من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
تفسير قصيدة البهراني
نقول في تفسير قصيدة البهراني، فإذا فرغنا منها ذكرنا ما في الحشرات من المنافع والأعاجيب والروايات، ثم ذكرنا قصيدتي أبي سهل بشر بن المعتمر في ذلك، وفسرناهما وما فيهما من أعاجيب ما أودع الله تعالى هذا الخلق وركّبه فيهم.
إن شاء الله تعالى. وبالله ﵎ أستعين.
أما قوله:
«مسخ الماكسين ضبعا وذئبافلهذا تناجلا أمّ عمرو»
فإن ملوك العرب كانت تأخذ من التّجّار في البرّ والبحر، وفي أسواقهم، المكس، وهو ضريبة كانت تؤخذ منهم، وكانوا يظلمونهم في ذلك. ولذلك قال التّغلبي، وهو يشكو ذاك في الجاهلية ويتوعد وهو قوله:
ألا تستحي منّا ملوك وتتّقيمحارمنا لا يبوؤا الدّم بالدّم
وفي كلّ أسواق العراق إتاوةوفي كلّ ما باع امرؤ مكس درهم
والإتاوة والأربان والخرج كله شيء واحد. وقال الآخر:
ألا ابن المعلّى خلتنا أم حسبتناصراري نعطي الماكسين مكوسا
وقال الأصمعيّ، في ذكر المكس والسّفن التي كان تعشر، في قصيدته التي
ذكر فيها من أهلك الله عز ذكره، من الملوك، وقصم من الجبابرة، وأباد من الأمم الخالية- فقال:
أعلقت تبّعا حبال المنونوانتحت بعده على ذي جدون
وأصابت من بعدهم آل هرماس وعادت من بعد للسّاطرون
ملك الحضر والفرات إلى دجلة شرقا فالطور من عبدين
كل حمل يمرّ فوق بعيرفله مكسه ومكس السّفين
والأعراب يزعمون أن الله تعالى ﷿ لم يدع ماكسا ظالما إلا أنزل به بلية، وأنّه مسخ منهم ضبعا وذئبا. فلهذه القرابة تسافدا وتناجلا، وإن اختلفا في سوى ذلك. فمن ولدهما السّمع والعسبار. وإنما اختلفا لأنّ الأمّ ربما كانت ضبعا والأب ذئبا، وربما كانت الأمّ ذئبة والأب ذيخا. والذّيخ: ذكر الضّباع.
وأمّا قوله:
«بعث الذّرّ والجراد وقفّىبنجيع الرّعاف في حيّ بكر»
فإنّ الإعراب تزعم أن الله تعالى قد أهلك بالذرّ أمما. وقد قال أميّة بن أبي الصّلت:
أرسل الذّرّ والجراد عليهموسنينا فأهلكتهم ومورا
ذكر الذّرّ إنّه يفعل الشّرّ وإنّ الجراد كان ثبورا
وأما قوله: «وقفّي بنجيع الرّعاف في حيّ بكر» فإنّه يريد بكر بن عبد مناة، لأنّ كنانة بنزولها مكّة كانوا لا يزالون يصيبهم من الرّعاف ما يصير شبيها بالموتان، ويجارف الطاعون. وكان آخر من مات بالرّعاف من سادة قريش هشام بن المغيرة.
وكان الرّعاف من منايا جرهم أيام جرهم، ولذلك قال شاعر في الجاهلية، من إياد:
ونحن إياد عباد الإلهورهط مناجيه في سلّم
ونحن ولاة حجاب العتيقزمان الرّعاف على جرهم
ولهذا المناجي الذي كان يناجي الله، ﷿، في الجاهلية على سلّم- حديث.
فأما قوله:
«خرقت فأرة بأنف ضئيلعرما محكم الأساس بصخر»
فقد قال الله ﷿: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ
والعرم: المسنّاة التي كانوا أحكموا عملها لتكون حجازا بين ضياعهم وبين السيل، ففجرته فارة، فكان ذلك أعجب وأظهر في الأعجوبة كما أفار الله تعالى ﷿ ماء الطوفان من جوف تنّور، ليكون ذلك أثبت في العبرة، وأعجب في الآية.
ولذلك قال خالد بن صفوان لليمانيّ الذي فخر عليه عند المهديّ وهو ساكت، فقال المهدي: وما لك لا تقول؟! قال: وما أقول لقوم ليس فيهم إلا دابغ جلد، وناسج برد، وسائس قرد، وراكب عرد، غرّقتهم فارة، وملكتهم امرأة، ودلّ عليهم هدهد.
وأما قوله:
«فجّرته وكان جيلان عنهعاجزا لو يرومه بعد دهر»
فإنّ جيلان فعلة الملوك، وكانوا من أهل الجبل. وأنشد الأصمعي:
أرسل جيلان ينحتون لهساتيدما بالحديد فانصدعا
وأنشد:
وتبني له جيلان من نحتها الصّفاقصورا تعالى بالصّفيح وتكلس
وأنشد لامرئ القيس:
أتيح له جيلان عند جذاذهوردّد فيه الطّرف حتّى تحيّرا
يقول: فجّرته فارة، ولو أنّ جيلان أرادت ذلك لامتنع عليها، لأنّ الفارة إنما خرقته لما سخّر الله عز ذكره لها من ذلك العرم وأنشدوا:
من سبأ الحاضرين مأرب إذيبنون من دون سيله العرما
ومأرب: اسم لقصر ذلك الملك، ثم صار اسما لذلك البلد. ويدلّ على ذلك قول أبي الطّمحان القيني:
ألا ترى مأربا ما كان أحصنهوما حواليه من سور وبنيان
ظلّ العباديّ يسقى فوق قلّتهولم يهب ريب دهر حقّ خوّان
حتّى تناوله من بعد ما هجعوايرقى إليه على أسباب كتّان
وقال الأعشى:
ففي ذاك للمؤتسي أسوةومأرب قفّى عليه العرم
رخام بنته له حميرإذا جاء ماؤهم لم يرم
فأروى الحروث وأعنابهاعلى ساعة ماؤهم إذ قسم
فطار الفيول وفيّالهابيهماء فيها سراب يطمّ
فكانوا بذلكم حقبةفمال بهم جارف منهدم
فطاروا سراعا وما يقدرون منه لشرب صبيّ فطم
وأما قوله:
«مسخ الضّبّ في الجدالة قدماوسهيل السّماء عمدا بصغر »
فإنهم يزعمون أنّ الضّبّ وسهيلا كانا ماكسين عشّارين، فمسخ الله ﷿ أحدهما في الأرض، والآخر في السماء. والجدالة: الأرض، ولذلك يقال: ضربه فجدّله أي ألزقه بالأرض، أي بالجدالة. وكذلك قول عنترة:
وحليل غانية تركت مجدّلاتمكو فريصته كشدق الأعلم
وأنشد أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري:
قد أركب الحالة بعد الحالهوأترك العاجز بالجداله
وأما قوله:
«والذي كان يكتني برغالجعل الله قبره شرّ قبر
وكذا كلّ ذي سفين وخرجومكوس وكلّ صاحب عشر»
فإنما ذكر أبا رغال، وهو الذي يرجم الناس قبره إذا أتوا مكة. وكان وجّهه
صالح النبي ﷺ، فيما يزعمون، على صدقات الأموال، فخالف أمره، وأساء السّيرة، فوثب عليه ثقيف، وهو قسيّ بن منبّه، فقتله قتلا شنيعا. وإنما ذلك لسوء سيرته في أهل الحرم فقال غيلان بن سلمة، وذكر قسوة أبيه على أبي رغال:
نحن قسيّ وقسا أبونا
وقال أميّة بن أبي الصّلت:
نفوا عن أرضهم عدنان طرّاوكانوا للقبائل قاهرينا
وهم قتلوا الرئيس أبا رغالبنخلة إذ يسوق بها الظعينا
وقال عمرو بن درّاك العبدي، وذكر فجور أبي رغال وخبثه، فقال:
وإني إن قطعت حبال قيسوحالفت المزون على تميم
لأعظم فجرة من أبي رغالوأجور في الحكومة من سدوم
وقال مسكين الدارميّ:
وأرجم قبره في كلّ عامكرجم النّاس قبر أبي رغال
وقال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، لغيلان بن سلمة، حين أعتق عبده، وجعل ماله في رتاج الكعبة: لئن لم ترجع في مالك ثمّ متّ لأرجمنّ قبرك، كما رجم قبر أبي رغال، وكلاما غير هذا قد كلّمه به.
وأما قوله:
«منكب كافر وأشراط سوءوعريف جزاؤه حرّ جمر»
فإنما ذهب إلى أحكام الإسلام. كأنه قد كان لقى من المنكب والعريف جهدا. وهم ثلاثة: منكب، ونقيب، وعريف. وقال جبيهاء الأشجعيّ:
رعاع عاونت بكرا عليهكما جعل العريف على النّقيب
وأما قوله:
«وتزوّجت في الشّبيبة غولابغزال وصدقتي زقّ خمر»
فالغول اسم لكلّ شيء من الجن يعرض للسّفّار، ويتلوّن في ضروب الصّور والثّياب، ذكرا كان أو أنثى. إلّا أنّ أكثر كلامهم على أنّه أنثى.
وقد قال أبو المطراب عبيد بن أيّوب العنبريّ:
وحالفت الوحوش وحالفتنيبقرب عهودهنّ وبالبعاد
وأمسى الذّئب يرصدني مخشّالخفّة ضربتي ولضعف آدي
وغولا قفرة ذكر وأنثىكأنّ عليهما قطع البجاد
فجعل في الغيلان الذّكر والأنثى. وقد قال الشّاعر في تلوّنها:
فما تدوم على حال تكون بهاكما تلوّن في أثوابها الغول
فالغول ما كان كذلك، والسّعلاة اسم الواحدة من نساء الجن إذا لم تتغوّل لتفتن السّفّار.
قالوا: وإنما هذا منها على العبث، أو لعلّها أن تفزّع إنسانا جميلا فتغيّر عقله، فتداخله عند ذلك، لأنّهم لم يسلّطوا على الصّحيح العقل، ولو كان ذلك إليهم
لبدؤوا بعليّ بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب وبأبي بكر وعمر في زمانهم وبغيلان والحسن في دهرهما وبواصل وعمرو في أيامهما.
وقد فرق بين الغول والسّعلاة عبيد بن أيّوب، حيث يقول:
وساخرة منّي ولو أنّ عينهارأت ما ألاقيه من الهول جنّت
أزلّ وسعلاة وغول بقفرةإذا اللّيل وارى الجنّ فيه أرنّت
وهم إذا رأوا المرأة حديدة الطّرف والذّهن، سريعة الحركة، ممشوقة ممحّصة قالوا: سعلاة وقال الأعشى:
ورجال قتلى بجنبي أريكونساء كأنهنّ السّعالي
ويقولون: تزوّج عمرو بن يربوع السّعلاة. وقال الرّاجز:
يا قاتل الله بني السّعلاةعمرو بن يربوع شرار النّات
وفي تلوّن الغول يقول عبّاس بن مرداس السّلميّ:
أصابت العام رعلا غول قومهموسط البيوت ولون الغول ألوان
وهم يتأوّلون قوله عز ذكره: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
وقوله ﷿: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ
. قالوا: فلو كان الجانّ لم يصب منهنّ قطّ، ولم يأتهنّ، ولا كان ذلك مما يجوز بين الجن وبين النساء الآدميات- لم يقل ذلك.
وتأوّلوا قوله ﷿: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِ
فجعل منهنّ النّساء، إذ قد جعل منهم الرّجال، وقوله ﵎: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي
وزعم ابن الأعرابيّ قال: دعا أعرابيّ ربه فقال: اللهمّ إني أعوذ بك من عفاريت الجن! اللهم لا تشركهم في ولدي، ولا جسدي، ولا دمي، ولا مالي، ولا تدخلهم في بيتي، ولا تجعلهم لي شركاء في شيء من أمر الدنيا والآخرة.
وقالوا: ودعا زهير بن هنيدة فقال: اللهمّ لا تسلطهم على نطفتي ولا جسدي.
قال أبو عبيدة: فقيل له: لم تدعو بهذا الدّعاء قال: وكيف لا أدعو به وأنا أسمع أيّوب النبي والله تعالى يخبر عنه ويقول: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ
حتى قيل له: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ
. وكيف لا أستعيذ بالله منه وأنا أسمع الله يقول: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ
، وأسمعه يقول:
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ
، فلما رأى الملائكة نكص على عقبيه، كما قال الله عزّ ذكره: فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ
، وقد جاءهم في صورة الشّيخ النّجدي. وكيف لا أستعيذ بالله منه، وأنا أسمع الله عز ذكره يقول: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ. إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ
. وكيف لا أستعيذ بالله منه وأنا أسمع الله تعالى يقول:
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ
ثم قال: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ
. وكيف لا أدعو بذلك وأنا أسمع الله تعالى يقول: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ، وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ
. وكيف لا أقول ذلك وأنا أسمع الله ﷿ يقول: بِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
َخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ. وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ.
آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
والأعراب يتزيّدون في هذا الباب. وأشباه الأعراب يغلطون فيه. وبعض أصحاب التأويل يجوّز في هذا الباب ما لا يجوز فيه. وقد قلنا في ذلك في كتاب النّبوّات بما هو كاف إن شاء الله تعالى.
وسيقع هذا الباب والجواب فيه تامّا إذا صرنا إلى القول في الملائكة، وفي فرق ما بين الجن والإنس. وأما هذا الموضع فإنما مغزانا فيه الإخبار عن مذاهب الأعراب، وشعراء العرب. ولولا العلم بالكلام، وبما يجوز مما لا يجوز، لكان في دون إطباقهم على هذه الأحاديث ما يغلط فيه العاقل.
قال عبيد بن أيّوب، وقد كان جوّالا في مجهول الأرض، لمّا اشتد خوفه وطال تردّده، وأبعد في الهرب:
لقد خفت حتّى لو تمرّ حمامةلقلت عدوّ أو طليعة معشر
فإن قيل أمن قلت هذي خديعةوإن قيل خوف قلت حقّا فشمر
وخفت خليلي ذا الصّفاء ورابنىوقيل فلان أو فلانة فاحذر
فلله درّ الغول أيّ رفيقةلصاحب قفر خائف متقتّر
أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدتحواليّ نيرانا تلوح وتزهر
وأصبحت كالوحشيّ يتبع ما خلاويترك مأبوس البلاد المدعثر
وقال في هذا الباب في كلمة له، وهذا أولها:
أذقني طعم الأمن أو سل حقيقةعليّ فإن قامت ففصّل بنانيا
خلعت فؤادي فاستطير فأصبحتترامى بي البيد القفار تراميا
كأني وآجال الظّباء بقفرةلنا نسب نرعاه أصبح دانيا
رأين ضئيل الشّخص يظهر مرّةويخفى مرارا ضامر الجسم عاريا
فأجفلن نفرا ثمّ قلن ابن بلدةقليل الأذى أمسى لكنّ مصافيا
ألا يا ظباء الوحش لا تشهرنّنيوأخفينني إذ كنت فيكن خافيا
أكلت عروق الشّرى معكنّ والتوىبحلقي نور القفر حتّى ورانيا
وقد لقيت مني السّباع بليّةوقد لاقت الغيلان منّي الدّواهيا
ومنهنّ قد لاقيت ذاك فلم أكندجبانا إذا هول الجبان اعترانيا
أذقت المنايا بعضهنّ بأسهميوقدّدن لحمي وامتشقن ردائيا
أبيت ضجيع الأسود الجون في الهوىكثيرا وأثناء الحشاش وساديا
إذا هجن بي في جحرهنّ اكتنفننيفليت سليمان بن وبر يرانيا
فما زلت مذ كنت ابن عشرين حجةأخا الحرب مجنيّا عليّ وجانيا
ومما ذكر فيه الغيلان قوله:
نقول وقد ألممت بالإنس لمّةمخضّبة الأطراف خرس الخلاخل
أهذا خليل الغول والذّئب والذييهيم بربّات الحجال الكواهل
رأت خلق الأدراس أشعث شاحباعلى الجدب بسّاما كريم الشّمائل
تعوّد من آبائه فتكاتهموإطعامهم في كلّ غبراء شامل
إذا صاد صيدا لفّه بضرامهوشيكا ولم ينظر لنصب المراجل
ونهسا كنهس الصقر ثم مراسهبكفيّه رأس الشّيخة المتمايل
فلم يسحب المنديل بين جماعةولا فاردا مذ صاح بين القوابل
ومما قال في هذا المعنى:
علام ترى ليلى تعذّب بالمنىأخا قفرات كان بالذئب يأنس
وصار خليل الغول بعد عداوةصفيّا وربّته القفار البسابس
وقال في هذا المعنى:
فلولا رجال يا منيع رأيتهملهم خلق عند الجوار حميد
لنالكم مني نكال وغارةلها ذنب لم تدركوه بعيد
أقلّ بنو الإنسان حتّى أغرتمعلى من يثير الجنّ وهي هجود
وقال ابن الأعرابي: وعدت أعرابيّة أعرابيّا أن يأتيها، فكمن في عشرة كانت بقربهم، فنظر الزّوج فرأى شبحا في العشرة، فقال لامرأته: يا هنتاه إنّ إنسانا ليطالعنا من العشرة! قالت: مه يا شيخ، ذاك جانّ العشرة! إليك عنّي وعن ولدي!!
قال الشيخ: وعنّي يرحمك الله! قالت: وعن أبيهم إن هو غطّى رأسه ورقد. قال:
ونام الشّيخ، وجاء الأعرابي فسفع برجليها ثمّ أعطاها حتى رضيت.
وروى عن محمّد بن الحسن، عن مجالد أو عن غيره وقال: كنّا عند الشّعبي جلوسا، فمرّ حمّال على ظهره دنّ خلّ، فلما رأى الشّعبيّ وضع الدّنّ وقال للشعبي: ما كان اسم امرأة إبليس؟ قال: ذاك نكاح ما شهدناه! وأبو الحسن عن أبي إسحاق المالكي قال: قال الحجاج ليحيى بن سعيد بن العاص: أخبرني عبد الله بن هلال صديق إبليس، أنّك تشبه إبليس! قال: وما ينكر أن يكون سيد الإنس يشبه سيد الجنّ! وروى الهيثم عن داود بن أبي هند، قال: سئل الشّعبي عن لحم الفيل، فتلا قوله عزّ ذكره: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ
إلى آخر الآية. وسئل عن لحم الشّيطان فقال: نحن نرضى منه بالكفاف. فقال له قائل: ما تقول في الذّبّان؟ قال: إن اشتهيته فكله.
وأنشدوا قول أعرابي لامرأته:
ألا تموتين إنا نبتغي بدلاإن اللواتي يموّتن الميامين
أم أنت لازلت في الدنيا معمّرةكما يعمّر إبليس الشّياطين
وقال أبو الحسن وغيره: كان سعيد بن خالد بن عبد الله بن أسيد تصيبه موتة نصف سنة، ونصف سنة يصح، فيحبو ويعطي، ويكسو ويحمل. فأراد أهله أن يعالجوه. فتكلّمت امرأة على لسانه فقالت. أنا رقيّة بنت ملحان سيّد الجنّ، والله أن لو علمت مكان رجل أشرف منه لعلقته! والله لئن عالجتموه لأقتلنّه! فتركوا علاجه.
وتقول العرب: شيطان الحماطة، وغول القفرة، وجانّ العشرة. وأنشد:
فانصلتت لي مثل سعلاة العشرتروح بالويل وتغدو بالغير
وأنشد:
يا أيّها الضاغب بالغملولإنّك غول ولدتك غول
الغملول: الخمر من الأرض اختبأ فيه هذا الرجل، وضغب ضغبة الأرنب، ليفزعه ويوهمه أنّه عامر لذلك الخمر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع