وهو خلاف قول الأعرابيّ للمدني.
وقال أعرابيّ لسهل بن هارون، في تواري سهل من غرمائه وطلبهم له طلبا شديدا؛ فأوصاه الأعرابيّ بالحزم وتدبير اليربوع، فقال:
انزل أبا عمرو على حدّ قريةتزيغ إلى سهل كثير السّلائق
وخذ نفق اليربوع واسلك سبيلهودع عنك إني ناطق وابن ناطق
وكن كأبي قطن على كلّ زائغله منزل في ضيق العرض شاهق
وإنّما قال ذلك لاحتيال اليربوع بأبوابه التي يخرج من بعضها، إذا ارتاب بالبعض الآخر. وكذا كانت دار أبي قطنة الخناق بالكوفة في كندة، ويزعمون أنّه كان مولى لهم. وأنشد أبو عبيدة قال: أنشدني سفيان بن عيينة:
إذ ما سرّك العيشفلا تمرر على كنده
وقد قتل أبو قطنة وصلب.
وممّن كان يخنق النّاس بالمدينة عديّة المدنيّة الصّفراء، وبالبصرة، رادويه.
والمرميّون بالخنق من القبائل وأصحاب النّحل والتأويلات هم الذين ذكرهم أعشى همدان في قوله:
إذا سرت في عجل فسر في صحابةوكندة فاحذرها حذارك للخسف
وفي شيعة الأعمى خناق وغيلةوقشب وإعمال لجندلة القذف
وكلّهم شرّ، على أنّ رأسهمحميدة والميلاء حاضنة الكسف
متى كنت في حيّي بجيلة فاستمعفإنّ لها قصفا يدلّ على حتف
إذا اعتزموا يوما على قتل زائرتداعوا عليه بالنّباح وبالعزف
وذلك أن الخناقين لا يسيرون إلّا معا، ولا يقيمون في الأمصار إلّا كذلك. فإذا عزم أهل دار على خنق إنسان كانت العلامة بينهم الضرب على دفّ أو طبل، على ما يكون في دور الناس، وعندهم كلاب مرتبطة فإذا تجاوبوا بالعزف ليختفي الصّوت ضربوا تلك الكلاب فنبحت. وربّما كان منهم معلّم يؤدّب في الدّرب، فإذا سمع تلك الأصوات أمر الصّبيان برفع الهجاء والقراءة والحساب.
وأما الأعمى فهو المغيرة بن سعيد صاحب المغيرية، مولى بجيلة والخارج على
خالد بن عبد الله القسري. ومن أجل خروجه عليه قال: «أطعموني ماء» حتى نعى عليه ذلك يحيى بن نوفل، فقال:
تقول من النّواكة أطعمونيشرابا ثمّ بلت على السّرير
لأعلاج ثمانية وشيخكليل الحدّ ذي بصر ضرير
وأمّا حميدة، فكانت من أصحاب ليلى الناعظية، ولها رياسة في الغالية.
والميلاء حاضنة أبي منصور صاحب المنصوريّة، وهو الكسف، قالت الغالية: إيّاه عنى الله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ
وإيّاه عنى معدان الأعمى حيث يقول:
إنّ ذا الكسف صدّ آل كميلوكميل رذل من الأرذال
تركا بالعراق داء دويّاضلّ فيه تلطّف المحتال
وأمّا قوله:
انزل أبا عمرو على حدّ قريةتزيغ إلى سهل كثير السّلائق
فأراد الهرب؛ لأنه متى كان في ظهر فظّ كثير الجوادّ والطرائق. كان أمكر وأخفى. وما أحسن ما قال النابغة في صفة الطّريق إذا كان يتشعّب، حيث يقول:
وناجية عدّيت في ظهر لاحبكسحل اليماني، قاصدا للمناهل
له خلج تهوي فرادى وترعويإلى كلّ ذي نيرين بادي الشّواكل
وهذا موضع اليربوع في تدبيره ومكره.
وقال الآخر في صفة اليربوع، وفي حيلته، وفي خلقه، وفي أكل الحشرات والحيات:
يا ربّ يربوع قصير الظّهروشاخص العجب ذليل الصّدر
ومحكم البيت جميع الأمريرعى أصول سلم وسدر ضحتّى تراه كمداد العكر
باكرته قبل طلوع الفجربكلّ فيّاض اليدين غمر
وكلّ قنّاص قليل الوفرمرتفع النّجم كريم النّجر
فعاذ منّي ببعيد القعرمختلف البطن عجيب الظهر
وتدمريّ قاصع في جحرفي العسر إن كان وبعد العسر
أطيب عندي من جنيّ التّمروشحمة الأرض طعام المثري
وكلّ جبار بعيد الذّكروهيشة أرفعها لفطري
ليوم حفل وليوم فخروكلّ شيء في الظلام يسري
من عقرب، أو قنفذ، أو وبرأو حيّة أملّها في الجمر
فتلك همّي وإليها أجريفي كلّ حال من غنى وفقر
وكلّ شيء لقضاء يجريوكلّ طير جاثم في وكر
وكلّ يعسوب وكلّ دبروالذّيخ والسّمع وذئب القفر
والكلب والتّتفل بعد الهرّوالضّبّ والحوت وطير البحر
والأعور النّاطق يوم الزّجرآكله غير الحرابي الخضر
أو جعل صلّى، صلاة العصريشكر إن نال قرى من جعر
يا ويله من شاكر ذي كفرأفسد والله عليّ شكري
فزعم أنّه يستطيب كلّ شيء إلّا الحرباء الذي قد اخضرّ من حرّ الشّمس وإلّا الجعل الذي يصلّي العصر. وزعم أنّه إنما جعل ذلك شكرا على ما أطعم من العذرة، وأنّ ذلك الشّكر هو اللّؤم والكفر.
ولا أعرف معنى صلاة الجعل. وقد روى ابن الأعرابي عن زاهر قال: «يا بنيّ لا تصلّ فإنّما يصلّي الجعل، ولا تصم فإنما يصوم الحمار ». وما فهمته بعد.
وأراه قد قدّم الهيشة، وهي أمّ حبين، وهذا خلاف مارووا عن الأعرابي والمدني.
وأمّا قوله:
وتدمريّ قاصع في جحر
فقد قال الشاعر:
وإنّي لأصطاد اليرابيع كلّهاشفاريّها والتّدمريّ المقصّعا
واليرابيع ضربان: الشّفاريّ والتّدمري، مثل الفتّي والمذكّي.
وقال جرير حين شبّه أشياء من المرأة بأشياء من الحشرات وغيرها وذكر فيها الجعل فقال:
ترى التّيميّ يزحف كالقرنبىإلى تيمية كعصا المليل
تشين الزّعفران عروس تيموتمشي مشية الجعل الدّحول
يقول المجتلون عروس تيمشوى أمّ الحبين ورأس فيل
وقال عبيد بن أيّوب العنبري، في ذكر اليربوع:
حملت عليها ما لو انّ حمامةتحمّله طارت به في الخفاخف
نطوعا وأنساعا وأشلاء مدنفبرى جسمه طول السّرى في المخاوف
فرحنا كما راحت قطاة تنوّرتلأزغب ملقى بين غبر صفاصف
ترى الطّير واليربوع يبحثن وطأهاوينقرن وطء المنسم المتقاذف
وقال ابن الأعرابيّ، وهو الذي أنشدنيه: «ترى الطير واليربوع» يعني أنّهما يبحثان في أثر خفّها ملجأ يلجآن إليه، إمّا لشدّة الحر، وإما لغير ذلك. وأنشد أصحابنا عن بعض الأعراب وشعرائهم أنّه قال في أمّه:
فما أمّ الرّدين وإن أدلّتبعالمة بأخلاق الكرام
إذا الشّيطان قصّع في قفاهاتنفّقناه بالحبل التؤام
يقول: إذا دخل الشّيطان في قاصعاء قفاها تنفقناه، أي أخرجناه من النافقاء، بالحبل المثنّى، وقد مثّل وقد أحسن في نعت الشّعر وإن لم يكن أحسن في العقوق.
وأنشد في قوس:
لا كّزة السّهم ولا قلوعيدرج تحت عجسها اليربوع
القلوع من القسي: التي إذا نزع فيها انقلبت على كفّ النازع. وأما قوله:
وأما قوله:
تخال به السّمع الأزلّ كأنّهإذا ما عدا
(البيت)
ويقولون: إن الضبع إذا هلكت قام بشأن جرائها الذّئب وقال الكميت:
كما خامرت في حضنها أمّ عامرلذي الحبل حتّى عال أوس عيالها
وأنشد أبو عبيدة في ذلك شعرا فسّر به المعنى، وهو قوله:
والذّئب يغذو بنات الذّيخ نافلةبل يحسب الذّئب أنّ النّجل للذّيب
يقول: لكثرة ما بين الذئاب والضباع من التّسافد يظن الذّئب أنّ أولاد الضبع أولاده.
والأمر في الأعراب عجب في أكل السّباع والحشرات، فمنهم من يظهر استطابتها، ومنهم من يفخر بأكلها، كالّذي يقول:
أيا أمّ عمرو ومن يكن عقر دارهجوار عديّ يأكل الحشرات
وأمّا قوله:
«لا ترد الماء أفاعي النّقالكنّها يعجبها الخمر
وفي ذرى الحرمل ظلّإذا علا واحتدم الهجر»
فإن من العجب أنّ الأفعى لا ترد الماء ولا تريده، وهي مع هذا إذا وجدت الخمر شربت حتّى تسكر حتّى ربّما كان ذلك سبب حتفها
والأفاعي تكره ريح السّذاب والشّيح، وتستريح إلى نبات الحرمل. وأمّا أنا فإنّي ألقيت على رأسها وأنفها من السّذاب ما غمرها فلم أر على ما قالوا دليلا.
وأمّا قوله:
«وبعضها طعم لبعض كماأعطى سهام الميسر القمر»
فإن الجرذ يخرج يلتمس الطّعم، فهو يحتال لطعمه، وهو يأكل ما دونه في القوّة، كنحو صغار الدّوابّ والطّير، وبيضها وفراخها، ومما لا يسكن في جحر، أو تكون أفاحيصه على وجه الأرض، فهو يحتال لذلك، ويحتال لمنع نفسه من الحيّات ومن سباع الطّير.
والحيّة تريغ الجرذ لتأكله، وتحتال أيضا للامتناع من الورل والقنفذ، وهما عليه أقوى منه عليهما. والورل إنما يحتال للحية، ويحتال للثّعلب، والثعلب يحتال لما دونه.
قال: وتخرج البعوضة لطلب الطّعم، والبعوضة تعرف بطبعها أنّ الذي يعيشها الدم، ومتى أبصرت الفيل والجاموس وما دونهما، علمت أنّما خلقت جلودهما لها غذاء، فتسقط عليهما وتطعن بخرطومها، ثقة منها بنفوذ سلاحها، وبهجومها على الدّم.
وتخرج الذّبابة ولها ضروب من المطعم، والبعوض من أكبرها صيدها وأحبّ غذائها إليها. ولولا الذّبان لكان ضرر البعوض نهارا أكثر.
وتخرج الوزغة والعنكبوت الذي يقال له الليث فيصيدان الذّباب بألطف حيلة، وأجود تدبير، ثم تذهب تلك أيضا كشأن غيرهما.
كأنه يقول: هذا مذهب في أكل الطّيبات بعضها لبعض. وليس لجميعها بدّ من الطّعم، ولا بدّ للصائد أن يصطاد، وكلّ ضعيف فهو يأكل أضعف منه، وكلّ قويّ فلا بدّ أن يأكله من هو أقوى منه، والنّاس بعضهم على بعض شبيه بذلك، وإن قصروا عن درك المقدار، فجعل الله ﷿ بعضها حياة لبعض، وبعضها موتا لبعض.
وقال المنهال:
ووثبة من خزز أعفروخرنق يلعب فوق التّراب
وعضرفوط قد تقوّى علىمحلولك البقة مثل الحباب
وظالم يعدو على ظالمقد ضجّ منه حشرات الشّعاب
وهذان الظّالمان اللذان عنى: الأسود، والأفعى، فإنّ الأسود إذا جاع ابتلع الأفعى.
وشكا إليّ حوّاء مرة فقال: أفقرني هذا الأسود، ومنعني الكسب، وذلك أنّ امرأتي جهلت فرمت به في جونة فيها أفاعي ثلاث أو أربع، فابتلعهنّ كلّهن، وأراني حيّة منكرة. ولا يبعد ما قال.
والعرب تقول للمسيء: «أظلم من حيّة». وقد ذكرنا ذلك في موضعه من هذا الكتاب.
ولا يستطيع أن يروم ذلك من الأفعى إلّا بأن يغتالها، فيقبض على رأسها وقفاها، فإنّ الأفعى تنفذ في الأسود، لكثرة دمه.
وإذا وصفوا سمّ الحيّة بالشدّة والإجهاز خبّروا عنها أنّه لم يبق في بدنها دم ولا بلّة، ولذلك قال الشاعر:
لو حزّ ما أخرجت منه يد بللاولو تكنّفه الراقون ما سمعا
وقال آخر:
لميمة من حنش أعمى أصمّقد عاش حتّى هو ما يمشي بدم
والشأن في السّلاح [أنّه] كلما كان أقلّ كان أبلغ، وكلما كان أكثر عددا وأشدّ ضررا كان أشجع وآخذ لكلّ من عرف أنه دونه. وأنشد أبو عبيدة:
مشي السّبنتى إلى هيجاء مفظعةله سلاحان أنياب وأظفار
كالأسد له فم الذّئب- وحسبك بفم الذّئب- وله فضل قوة المخالب.
وللنّسر منسر وقوّة بدن بهما فوق العقاب. ولذلك قال ابن مناذر:
أتجعل ليثا ذا عرين ترى لهنيوبا وأظفارا وعرسا وأشبلا
كآخر ذا ناب حديد ومخلبولم يتّخذ عرسا ولم يحم معقلا
وذلك أن فتيين تواجأا بالخناجر، أحدهما صبيريّ والآخر كلبيّ، فحملا إلى الأمير، فضرب الصّبيريّ مائة سوط، فلم يحمدوا صبره، وشغل عن الكلبي فضربه يوم العرض خمسمائة سوط، فصبر صبرا حمدوه، ففخر الكلبيّ بذلك على الصّبيري.
وابن مناذر مولى سليمان بن عبيد بن علّان بن شمّاس الصّبيري. فقال هذا الشعر. ومعناه أنّ شجاعا لو لقي الأسد وهو مسلّح، بأرض هو بها غريب وليس هو بقرب غيضته وأشباله، لما كان معه، مما يتخذه، مثل الذي يكون معه في الحال الأخرى. يقول: وإنما صبر صاحبكم لأنّه إنما ضرب بحضرة الأكفاء والأصدقاء والأعداء، فكان هذا مما أعانه على الصّبر. وضرب صاحبنا في الخلاء، وقد وكل إلى مقدار جودة نفسه، وقطعت المادة بحضور البطالة.
وسمعت حمدان أبا العقب، وهو يقول لغلام له، وكيف لا تستطيل عليّ وقد ضربوك بين النّاس خمسين سوطا فلم تنطق؟! فقلت: إذا ضربه السّجّان مائة قناة في مكان ليس فيه أحد فصبر فهو أصبر النّاس.
وأمّا قوله: «مشي السّبنتى»، فإن السّبنتى هو النمر، ثمّ صار اسما لكلّ سبع جريء، ثم صاروا يسمّون الناقة القوية سبنتاة. قال الشّاعر:
مشي السّبتى وجد السّبنتى
وأمّا قوله:
«وتمسح النّيل عقاب الهواوالليث رأس وله الأسر
ثلاثة ليس لهم غالبإلّا بما ينتقض الدّهر»
فإنّهم يزعمون أنّ الهواء للعقاب، والأرض للأسد، والماء للتّمساح. وليس للنّار حظّ في شيء من أجناس الحيوان: فكأنّه سلّم الرياسة على جميع الدّنيا للعقاب والأسد والتمساح؛ ولم يمد الهواء، وقصر الممدود أحسن من مدّ المقصور.
وروت المعتزلة المذكورون كلّهم رواية عامّة الأشعار، وكان بشر أرواهم للشّعر خاصّة.
وقولهم: الطائر هوائيّ، والسمك مائيّ، مجاز كلام، وكلّ حيوان في الأرض فهو أرضيّ قبل أن يكون مائيّا أو هوائيا؛ لأنّ الطّائر وإن طار في الهواء فإنّ طيرانه فيه كسباحة الإنسان في الماء، وإنّما ذلك على التكلف والحيلة. ومتى صار في الأرض ودلّى نفسه لم يجد بدّا من الأرض.
وأمّا بقيّة القصيدة التي فيها ذكر الرّافضة والإباضيّة والنّابتة فليس هذا موضع تفسيره.
وسنقول في قصيدته الأخرى، بما أمكننا من القول إن شاء الله تعالى.
انقضت قصيدة بشر بن المعتمر الأولى.
وأمّا قوله:
«أوابد الوحش وأحناشها»
فإن الأوابد المقيمة، والأحناش الحيّات، ثم صار بعد الضبّ والورل والحرباء والوحرة وأشباه ذلك- من الأحناش.
وأما قوله:
«وكلّها شرّ وفي شرّهاخير كثير عند من يدري»
يقول: هي وإن كانت مؤذية وفيها قواتل فإن فيها دواء، وفيها عبرة لمن فكّر، وأذاها محنة واختبار. فبالاختبار يطيع النّاس، وبالطاعة يدخلون الجنّة.
وسئل علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، غير مرّة في علل نالته فقيل له:
كيف أصبحت؟ فقال: بشرّ. ذهب إلى قوله ﷿: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ
وأمّا قوله:
«فشرّهم أكثرهم حيلةكالذّئب والثّعلب والذّرّ»
فقد فسره لك في قوله:
«والليث قد بلّده علمهبما حوى من شدّة الأسر»
وهكذا كلّ من وثق بنفسه، وقلّت حاجته.
ويزعم أصحاب القنص أنّ العقاب لا تكاد تراوغ الصّيد ولا تعاني ذلك، وأنّها لا تزال تكون على المرقب العالي، فإذا اصطاد بعض سباع الطير شيئا انقضّت عليه فإذا أبصرها ذلك الطائر لم يكن همه إلا الهرب وترك صيده في يدها، ولكنها إذا جاعت فلم تجد كافيا لم يمتنع عليها الذّئب فما دونه. وقد قال الشّاعر:
مهبّل ذئبها يوما إذا قلبتإليه من مستكفّ الجوّ حملاقا
وقال آخر:
كأنّها حين فاض الماء واحتملتصقعاء لاح لها بالقفرة الذّيب
صبّت عليه ولم تنصبّ من أممإنّ الشّقاء على الأشقين مصبوب
وأمّا قوله:
«تعرف بالإحساس أقدارهافي الأسر والإلحاح والصّبر»
يقول: لا يخفى على كلّ سبع ضعفه وتجلده وقوته، وكذلك البهيمة الوحشيّة لا يخفى عليها مقدار قوة بدنها وسلاحها، ولا مقدار عدوها في الكرّ والفر. وعلى أقدار هذه الطّبقات تظهر أعمالها.
وأمّا قوله:
«والضّبع الغثراء مع ذيخهاشرّ من اللّبوة والنّمر
كما ترى الذّئب إذا لم يطقصاح فجاءت رسلا تجري
وكلّ شيء فعلى قدرهيحجم أو يقدم، أو يجري»
فإنّ هذه السّباع القويّة الشّريفة ذوات الرّياسة: الأسد والنّمور والببور- لا تعرض للنّاس إلّا بعد أن تهرم فتعجز عن صيد الوحش. وإن لم يكن بها جوع شديد فمرّ بها إنسان لم تعرض له، وليس الذّئب كذلك، لأن الذّئب أشدّ مطالبة، فإن خاف العجز عوى عواء استغاثة فتسامعت الذّئاب وأقبلت، فليس دون أكل ذلك الإنسان شيء.
وقسّم الأشياء فقال: إنّما هو نكوص وتأخّر، وفرار، وإحجام وليس بفرار ولا إقدام. وكذلك هو.
وأمّا قوله:
«والكيس في المكسب شمل لهموالعندليل الفرخ كالنّسر»
فالعندليل طائر أصغر من ابن تمرة، وابن تمرة هو الذي يضرب به المثل في صغر الجسم. والنّسر أعظم سباع الطّير وأقواها بدنا.
وقال يونس النحويّ وذكر خلفا الأحمر فقال: «يضرب ما بين العندليل إلى الكركيّ». وقد قال فيه الشّاعر:
ويضرب الكركي إلى القنبرلا عانسا يبقى ولا محتلم
وقال:
وبما أقول لصاحبي خلفإيها إليك تحذّرن خلف
فلو أنّ بيتك في ذرى علممن دون قلّة رأسه شعف
لخشيت قدرك أن يبيتهاإن لم يكن لي عنه منصرف
وفي المثل: «كلّ طائر يصيد على قدره».
وأمّا قوله:
«والخلد كالذّئب على كسبهوالفيل والأعلم كالوبر»
فإنّه يقال: «أغدر من ذئب»، و: «أخبث من ذئب»، و: «أكسب من ذئب»، على قول الآخر:
أكسب للخير من الذّئب الأزلّ
والخير عنده في هذا الموضع ما يعيش ويقوت، والخير في مكان آخر: المال بعينه على قوله ﷿: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ
، وعلى قوله: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
، أي إنّه من أجل حبّ المال لبخيل عليه، ضنين به، متشدّد فيه.
والخير في موضع آخر: الخصب وكثرة المأكول والمشروب، تقول: ما أكثر خير بيت فلان. والخير المحض: الطّاعة وسلامة الصدر.
وأمّا قولهم: «أخبث من ذئب خمر» فعلى قول الرّاجز:
أما أتاك عنّي الحديثإذ أنا بالغائط أستغيث
والذّئب وسط أعنزي يعيثوصحت بالغائط يا خبيث
وقالوا في المثل: «مستودع الذئب أظلم».
والخلد دويبة عمياء صماء، لا تعرف ما يدنو منها إلا بالشّمّ، تخرج من جحرها، وهي تعلم أن لا سمع ولا بصر لها، وإنما تشحا فاها، وتقف على باب جحرها فيجيء الذّباب فيسقط على شدقها ويمرّ بين لحييها فتسدّ فمها عليها وتستدخلها بجذبة النّفس، وتعلم أن ذلك هو رزقها وقسمها. فهي تعرض لها نهارا دون اللّيل، وفي السّاعات من النهار التي يكون فيها الذباب أكثر، لا تفرّط في الطّلب، ولا تقصّر في الطّلب، ولا تخطئ الوقت، ولا تغلط في المقدار.
وللخلد أيضا تراب حوالي جحره، هو الذي أخرجه من الجحر، يزعمون أنّه يصلح لصاحب النّقرس إذا بلّ بالماء وطلي به ذلك المكان.
وأمّا قوله:
«والفيل والأعلم كالوبر»
فالفيل معروف، والأعلم: البعير، وبذلك يسمّى، لأنّه أبدا مشقوق الشّفة العليا، ويسمّى الإنسان إذا كان كذلك به.
ويدلّ على أن الأعلم والبعير سواء قول الراجز:
إني لمن أنكر أو توسّماأخو خناثير أقود الأعلما
وقال عنترة:
وحليل غانية تركت مجدّلاتمكو فريصته كشدق الأعلم
يريد شدق البعير في السعة. وقال الآخر:
كم ضربة لك تحكي فاقراسيةمن المصاعب في أشداقه علم
وقال الكميت:
مشافر قرحى أكلن البريرا
وقال آخر:
بضرب يلقح الضّبعان منهطروقته ويأتنف السّفادا
وقال الشاعر الباهليّ:
بضرب كآذان الفراء فضولهوطعن كإيزاغ المخاض تبورها
كأنّه ضربه بالسّيف، فعلق عليه من اللحم كأمثال آذان الحمير.
وقال بعض المحدثين، وهو ذو اليمينين:
ومقعص تشخب أوداجهقد بان عن منكبه الكاهل
فصار ما بينهما هوّةيمشي بها الرّامح والنّابل
وفي صفات الطّعنة والضّربة أنشدني ابن الأعرابيّ:
تمنّى أبو اليقظان عندي هجمةفسهّل مأوى ليلها بالكلاكل
ولا عقل عندي غير طعن نوافذوضرب كأشداق الفصال الهوازل
وسبّ يود المرء لو مات دونهكوقع الهضاب صدّعت بالمعاول
وقل الآخر:
جمعت بها كفّي فأنهرت فتقهاترى قائما من خلفها ما وراءها
وقال البعيث:
أئن أمرعت معزى عطيّة وارتعتتلاعا من المرّوت أحوى جميمها
تعرّضت لي حتّى ضربتك ضربةعلى الرّأس، يكبو لليدين أميمها
إذا قاسها الآسي النّطاسيّ أرعشتأنامل آسيها وجاشت هزومها
وقال الآخر:
ونائحة رافع صوتهاتنوح وقد وقع المهذم
تنوح وتسبر قلّاسةوقد غابت الكفّ والمعصم
وقال آخر:
ومستنّة كاستنان الخروف قد قطع الحبل بالمرود
دفوع الأصابع ضرح الشّموس نجلاء مؤيسة العوّد
وقال محمد بن يسير:
وطعن خليس كفرغ النّضيحأفرغ من ثعب الحاجر
تهال العوائد من فتقهاتردّ السّبار على السّابر
وأنشدوا لرجل من أزد شنوءة:
وطعن خليس قد طعنت مرشّةيقطّع أحشاء الجبان شهيقها
إذا باشروها بالسّبار تقطّعتتقطع أم السكر شيب عقوقها
وروي للفند الزّمّاني ولا أظنّه له:
كففنا عن بني هندوقلنا: القوم إخوان
عسى الأيّام ترجعهمجميعا كالذي كانوا
فلمّا صرّح الشّرّوأضحى وهو عريان
شددنا شدّة اللّيثعدا والليث غضبان
بضرب فيه تفجيعوتوهين وإرنان
وطعن كفم الزّقّوهي والزّقّ ملآن
وأنشد السّدّيّ لرجل من بلحارث:
أتيت المحرم في رحلهفشمّر رحلي بعنس خبوب
تذكّر منّي خطوبا مضتويوم الأباء ويوم الكثيب
ويوم خزاز وقد ألجمواوأشرطت نفسي بأن لا أثوب
ففرّجت عنهم بنفّاحةلها عاند مثل ماء الشعيب
إذا سبروها عوى كلبهاوجاشت إليهم بآن صبيب
وقال آخر:
طعنة ما طعنت في جمح الذّمّ هلال وأين منّي هلال
طعنة الثائر المصمّم حتىنجم الرّمح خلفه كالخلال
وقال الحارث بن حلّزة:
لا يقيم العزيز بالبلد السّهلولا ينفع الذّليل النّجاء
حول قيس مستلئمين بكبشقرظيّ كأنّه عبلاء
فرددناهم بضرب كما يخرج من خربة المزاد الماء
وفعلنا بهم كما علم اللهوما إن للحائنين دماء
وقال ابن هرمة:
بالمشرفيّة والمظاهر نسجهايوم اللّقاء وكلّ ورد صاهل
وبكلّ أروع كالحريق مطاعنفمسايف فمعانق فمنازل
ويروى: «فمعاذل».
وإذ قد ذكرنا شيئا من الشّعر في صفة الضرب والطعن فقد ينبغي أن نذكر بعض ما يشاكل هذا الباب من إسراف من أسرف، واقتصاد من اقتصد. فأما من أفرط فقول مهلهل:
فلولا الرّيح أسمع من بحجرصليل البيض تقرع بالذّكور
وقال الهذلي:
والطعن شغشغة والضّرب هيقعةضرب المعوّل تحت الدّيمة العضدا
وللقسيّ أزاميل وغمغمةحسّ الجنوب سوق الماء والقردا
ومن ذلك قول عنترة:
برحيبة الفرغين يهدي جرسهاباللّيل معتسّ السّباع الضّرّم
وقال أبو قيس بن الأسلت:
قد حصّت البيضة رأسي فماأطعم نوما غير تهجاع
وقال دريد بن الصّمّة:
أعاذل إنّما أفنى شبابيركوبي في الصّريخ إلى المنادي
مع الفتيان حتّى خلّ جسميوأقرح عاتقي حمل النّجاد
وممّا يدخل في هذا الباب قول عنترة:
رعناهم والخيل تردي بالقناوبكلّ أبيض صارم قصّال
وأنا المنيّة في المواطن كلّهاوالطّعن منّي سابق الآجال
وأمّا قوله:
إنّ المنيّة لو تمثّل مثّلتمثلي، إذا نزلوا بضنك المنزل
وقال نهشل بن حرّيّ:
وما زال ركني يرتقي من ورائهوفارس هيجا ينفض الصدر واقف
فوصف [نفسه] بأنّه مجتمع القلب، مرير لا يبرح.
وقد كان حميد بن عبد الحميد يوصف بذلك، لأنّه كان لا يرمي بسهم، ولا يطعن برمح، ولا يضرب بسيف، ولكن التصبير والتّحريض والثّبات، إذا انهزم، كلّ شجاع.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع