تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب من ادعى من الأعراب والشعراء أنهم يرون الغيلان ويسمعون عزيف الجان

وما يشبهون بالجن والشياطين، وبأعضائهم وبأخلاقهم وأعمالهم.

وأنشد:

كأنّه لمّا تدانى مقربهوانقطعت أوذامه وكربه
وجاءت الخيل جميعا تذنبهشيطان جنّ في هواء يرقبه

أذنب فانقضّ عليه كوكبه

وأنشد:

إنّ العقيليّ لا تلقى له شبهاولو صبرت لتلقاه على العيس
بينا تراه عليه الخزّ متّكئاإذ مرّ يهدج في خيش الكرابيس
وقد تكنّفه غرّامه زمناأشباه جنّ عكوف حول إبليس
إذا المفاليس يوما حاربوا ملكاترى العقيليّ منهم في كراديس

وهو الذي يقول:

أصبحت ما لك غير جلدك تلبسقطر السّماء وأنت عار مفلس

وقال الخطفي:

يرفعن بالليل إذا ما أسدفاأعناق جنّان وهاما رجّفا

وعنقا بعد الرسيم خيطفا

وأنشد ابن الأعرابي:

غناء كليبيا ترى الجنّ تبتغيصداه إذا ما آب للجشنّ آيب

وقال الحارث بن حلزة:

ربّنا وابننا وأفضل من يمشي ومن دون ما لديه الثّناء
إرميّ بمثله جالت الجنّ فآبت لخصمها الأجلاء
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

وقال الأعشى:

فإنّي وما كلّفتموني وربّكمليعلم من أمسى أعقّ وأحوبا
لكالثّور والجنيّ يضرب ظهرهوما ذنبه أن عافت الماء مشربا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «كفى بالذي تولينه لو تجنبا»

وقال الزّفيان العوافيّ واسمه عطاء بن أسيد أحد بني عوافة بن سعد:

بين اللها منه إذا ما مدّامثل عزيف الجن هدّت هدّا

وقال ذو الرّمّة:

قد أعسف النّازح المجهول معسفهفي ظلّ أغضف يدعو هامه البوم
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أعن ترسمت من خرقاء منزلة»
للجنّ باللّيل في حافاتها زجلكما تناوح يوم الريح عيشوم
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أعن ترسمت من خرقاء منزلة»
داويّة ودجى ليل كأنّهمايمّ تراطن في حافاته الرّوم

وقال:

وكم عرّست بعد السّرى من معرّسبه من كلام الجن أصوات سامر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أشاقتك أخلاق الرسوم الدواثر»

وقال:

كم جبت دونك من يهماء مظلمةتيه إذا ما مغنّي جنّة سمرا

وقال:

ورمل عزيف الجنّ في عقداتههزيز كتضراب المغنّين بالطّبل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خَلِيلَيَّ عُوجَا عَوْجَة ً نَاقَتَيْكُمَا»

وقال:

وتيه خبطنا غولها وارتمى بناأبو البعد من أرجائها المتطاوح
فلاة لصوت الجنّ في منكراتهاهزيز، وللأبوام فيها نوائح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمن دمنة جرت بها ذيلها الصبا»
وطول اغتماسي في الدّجى كلما دعتمن اللّيل أصداء المتان الصوائح

وقال ذو الرّمة:

بلادا يبيت البوم يدعو بناتهبها ومن الأصداء والجنّ سامر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لمية أطلال بحزوى دوائر»

وقال ذو الرمة:

وللوحش والجنّان كلّ عشيةبها خلفة من عازف وبغام
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حييا بالزرق دار مقام»

وقال الراعي:

وداويّة غبراء أكثر أهلهاعزيف وبوم آخر الليل صائح
أقرّ بها جأشي تأوّل آيةوماضي الحسام غمده متصايح

ويقال لمن به لقوة أو شتر، إذا سبّ: يا لطيم الشيطان.

وكذلك قال عبيد الله بن زياد، لعمرو بن سعيد، حين أهوى بسيفه ليطعن في خاصرة عبد الله بن معاوية، وكان مستضعفا، وكان مع الضّحّاك فأسر، فلمّا أهوى له السيف وقد استردفه عبيد الله، واستغاث بعبيد الله، قال عبيد الله لعمرو: يدك يا لطيم الشيطان !

ويقال للرّجل المفرط الطّول: يا ظلّ النّعامة! وللمتكبّر الضخم: يا ظلّ الشيطان ! كما قال الحجّاج لمحمد بن سعد بن أبي وقاص: بينا أنت، يا ظلّ الشّيطان، أشدّ النّاس كبرا إذ صرت مؤذّنا لفلان ! وقال جرير في هجائه شبّة بن عقال، وكان مفرط الطّول:

فضح المنابر يوم يسلح قائماظلّ النّعامة شبّة بن عقال

فأما قولهم: «منينا بيوم كظلّ الرمح» فإنّهم ليس يريدون به الطول فقط، ولكنّهم يريدون أنّه مع الطول ضيق غير واسع.

وقال ابن الطّثرية:

ويوم كظلّ الرّمح قصّر طولهدم الزّقّ عنّا واصطفاق المزاهر
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ويوم كظل الرمح قصر طوله»

قال: وليس يوجد لظلّ الشخص نهاية مع طلوع الشّمس.

قال: وكان عمر بن عبد العزيز أوّل من نهى النّاس عن حمل الصّبيان على ظهور الخيل يوم الحلبة، وقال: «تحملون الصّبيان على الجنّان؟».

وأنشد في تشبيه الإنس بالجن لأبي الجويرية العبدي:

إنس إذا أمنوا جنّ إذا فزعوامرزّؤون بها ليل إذا حشدوا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لو كان يقعد فوق الشمس من أحد»

وأنشدوا:

وقلت والله لنرحلنّاقلائصا تحسبهنّ جنا

وقال ابن ذي الزوائد:

وحولي الشّول رزّحا شسبابكية الدّرّ حين تمتصر
ولاذ بي الكلب لا نباح لهيهرّ محرنجما وينجحر
بحور خفض لمن ألمّ بهمجنّ بأرماحهم إذا خطروا

وأنشدوا:

إنّي امرؤ تابعني شيطانيهآخيته عمري وقد آخانيه
يشرب في قعبي وقد سقانيهفالحمد لله الذي أعطانيه
قرما وخرقا في خدود واضيهتربّعت في عقد فالماوية
بقلا نضيدا في تلاع حاليهحتّى إذا ما الشّمس مرّت ماضيه
قام إليها فتية ثمانيهفثوّروا كلّ مريّ ساجيه

أخلافها لذي الأكف ماليه

وقال ابن الأعرابي: قال لي أعرابي مرّة من غنيّ وقد نزلت به، قال: وهو أخفّ ما نزلت به وأطيبه، فقلت: ما أطيب ماءكم هذا، وأعذى منزلكم! قال: نعم وهو بعيد من الخير كله، بعيد من العراق واليمامة والحجاز، كثير الحيات، كثير الجنان! فقلت: أترون الجن؟ قال: نعم! مكانهم في هذا الجبل- وأشار بيده إلى جبل يقال له سواج قال: ثمّ حدّثني بأشياء.

وقال عبيد بن أوس الطائي في أخت عدي بن أوس:

هل جاء أوسا ليلتي ونعيمهاومقام أوس في الخباء المشرج
ما زلت أطوي الجنّ أسمع حسّهمحتّى دفعت إلى ربيبة هودج
فوضعت كفّي عند مقطع خصرهافتنفّست بهرا ولمّا تنهج
فتناولت رأسي لتعرف مسّهبمخضّب الأطراف غير مشنّج
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «قالت وعيش أخي وذمة والدي»
قالت بعيش أخي وحرمة والديلأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج
فخرجت خيفة قومها فتبسّمتفعلمت أنّ يمينها لم تلجج
فلثمت فاها قابضا بقرونهاشرب النّزيف ببرد ماء الحشرج

وأنشدني آخر:

ذهبتم فعذتم بالأمير وقلتمتركنا أحاديثا ولحما موضّعا
فما زادني إلّا سناء ورفعةولا زادكم في القوم إلّا تخشّعا
فما نفرت جنّي ولا فلّ مبرديوما أصبحت طيري من الخوف وقّعا
للشاعر موسى بن جابر اليمامي، اقرأ القصيدة

وقال حسّان بن ثابت، في معنى قوله: «ولله لأضربنّه حتّى أنزع من رأسه شيطانه»، فقال:

وداوية سبسب سملقمن البيد تعزف جنّانها
قطعت بعيرانة كالفنيق يمرح في الآل شيطانها

فجمع في هذا البيت تثبيت عزيف الجن، وأنّ المراح والنشاط والخيلاء والغرب هو شيطانها.

وأبين من ذلك قول منظور بن رواحة:

أتاني وأهلي بالدّماخ فغمرةمسبّ عويف اللؤم حيّ بني بدر
فلمّا أتاني ما يقول ترقّصتشياطين رأسي وانتشين من الخمر

ومن المثل والتّشبيه قول أبي النّجم:

وقام جنّيّ السّنام الأميلوامتهد الغارب فعل الدّمّل
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة

وقال ابن أحمر:

بهجل من قسا ذفر الخزامىتداعى الجربياء به الحنينا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ألا ليت المنازل قد بلينا»
تكسّر فوقه القلع السّواريوجنّ الخازباز به جنونا

وقال الأعشى:

وإذا الغيث صوبه وضع القدح وجنّ التّلاع والآفاق
لم يزدهم سفاهة شرب الخمر ولا اللهو بينهم والسّباق

وقال النابغة:

وخيّس الجنّ إنّي قد أذنت لهميبنون تدمر بالصّفّاح والعمد
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة

وأهل تدمر يزعمون أنّ ذلك البناء [بني] قبل زمن سليمان، ﵇،

بأكثر مما بيننا اليوم وبين سليمان بن داود ﵉ قالوا: ولكنّكم إذا رأيتم بنيانا عجيبا، وجهلتم موضع الحيلة فيه، أضفتموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر.

وقال العرجيّ:

سدّت مسامعها بفرج مراجلمن نسج جنّ مثله لا ينسج
للشاعر العرجي، من قصيدة «بكر الخليط بمن تحب فأدلجوا»

وقال الأصمعيّ: السيوف المأثورة هي التي يقال إنها من عمل الجن والشياطين لسليمان بن داود ﵉. فأمّا القوارير والحمامات، فذلك ما لا شك فيه. وقال البعيث:

بنى زياد لذكر الله مصنعةمن الحجارة لم تعمل من الطّين
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة
كأنّها، غير أنّ الإنس ترفعهامما بنت لسليمان الشياطين

وقال المقنّع الكنديّ:

وفي الظّعائن والأحداج أملح منحلّ العراق وحلّ الشام واليمنا
جنّيّة من نساء الإنس أحسن منشمس النّهار وبدر اللّيل لو قرنا
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «وفي الظعائن والأحداج أحسن من»
مكتومة الذكر عندي ما حييت لهاقد لعمري مللت الصّرم والحزنا
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «وفي الظعائن والأحداج أحسن من»

وقال أبو النّجم:

أدرك عقلا والرهان عملهكأنّ ترب القاع حين تسحله

صيق شياطين زفته شمأله

وقال الأعشى في المعنى الأوّل، من بناء الشياطين لسليمان بن داود ﵉:

أرى عاديا الم يمنع الموت ربّهوورد بتيماء اليهوديّ أبلق
بناه سليمان بن داود حقبةله جندل صمّ وطيّ موثّق

وكما يقولون: قنفذ برقة، وضبّ سحا، وأرنب الخلّة، وذئب خمر فيفرقون بينها وبين ما ليست كذلك إمّا في السّمن، وإمّا في الخبث، وإمّا في القوة- فكذلك أيضا يفرقون بين مواضع الجن. فإذا نسبوا الشّكل منها إلى موضع معروف، فقد خصّوه من الخبث والقوة والعرامة بما ليس لجملتهم وجمهورهم. قال لبيد:

غلب تشذّر بالذّحول كأنّهاجنّ البديّ رواسيا أقدامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

وقال النّابغة:

سهكين من صدإ الحديد كأنّهمتحت السّنوّر جنّة البقّار
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «نبئتَ زرعة َ ، والسفاهة ُ كاسمها»

وقال زهير:

عليهنّ فتيان كجنّة عبقرجديرون يوما أن ينيفوا فيستعلوا

وقال حاتم:

عليهنّ فتيان كجنّة عبقريهزّون بالأيدي الوشيج المقوّما

ولذلك قيل لكلّ شيء فائق، أو شديد: عبقري.

وفي الحديث، في صفة عمر ﵁ «فلم أر عبقريّا يفري فريّه».

قال أعرابي: ظلمني والله ظلما عبقريّا.

ثمّ ينزلون الجن في مراتب. فإذا ذكروا الجنّيّ سالما قالوا: جني. فإذا أرادوا أنّه ممن سكن مع النّاس قالوا: عامر، والجميع عمّار. وإن كان ممن يعرض للصبيان فهم أرواح. فإن خبث أحدهم وتعرّم فهو شيطان، فإذا زاد على ذلك فهو مارد. قال الله عز ذكره: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ

فإن زاد على ذلك في القوّة فهو عفريت، والجميع عفاريت. قال الله تعالى: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ

وهم في الجملة جنّ وخوافي. قال الشاعر:

ولا يحسّ سوى الخافي بها أثر

فإن طهر الجني ونظف ونقي وصار خيرا كلّه فهو ملك، في قول من تأول قوله عز ذكره: كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ

على أنّ الجنّ في هذا الموضع الملائكة.

وقال آخرون: كان منهم على الإضافة إلى الدّار والدّيانة، لا على أنّه كان من جنسهم. وإنّما ذلك على قولهم سليمان بن يزيد العدوي، وسليمان بن طرخان التّيمي، وأبو علي الحرمازي، وعمرو بن فائد الأسواري، أضافوهم إلى المحالّ، وتركوا أنسابهم في الحقيقة.

وقال آخرون: كلّ مستجنّ فهو جنّيّ، وجانّ، وجنين. وكذلك الولد قيل له جنين لكونه في البطن واستجنانه. وقالوا للميّت الذي في القبر جنين. وقال عمرو بن كلثوم:

ولا شمطاء لم تدع المنايالها من تسعة إلّا جنينا

يخبر أنّها قد دفنتهم كلّهم.

قالوا: وكذلك الملائكة، من الحفظة، والحملة، والكروبيّين. فلا بدّ من طبقات. وربّما فرّق بينهم بالأعمال، واشتقّ لهم الاسم من السّبب كما قالوا لواحد من الأنبياء: خليل الله، وقالوا لآخر: كليم الله، وقالوا لآخر: روح الله.

والعرب تنزل الشّجعاء في المراتب. والاسم العامّ شجاع، ثمّ بطل، ثم بهمة، ثم أليس. هذا قول أبي عبيدة.

فأمّا قولهم: شيطان الحماطة، فإنّهم يعنون الحيّة. وأنشد الأصمعي:

تلاعب مثنى حضرميّ كأنّهتعمّج شيطان بذي خروع قفر

وقد يسمّون الكبر والطغيان، والخنزوانة، والغضب الشّديد شيطانا، على التّشبيه. قال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه: «والله لأنزعنّ نعرته، ولأضربنّه حتى أنزع شيطانه من نخرته».

والأعراب تجعل الخوافي والمستجنّات، من قبل أن ترتّب المراتب، جنسين، يقولون جنّ وحنّ، بالجيم والحاء. وأنشدوا:

أبيت أهوي في شياطين ترنّمختلف نجواهم حنّ وجنّ

ويجعلون الجنّ فوق الحنّ. وقال أعشى سليم:

فما أنا من جنّ إذا كنت خافياولست من النّسناس في عنصر البشر
للشاعر أعشى سُليم، اقرأ القصيدة

ذهب إلى قول من قال: البشر ناس ونسناس، والخوافي حنّ وجنّ. يقول: أنا من أكرم الجنسين حيثما كنت.

وضعفة النسّاك وأغبياء العبّاد، يزعمون أنّ لهم خاصّة شيطانا قد وكّل بهم، ويقال له «المذهب» يسرج لهم النّيران، ويضيء لهم الظّلمة ليفتنهم وليريهم العجب إذا ظنّوا أنّ ذلك من قبل الله تعالى.

وفي الحديث أنّ الشّيطان الذي قد تفرّد بحفظة القرآن ينسيهم القرآن، يسمى خنزب، وهو صاحب عثمان بن أبي العاص.

قال: وأما الخابل والخبل، فإنما ذلك اسم للجنّ الذين يخبلون النّاس بأعيانهم، دون غيرهم. وقال الشّاعر:

تناوح جنّان بهنّ وخبّل

كأنّه أخرج الذين يخبلون ويتعرّضون، ممّن ليس عنده إلّا العزيف والنّوح.

وفصل أيضا لبيد بينهم فقال:

أعاذل لو كان النّداد لقوتلواولكن أتانا كلّ جنّ وخابل

وقد زعم ناس أنّ الخبل والخابل ناس. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، فكيف يقول أوس بن حجر:

ناوح جنّان بهن وخبّل

قالوا: وإذا تعرّضت الجنّيّة وتلوّنت وعبثت فهي شيطانة، ثم غول. والغول في كلام العرب الدّاهية. ويقال: لقد غالته غول. وقال الشاعر:

تقول بيتي في عز وفي سعةفقد صدقت ولكن أنت مدخول
لا بأس بالبيت إلّا ما صنعت بهتبني وتهدمه هدّا له غول

وقال الرّاجز:

والحرب غول أو كشبه الغولتزفّ بالرّايات والطّبول
تقلب للأوتار والذّحولحملاق عين ليس بالمكحول

ومن قول الأعراب أنهم يظهرون لهم، ويكلّمونهم، ويناكحونهم. ولذلك قال شمر بن الحارث الضبّي:

ونار قد حضأت بعيد هدءبدار لا أريد بها مقاما
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «ونار قد حضأت بعيد هدء»
سوى تحليل راحلة وعينأكالئها مخافة أنّ تناما
للشاعر سُمَيْر بن الحارث الضبي، اقرأ القصيدة
أتوا ناري فقلت منون قالواسراة الجنّ قلت عموا ظلاما
للشاعر سُمَيْر بن الحارث الضبي، اقرأ القصيدة
فقلت إلى الطّعام فقال منهمزعيم نحسد الإنس الطّعاما
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «ونار قد حضأت بعيد هدء»

وذكر أبو زيد عنهم أن رجلا منهم تزوج السّعلاة، وأنها كانت عنده زمانا، وولدت منه، حتّى رأت ذات ليلة برقا على بلاد السّعالي، فطارت إليهنّ، فقال:

رأى برقا فأوضع فوق بكرفلا بك ما أسال وما أغاما

فمن هذا النّتاج المشترك، وهذا الخلق المركّب عندهم، بنو السّعلاة، من بين عمرو بن يربوع، وبلقيس ملكة سبأ. وتأوّلوا قول الشاعر:

لا همّ إنّ جرهما عبادكاالنّاس طرف وهم تلادكا

فزعموا أن أبا جرهم من الملائكة الذين كانوا إذا عصوا في السّماء أنزلوا إلى الأرض، كما قيل في هاروت وماروت. فجعلوا سهيلا عشّارا مسخ نجما، وجعلوا الزّهرة امرأة بغيّا مسخت نجما، وكان اسمها «أناهيد».

وتقول الهند في الكوكب الذي يسمّى «عطارد» شبيها بهذا.

ويقول الناس: «فلان مخدوم» يذهبون إلى أنّه إذا عزم على الشّياطين والأرواح والعمّار أجابوه وأطاعوه. منهم عبد الله بن هلال الحميريّ، الذي كان يقال له صديق إبليس. ومنهم كرباش الهنديّ، وصالح المديبري.

وقد كان عبيد مجّ يقول: إن العامر حريص على إجابة العزيمة، ولكنّ البدن إذا لم يصلح أن يكون له هيكلا لم يستطع دخوله. والحيلة في ذلك أن يتبخّر باللبان الذّكر، ويراعي سير المشتري، ويغتسل بالماء القراح، ويدع الجماع وأكل الزّهومات، ويتوحّش في الفيافي، ويكثر دخول الخرابات، حتى يرقّ ويلطف ويصفو ويصير فيه مشابه من الجنّ، فإن عزم عند ذلك فلم يجب فلا يعودنّ لمثلها فإنه ممّن لا يصلح أن يكون بدنه هيكلا لها، ومتى عاد خبط فربما جنّ، وربما مات.

قال: فلو كنت ممّن يصلح أن يكون لهم هيكلا لكنت فوق عبد الله بن هلال.

قال الأعراب: وربما نزلنا بجمع كثير، ورأينا خياما وقبابا، وناسا، ثم فقدناهم من ساعتنا.

والعوامّ ترى أنّ ابن مسعود، ﵁، رأى رجالا من الزّطّ فقال: «هؤلاء أشبه من رأيت بالجنّ ليلة الجنّ».

قال: وقد روي عنه خلاف ذلك.

وتأوّلوا قوله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً

. ولم يهلك الناس كالتأويل.

ومما يدلّ على ما قلنا قول أبي النّجم، حيث يقول:

بحيث تستنّ مع الجنّ الغول

فأخرج الغول من الجنّ، للذي بانت به من الجنّ.

وهكذا عادتهم: أن يخرجوا الشيء من الجملة بعد أن دخل ذلك الشيء في الجملة، فيظهر لأمر خاصّ.

وفي بعض الرّواية أنهم كانوا يسمعون في الجاهلية من أجواف الأوثان همهمة، وأن خالد بن الوليد حين هدم العزّى رمته بالشّرر حتى احترق عامّة فخذه، حتى عاده النبيّ ﷺ.

وهذه فتنة لم يكن الله تعالى ليمتحن بها الأعراب وأشباه الأعراب من العوامّ.

وما أشك أنه قد كانت للسّدنة حيل وألطاف لمكان التكسّب.

ولو سمعت أو رأيت بعض ما قد أعدّ الهند من هذه المخاريق في بيوت عباداتهم، لعلمت أنّ الله تعالى قد منّ على جملة الناس بالمتكلّمين، الذين قد نشؤوا فيهم.

وقد تعرف ما في عجايز النصارى وأغمارهم، من الافتنان بمصابيح كنيسة

قمامة. فأما علماؤهم وعقلاؤهم فليسوا بمتحاشين من الكذب الصّرف، والجراءة على البهتان البحت. وقد تعوّدوا المكابرة حتى دربوا بها الدّرب الذي لا يفطن له إلا ذو الفراسة الثّابتة، والمعرفة الثّاقبة.

والأعراب وأشباه الأعراب لا يتحاشون من الإيمان بالهاتف، بل يتعجّبون ممن ردّ ذلك. فمن ذلك حديث الأعشى بن نبّاش بن زرارة الأسدي، أنه سمع هاتفا يقول:

لقد هلك الفيّاض غيث بني فهروذو الباع والمجد الرّفيع وذو الفخر

قال: فقلت مجيبا له:

ألا أيّها الناعي أخا الجود والنّدىمن المرء تنعاه لنا من بين فهر

فقال:

نعيت ابن جدعان بن عمرو أخا النّدىوذا الحسب القدموس والحسب القهر

وهذا الباب كثير.

قالوا: ولنقل الجنّ الأخبار علم الناس بوفاة الملوك، والأمور المهمة، كما تسامعوا بموت المنصور بالبصرة في اليوم الذي توفي فيه بقرب مكة. وهذا الباب أيضا كثير.

وكانوا يقولون: إذا ألف الجنّي إنسانا وتعطّف عليه، وخبّره ببعض الأخبار، وجد حسّه ورأى خياله، فإذا كان عندهم كذلك قالوا: مع فلان رئيّ من الجن. وممن يقولون ذلك فيه عمرو بن لحيّ بن قمعة، والمأمور الحارثي، وعتيبة بن الحارث بن شهاب، في ناس معروفين من ذوي الأقدار، من بين فارس رئيس، وسيّد مطاع.

فأما الكهّان: فمثل حارثة جهينة، وكاهنة باهلة، وعزّى سلمة، ومثل شقّ، وسطيح، وأشباههم.

وأما العرّاف، وهو دون الكاهن، فمثل الأبلق الأسدي، والأجلح الزهري، وعروة ابن زيد الأسدي، وعرّاف اليمامة رباح بن كحلة، وهو صاحب بنت المستنير البلتعي، وقد قال الشاعر:

فقلت لعراف اليمامة داونيفإنّك إنّ أبرأتني لطبيب

وقال جبيهاء الأشجعيّ:

أقام هوى صفيّة في فؤاديوقد سيّرت كلّ هوى حبيب
للشاعر جبيهاء الأشجعي، من قصيدة «أقام هوى صفية في فؤادي»
لك الخيرات كيف منحت ودّيوما أنا من هواك بذي نصيب
للشاعر جبيهاء الأشجعي، من قصيدة «أقام هوى صفية في فؤادي»
أقول وعروة الأسديّ يرقيأتاك برقية الملق الكذوب
للشاعر جبيهاء الأشجعي، من قصيدة «أقام هوى صفية في فؤادي»
لعمرك ما التّثاؤب يا ابن زيدبشاف من رقاك ولا مجيب
للشاعر جبيهاء الأشجعي، من قصيدة «أقام هوى صفية في فؤادي»
لسير النّاعجات أظنّ أشفىلما بي من طبيب بني الذّهوب
للشاعر جبيهاء الأشجعي، من قصيدة «أقام هوى صفية في فؤادي»

وليس الباب الذي يدّعيه هؤلاء من جنس العيافة والزّجر، والخطوط، والنّظر في أسرار الكفّ، وفي مواضع قرض الفار، وفي الخيلان في الجسد، وفي النظر في الأكتاف، والقضاء بالنجوم، والعلاج بالفكر.

وقد كان مسيلمة يدّعي أن معه رئيّا في أوّل زمانه، ولذلك قال الشّاعر، حين وصف مخاريقه وخدعه:

ببيضة قارور وراية شادنوخلة جنّيّ وتوصيل طائر

ألا تراه ذكر خلّة الجني.

ويقولون: ومن الجنّ جنس صورة الواحد منهم على نصف صورة الإنسان، واسمه شقّ، وإنّه كثيرا ما يعرض للرّجل المسافر إذا كان وحده، فرّبما أهلكه فزعا، وربما أهلكه ضربا وقتلا.

قالوا: فمن ذلك حديث علقمة بن صفوان بن أميّة بن محرّث الكناني، جدّ مروان بن الحكم، خرج في الجاهلية، وهو يريد مالا له بمكة، وهو على حمار، وعليه إزار ورداء، ومعه مقرعة، في ليلة إضحيانة، حتى انتهى إلى موضع يقال له حائط حزمان، فإذا هو بشقّ له يد ورجل، وعين، ومعه سيف، وهو يقول:

علقم إني مقتولوإن لحمي مأكول
أضربهم بالهذلولضرب غلام شملول

رحب الذّراع بهلول

فقال علقمة:

يا شقّها مالي ولكاغمد عنّي منصلك

تقتل من لا يقتلك

فقال شقّ:

عبيت لك عبيت لككيما أتيح مقتلك

فاصبر لما قد حمّ لك

قال: فضرب كلّ واحد منهما صاحبه، فخرّا ميّتين، فممّن قتلت الجنّ علقمة ابن صفوان هذا، وحرب بن أميّة.

قالوا: وقالت الجنّ:

وقبر حرب بمكان قفروليس قرب قبر حرب قبر

قالوا: ومن الدّليل على ذلك، وعلى أنّ هذين البيتين من أشعار الجن أن أحدا لا يستطيع أن ينشدهما ثلاث مرات متصلة، لا يتتعتع فيها، وهو يستطيع أن ينشد أثقل شعر في الأرض وأشقّه عشر مرّات ولا يتعتع.

قال: وقتلت مرداس بن أبي عامر، أبا عبّاس بن مرداس، وقتلت الغريض خنقا بعد أن غنّى بالغناء الذي كانوا نهوه عنه، وقتلت الجنّ سعد بن عبادة بن دليم، وسمعوا الهاتف يقول:

نحن قتلنا سيّد الخزرج سعد بن عباده
رميناه بسهمينفلم نخط فؤاده

واستهووا سنان بن أبي حارثة ليستفحلوه، فمات فيهم. واستهووا طالب بن أبي طالب، فلم يوجد له أثر إلى يومنا هذا.

واستهووا عمرو بن عديّ اللّخميّ الملك، الذي يقال فيه: «شبّ عمرو عن الطّوق»، ثمّ ردّوه على خاله جذيمة الأبرش، بعد سنين وسنين.

واستهووا عمارة بن الوليد بن المغيرة، ونفخوا في إحليله فصار مع الوحش.

ويروون عن عبد الله بن فائد بإسناد له يرفعه، أنّ النبي ﷺ قال: «خرافة رجل من عذرة استهوته الشّياطين»، وأنّه تحدّث يوما بحديث فقالت امرأة من نسائه: هذا من حديث خرافة! قال: «لا، وخرافة حقّ».

ورووا عن عمر بن الخطاب ﵁، أنّه سأل المفقود الذي استهوته الجن: ما كان طعامهم؟ قال: الفول. قال: فما كان شرابهم؟ قال: الجدف.

ورووا أن طعامهم الرّمة وما لم يذكر اسم الله عليه.

ورووا عن النبي ﷺ والحديث صحيح- أنه قال: «خمّروا آنيتكم، وأوكئوا أسقيتكم وأجيفوا الأبواب، وأطفئوا المصابيح، واكففوا صبيانكم، فإن للشّياطين انتشارا وخطفة».

وقد قال الناس في قوله تعالى: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ

، فزعم ناس أنّ رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن، لها منظر كريه.

والمتكلّمون لا يعرفون هذا التّفسير، وقالوا: ما عنى إلّا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم، من فسقة الجن ومردتهم. فقال أهل الطّعن والخلاف: كيف يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهّمه، ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق، أو خبر صادق. ومخرج الكلام يدلّ على التخويف بتلك الصّورة، والتفزيع منها.

وعلى أنّه لو كان شيء أبلغ في الزّجر من ذلك لذكره. فكيف يكون الشأن كذلك، والناس لا يفزعون إلّا من شيء هائل شنيع، قد عاينوه، أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان، بليغ في الوصف. ونحن لم نعاينها، ولا صوّرها لنا صادق. وعلى أنّ أكثر الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ولم تسمع الاختلاف لا يتوهّمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه. فكيف يكون ذلك وعيدا عاما؟! قلنا: وإن كنّا نحن لم نر شيطانا قطّ ولا صوّر رؤوسها لنا صادق بيده، ففي

إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان، حتّى صاروا يضعون ذلك في مكانين:

أحدهما أن يقولوا: «لهو أقبح من الشيطان»، والوجه الآخر أن يسمّى الجميل شيطانا، على جهة التطيّر له، كما تسمّى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صمّاء، وقرناء، وخنساء، وجرباء وأشباه ذلك، على جهة التطيّر له. ففي إجماع المسلمين والعرب وكلّ من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان، دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح.

والكتاب إنّما نزل على هؤلاء الذين قد ثبّت في طبائعهم بغاية التثبيت.

وكما يقولون: «لهو أقبح من السحر»، فكذلك يقولون، كما قال عمر بن عبد العزيز لبعض من أحسن الكلام في طلب حاجته- « «هذا والله السّحر الحلال».

وكذلك أيضا ربّما قالوا: «ما فلان إلا شيطان» على معنى الشّهامة والنّفاذ وأشباه ذلك.

والعامّة تزعم أنّ الغول تتصوّر في أحسن صورة إلا أنه لا بدّ أن تكون رجلها رجل حمار.

وخبّروا عن الخليل بن أحمد، أنّ أعرابيّا أنشده:

وحافر العير في ساق خدلّجةوجفن عين خلاف الإنس في الطول

وذكروا أنّ العامّة تزعم أنّ شقّ عين الشيطان بالطول. وما أظنّهم أخذوا هذين المعنين إلّا عن الأعراب.

وأما إخبارهم عن هذه الأمم، وعن جهلها بهذا الإجماع والاتّفاق والإطباق، فما القول في ذلك إلّا كالقول في الزّبانية وخزنة جهنّم، وصور الملائكة الذين

يتصوّرون في أقبح الصّور إذا حضروا لقبض أرواح الكفار، وكذلك في صور منكر ونكير، تكون للمؤمن على مثال، وللكافر على مثال.

ونحن نعلم أنّ الكفار يزعمون أنهم لا يتوهّمون الكلام والمحاجّة من إنسان ألقي في جاحم أتّون فكيف بأن يلقى في نار جهنّم؟! فالحجّة على جميع هؤلاء، في جميع هذه الأبواب، من جهة واحدة. وهذا الجواب قريب. والحمد لله.

وشقّ فم العنكبوت بالطول. وله ثماني أرجل.

وتزعم الأعراب أن الله عزّ ذكره حين أهلك الأمة التي كانت تسمّى وبار، كما أهلك طسما، وجديسا، وأميما، وجاسما، وعملاقا، وثمودا وعادا- أنّ الجنّ سكنت في منازلها وحمتها من كلّ من أرادها، وأنّها أخصب بلاد الله، وأكثرها شجرا، وأطيبها ثمرا، وأكثرها حبّا وعنبا، وأكثرها نخلا وموزا. فإن دنا اليوم إنسان من تلك البلاد، متعمّدا، أو غالطا، حثوا في وجهه التراب، فإن أبى الرّجوع خبلوه، وربّما قتلوه.

والموضع نفسه باطل. فإذا قيل لهم: دلّونا على جهته، ووقّفونا على حدّه وخلاكم ذمّ- زعموا أنّ من أراد ألقي على قلبه الصّرفة، حتّى كأنهم أصحاب موسى في التّيه. وقال الشاعر:

وداع دعا واللّيل مرخ سدولهرجاء القرى يا مسلم بن حمار
دعا جعلا لا يهتدي لمقيلهمن اللؤم حتّى يهتدي لوبار

فهذا الشاعر الأعرابيّ جعل أرض وبار مثلا في الضلال. والأعراب يتحدّثون عنها كما يتحدّثون عمّا يجدونه بالدّوّ والصّمّان، والدهناء، ورمل يبرين. وما أكثر ما يذكرون أرض وبار في الشّعر، على معنى هذا الشاعر.

قالوا: فليس اليوم في تلك البلاد إلّا الجنّ، والإبل الحوشيّة.

والحوش من الإبل عندهم هي التي ضربت فيها فحول إبل الجن. فالحوشيّة من نسل إبل الجن. والعيديّة، والمهرية، والعسجديّة، والعمانية، قد ضربت فيها الحوش.

وقال رؤبة:

جرّت رحانا من بلاد الحوش

وقال ابن هريم:

كأنّي على حوشيّة أو نعامةلها نسب في الطّير وهو ظليم

وإنما سمّوا صاحبة يزيد بن الطّثرية «حوشيّة» على هذا المعنى.

وقال بعض أصحاب التفسير في قوله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً

: إنّ جماعة من العرب كانوا إذا صاروا في تيه من الأرض، وتوسّطوا بلاد الحوش، خافوا عبث الجنّان والسّعالي والغيلان والشياطين، فيقوم أحدهم فيرفع صوته: إنا عائذون بسيّد هذا الوادي! فلا يؤذيهم أحد، وتصير لهم بذلك خفارة.

وهم يزعمون أن المجنون إذا صرعته الجنّيّة، وأنّ المجنونة إذا صرعها الجنيّ- أنّ ذلك إنما هو على طريق العشق والهوى، وشهوة النّكاح، وأن الشيطان يعشق المرأة منّا، وأنّ نظرته إليها من طريق العجب بها أشدّ عليها من حمّى أيام، وأنّ عين الجانّ أشدّ من عين الإنسان.

قال: وسمع عمرو بن عبيد، ﵁، ناسا من المتكلّمين ينكرون صرع الإنسان للإنسان، واستهواء الجنّ للإنس، فقال وما ينكرون من ذلك وقد سمعوا قول

الله عزّ ذكره في أكلة الرّبا، وما يصيبهم يوم القيامة، حيث قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ

. ولو كان الشّيطان لم يخبط أحدا لما ذكر الله تعالى به أكلة الرّبا.

فقيل له: ولعلّ ذلك كان مرّة فذهب. قال: ولعله قد كثر فازداد أضعافا. قال:

وما ينكرون من الاستهواء بعد قوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ

قال: والعرب تزعم أن الطاعون طعن من الشيطان، ويسمّون الطّاعون رماح الجنّ. قال الأسديّ للحارث الملك الغسّاني:

لعمرك ما خشيت على أبيّرماح بني مقيّدة الحمار
ولكني خشيت على أبيّرماح الجنّ أو إياك حار

يقول: لم أكن أخاف على أبيّ مع منعته وصرامته، أن يقتله الأنذال، ومن يرتبط العير دون الفرس، ولكني إنما كنت أخافك عليه، فتكون أنت الذي تطعنه أو يطعنه طاعون الشّام.

وقال العمانيّ يذكر دولة بني العبّاس:

قد دفع الله رماح الجنوأذهب العذاب والتّجنّي
للشاعر العماني الراجز، اقرأ القصيدة

وقال زيد بن جندب الإياديّ:

ولولا رماح الجنّ ما كان هزهمرماح الأعادي من فصيح وأعجم
للشاعر زيد بن جندب الإيادي، اقرأ القصيدة

ذهب إلى قول أبي دؤاد:

سلّط الموت والمنون عليهمفلهم في صدى المقابر هام

يعني الطاعون الذي كان أصاب إيادا.

وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنّه ذكر الطّاعون فقال: «هو وخز من عدوّكم»: وأنّ عمرو بن العاص قام في النّاس في طاعون عمواس فقال: «إنّ هذا الطاعون قد ظهر، وإنما هو وخز من الشّيطان، ففرّوا منه في هذه الشّعاب».

وبلغ معاذ بن جبل، فأنكر ذلك القول عليه.

وتزعم العامّة أنّ الله تعالى قد ملّك الجن والشياطين والعمّار والغيلان أن يتحوّلوا في أيّ صورة شاؤوا، إلّا الغول، فإنّها تتحوّل في جميع صورة المرأة ولباسها، إلّا رجليها، فلا بدّ من أن تكون رجلي حمار.

وإنما قاسوا تصوّر الجن على تصوّر جبريل ﵇ في صورة دحية بن خليفة الكلبي، وعلى تصوّر الملائكة الذين أتوا مريم، وإبراهيم، ولوطا، وداود ﵈ في صورة الآدميّين، وعلى ما جاء في الأثر من تصوّر إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وعلى تصوّره في صورة الشيخ النجدي. وقاسوه على تصوّر ملك الموت إذا حضر لقبض أرواح بني آدم، فإنه عند ذلك يتصوّر على قدر الأعمال الصالحة والطالحة.

قالوا: وقد جاء في الخبر أنّ من الملائكة من هو في صورة الرّجال، ومنهم

من هو في صورة الثّيران، ومنهم من هو في صورة النسور. ويدلّ على ذلك تصديق النبى ﷺ لأميّة بن أبي الصّلت، حين أنشد:

رجل وثور تحت رجل يمينهوالنّسر للأخرى وليث مرصد

قالوا: فإذ قد استقام أن تختلف صورهم وأخلاط أبدانهم، وتتفق عقولهم وبيانهم واستطاعتهم، جاز أيضا أن يكون إبليس والشّيطان والغول أن يتبدلوا في الصّور من غير أن يتبدلوا في العقل والبيان والاستطاعة.

قالوا: وقد حوّل الله تعالى جعفر بن أبي طالب طائرا، حتى سماه المسلمون الطّيّار، ولم يخرجه ذلك من أن نراه غدا في الجنة، وله مثل عقل أخيه علي ﵄، ومثل عقل عمه حمزة رضي الله تعالى عنه، مع المساواة بالبيان والخلق.

قالوا: وقد جاء في الأثر النهي عن الصّلاة في أعطان الإبل، لأنّها خلقت من أعنان الشياطين.

وجاء أنّ النبيّ ﷺ نهى عن الصّلاة عند طلوع الشّمس حتى طلوعها، فإنّها بين قرني شيطان.

وجاء أنّ الشياطين تغلّ في رمضان.

فكيف تنكر ذلك مع قوله تعالى في القرآن. وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ.

وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ

ولشهرة ذلك في العرب، في بقايا ما ثبتوا عليه من دين إبراهيم ﵇، قال النابغة الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإله لهقم في البريّة فاحددها عن الفند
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»
وخيّس الجنّ إنّي قد أذنت لهميبنون تدمر بالصّفّاح والعمد
للشاعر ابن سارة الأندلسي، اقرأ القصيدة
فمن عصاك فعاقبه معاقبةتنهى الظّلوم ولا تقعد على ضمد

وجاء في قتل الأسود البهيم من الكلاب، وفي ذي النّكتتين، وفي الحية ذات الطّفيتين، وفي الجانّ.

وجاء: «لا تشربوا من ثلمة الإناء، فإنّه كفل الشّيطان». وفي العاقد شعره في الصلاة: «إنّه كفل الشيطان». وأن النبي ﷺ قال: «تراصّوا بينكم في الصلاة، لا تتخللكم الشّياطين كأنّها بنات حذف». وأنّه نهى عن ذبائح الجن.

ورووا: «أن امرأة أتت إلى النبي ﷺ فقالت: إنّ ابني هذا، به جنون يصيبه عند الغداء والعشاء قال: فمسح النبيّ ﷺ صدره، فثعّ ثعة فخرج من جوفه جرو أسود يسعى».

قالوا: وقد قضى ابن علاثة القاضي بين الجنّ، في دم كان بينهم بحكم أقنعهم.

ثم رجع بنا القول إلى تفسير قصيدة البهّراني:

أما قوله:

«وتزوّجت في الشبيبة غولابغزال وصدقتي زقّ خمر»
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة

فزعم أنه جعل صداقها غزالا وزقّ خمر، فالخمر لطيب الرائحة، والغزال لتجعله مركبا، فإنّ الظّباء من مراكب الجنّ.

وأما قوله:

«ثيّب إن هويت ذلك منهاومتى شئت لم أجد غير بكر»
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة

كأنه قال: هي تتصوّر في أيّ صورة شاءت.

وأما قوله:

«بنت عمرو وخالها مسحل الخير وخالي هميم صاحب عمرو»
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة

فإنهم يزعمون أنّ مع كلّ فحل من الشعراء شيطانا يقول ذلك الفحل على لسانه الشعر، فزعم البهراني أنّ هذه الجنّية بنت عمرو صاحب المخبّل، وأن خالها مسحل شيطان الأعشى. وذكر أن خاله هميم، وهو همّام. وهمّام هو الفرزدق. وكان غالب بن صعصعة إذا دعا الفرزدق قال: يا هميم.

وأما قوله: «صاحب عمرو» فكذلك أيضا يقال إن اسم شيطان الفرزدق عمرو.

وقد ذكر الأعشى مسحلا حين هجاه جهنّام فقال:

دعوت خليلي مسحلا ودعوا لهجهنّام جدعا للهجين المذمّم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألا قل لتيا قبل مرتها اسلمي»

وذكره الأعشى فقال:

حباني أخي الجنّيّ نفسي فداؤهبأفيح جيّاش العشيّات مرجم

وقال أعشى سليم:

وما كان جنّيّ الفرزدق قدوةوما كان فيهم مثل فحل المخبّل
للشاعر أعشى سُليم، اقرأ القصيدة
وما في الخوافي مثل عمرو وشيخهولا بعد عمرو شاعر مثل مسحل
للشاعر أعشى سُليم، اقرأ القصيدة

وقال الفرزدق، في مديح أسد بن عبد الله:

ليبلغنّ أبا الأشبال مدحتنامن كان بالغور أو مروي خراسانا
كأنّها الذّهب العقيان حبّرهالسان أشعر خلق الله شيطانا

وقال:

فلو كنت عندي يوم قوّ عذرتنيبيوم دهتني جنّه وأخابله
للشاعر جرير، من قصيدة «ألم تر أن الجهل أقصر باطله»

فمن أجل هذا البيت، ومن أجل قول الآخر:

إذا ما راع جارته فلاقىخبال الله من إنس وجنّ

زعموا أنّ الخابل النّاس.

ولما قال بشّار الأعمى:

دعاني شنقناق إلى خلف بكرةفقلت: اتركنّي فالتفرّد أحمد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «فتبادروا طرف الثناء بفضله»

يقول: أحمد في الشعر أن لا يكون لي عليه معين- فقال أعشى سليم يردّ عليه:

إذا ألف الجنّيّ قردا مشنّفافقل لخنازير الجزيرة أبشري

فجزع بشّار من ذلك جزعا شديدا، لأنّه كان يعلم مع تغزّله أنّ وجهه وجه قرد.

وكان أوّل ما عرف من جزعه من ذكر القرد، الذي رأوا منه حين أنشدوه بيت حمّاد:

ويا أقبح من قردإذا ما عمي القرد

وأما قوله:

«ولها خطّة بأرض وبارمسحوها فكان لي نصف شطر»
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة

فإنما ادّعى الرّبع من ميراثها، لأنه قال:

«تركت عبدلا ثمال اليتامىوأخوه مزاحم كان بكري»
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة
«وضعت تسعة وكانت نزورامن نساء في أهلها غير نزر»
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة

وفي أنّ مع كلّ شاعر شيطانا يقول معه، قول أبي النجم:

إني وكلّ شاعر من البشرشيطانه أنثى وشيطاني ذكر
للشاعر زكي مبارك، من قصيدة «إني وكل شاعر من البشر»

وقال آخر:

إني وإن كنت صغير السّنّوكان في العين نبوّ عنّي

فإنّ شيطاني كبير الجنّ

وأما قول عمرو بن كلثوم:

وقد هرّت كلاب الجنّ مناوشذّبنا قتادة من يلينا

فإنهم يزعمون أنّ كلاب الجنّ هم الشعراء.

وأما قوله:

«أرض حوش وجامل عكنانوعروج من المؤبّل دثر»
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة

فأرض الحوش هي أرض وبار، وقد فسّرنا تأويل الحوش، والعكنان: الكثير الذي لا يكون فوقه عدد. قوله: «عروج» جمع عرج. والعرج: ألف من الإبل نقص شيئا أو زاد شيئا. و «المؤبّل» من الإبل، يقال إبل مؤبّلة، ودراهم مدرهمة، وبدر مبدّرة، مثل قوله تعالى: وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ

وأما قوله: «دثر» فإنهم يقولون:

مال دثر، ومال دبر، ومال حوم: إذا كان كثيرا.

وأما قوله:

«ونفوا عن حريمها كلّ عفريسرق السّمع كلّ ليلة بدر»
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة

فالعفر هو العفريت، وجعله لا يسرق السمع إلا جهارا في أضوإ ما يكون البدر، من شدّة معاندته، وفرط قوته.

وأما قوله:

في فتوّ من الشّنقناق غرّونساء من الزّوابع زهر»
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة

الزوابع: بنو زوبعة الجنّيّ، وهم أصحاب الرّهج والقتام والتّثوير وقال راجزهم:

إنّ الشياطين أتوني أربعهفي غبش الليل وفيهم زوبعه

فأما شنقناق وشيصبان، فقد ذكرهما أبو النجم:

لابن شنقناق وشيصبان

فهذان رئيسان ومن آباء القبائل. وقد قال شاعرهم:

إذا ما ترعرع فينا الغلامفليس يقال له من هوه
إذا لم يسد قبل شدّ الإزارفذلك فينا الذي لا هوه
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إذا ما ترعرع فينا الغلام»
ولي صاحب من بني الشّيصبان فطورا أقول وطورا هوه
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إذا ما ترعرع فينا الغلام»

وهذا البيت أيضا يصلح أن يلحق في الدّليل على أنهم يقولون: إن مع كلّ شاعر شيطانا. ومن ذلك قول بشّار الأعمى:

دعاني شنقناق إلى خلف بكرةفقلت: اتركنّي فالتّفرّد أحمد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «فتبادروا طرف الثناء بفضله»

قال: وأصحاب الرّقى والأخذ والعزائم، والسّحر، والشّعبذة، يزعمون أنّ العدد والقوّة في الجنّ والشياطين لنازلة الشام والهند، وأنّ عظيم شياطين الهند يقال له:

تنكوير، وعظيم شياطين الشام يقال له: دركاذاب.

وقد ذكرهما أبو إسحاق في هجائه محمد بن يسير، حين ادّعى هذه الصناعة فقال:

قد لعمري جمعت مل آصفيّات ومن سفر آدم والجراب
وتفرّدت بالطوالق والهيكل والرّهنبات من كلّ باب
وعلمت الأسماء كيما تلاقيزحلا والمرّيخ فوق السّحاب
واستثرت الأرواح بالبحر يأتين لصرع الصّحيح بعد المصاب
جامعا من لطائف الدّنهشيّات كبوسا نمّقتها في كتاب
ثم أحكمت متقن الكرويّات وفعل الناريس والنجاب
ثمّ لم تعيك الشعابيذ والخدمة والإحتفاء بالطلاب
بالخواتيم والمناديل والسّعي بتنكوير ودركاذاب

وأما قوله:

«ضربت فردة فصارت هباءفي محاق القمير آخر شهر»
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة

فإنّ الأعراب والعامّة تزعم أن الغول إذا ضربت ضربة ماتت، إلّا أن يعيد عليها الضّارب قبل أن تقضي ضربة أخرى، فإنّه إن فعل ذلك لم تمت. وقال شاعرهم:

فثنّيت والمقدار يحرس أهلهفليت يميني قبل ذلك شلّت

وأنشد لأبي البلاد الطّهويّ:

لهان على جهينة ما ألاقيمن الرّوعات يوم رحى بطان
لقيت الغول تسري في ظلامبسهب كالعباية صحصحان
فقلت لها كلانا نقض أرضأخو سفر فصدّي عن مكاني
فصدّت وانتحيت لها بعضبحسام غير مؤتشب يماني
فقدّ سراتها والبرك منهافخرّت لليدين وللجران
فقالت زد فقلت رويد إنّيعلى أمثالها ثبت الجنان
شددت عقالها وحططت عنهالأنظر غدوة ماذا دهاني
إذا عينان في وجه قبيحكوجه الهرّ مشقوق اللسان
للشاعر أبو الغول الطهوي، من قصيدة «رأيت الغول تهوي جنح ليلٍ»
ورجلا مخدج ولسان كلبوجلد من فراء أو شنان

وأبو البلاد هذا الطهوي كان من شياطين الأعراب، وهو كما ترى يكذب وهو يعلم، ويطيل الكذب ويحبّره. وقد قال كما ترى:

فقالت زد فقلت رويد إنّيعلى أمثالها ثبت الجنان

لأنّهم هكذا يقولون، يزعمون أنّ الغول تستزيد بعد الضّربة الأولى لأنّها تموت من ضربة، وتعيش من ألف ضربة.

وأمّا قوله:

«غلبتني على النّجابة عرسيبعد أن طال في النجابة ذكري
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة
وأرى فيهم شمائل إنسغير أنّ النّجار صورة عفر»
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة

فإنّه يقول: لما تركّب الولد منّي ومنها كان شبهها فيه أكثر.

وقال عبيد بن أيّوب:

أخو قفرات حالف الجنّ وانتفىمن الإنس حتّى قد تقضّت وسائله
له نسب الإنسيّ يعرف نجلهوللجنّ منه خلقه وشمائله

وقال:

وصار خليل الغول بعد عداوةصفيّا وربّته القفار البسابس
فليس بجنّيّ فيعرف نجلهولا أنسيّ تحتويه المجالس
يظلّ ولا يبدو لشيء نهارهولكنّه ينباع واللّيل دامس

قال: وقال القعقاع بن معبد بن زرارة، في ابنه عوف بن القعقاع: والله لما أرى من شمائل الجنّ في عوف أكثر ممّا أرى فيه من شمائل الإنس!.

وقال مسلمة بن محارب: حدّثني رجل من أصحابنا قال: خرجنا في سفر ومعنا رجل، فانتهينا إلى واد، فدعونا بالغداء، فمدّ رجل يده إلى الطعام، فلم يقدر عليه- وهو قبل ذلك يأكل معنا في كلّ منزل- فاشتدّ اغتمامنا لذلك، فخرجنا نسأل عن حاله، فتلقّانا أعرابيّ فقال: ما لكم؟ فأخبرناه خبر الرّجل، فقال: ما اسم

صاحبكم؟ قلنا: أسد قال: هذا واد قد أخذت سباعه فارحلوا، فلو قد جاوزتم الوادي استمرى الرّجل وأكل.

وأمّا قوله:

«وبها كنت راكبا حشراتملجما قنفذا ومسرج وبر
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة
وأجوب البلاد تحتي ظبيضاحك سنّه كثير التمرّي
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة
مولج دبره خواية مكووهو باللّيل في العفاريت يسري»
للشاعر الحكم بن عمرو البهراني، اقرأ القصيدة

فقد أخبرنا في صدر هذا الكتاب بقول الأعراب في مطايا الجن من الحشرات والوحش.

وأنشد ابن الأعرابي لبعض الأعراب:

كلّ المطايا قد ركبنا فلم نجدألذّ وأشهى من مذاكي الثّعالب
ومن عنظوان صعبة شمّريةتخبّ برجليها أمام الرّكائب
ومن جرذ سرح اليدين مفرّجيعوم برحلى بين أيدي المراكب
ومن عضرفوط حطّ بي فأقمتهيبادر وردا من عظاء قوارب
وشرّ مطايا الجنّ أرنب خلّةوذئب الغضا أوق على كلّ صاحب
ولم أر فيها مثل قنفذ برقةيقود قطارا من عظام العناكب

وقد فسّرنا قولهم في الأرانب، لم لا تركب، وفي أرنب الخلّة، وقنفذ البرقة.

وحدثني أبو نواس قال: بكرت إلى المربد، ومعي ألواحي أطلب أعرابيّا فصيحا، فإذا في ظلّ دار جعفر أعرابيّ لم أسمع بشيطان أقبح منه وجها، ولا بإنسان أحسن منه عقلا. وذلك في يوم لم أر كبرده بردا، فقلت له: هلّا قعدت في الشمس! فقال: الخلوة أحبّ إليّ! فقلت له مازحا: أرأيت القنفذ إذا امتطاه الجنيّ وعلا به في الهواء، هل القنفذ يحمل الجنّيّ أم الجنّيّ يحمل القنفذ؟ قال: هذا من أكاذيب الأعراب، وقد قلت في ذلك شعرا. قلت فأنشدنيه. فأنشدني بعد أن كان قال لي:

قلت هذا الشعر وقد رأيت ليلة قنفذا ويربوعا يلتمسان بعض الرّزق:

فما يعجب الجنّان منك عدمتهموفي الأسد أفراس لهم ونجائب
أتسرج يربوع وتلجم قنفذالقد أعوزتهم ما علمت المراكب
فإن كانت الجنّان جنّت فبالحرىولا ذنب للأقدار والله غالب
وما الناس إلا خادع ومخدّعوصاحب إسهاب وآخر كاذب

قال: فقلت له: قد كان ينبغي أن يكون البيت الثالث والرابع بيت آخر. قال:

كانت والله أربعين بيتا، ولكنّ الحطمة والله حطمتها. قال: فقلت: فهل قلت في هذا الباب غير هذا؟ قال: نعم، شيء قلته لزوجتي، وهو والله عندها أصدق شيء قلته لها:

أراه سميعا للسّرار كقنفذلقد ضاع سرّ الله يا أمّ معبد

قال: فلم أصبر أن ضحكت. فغضب وذهب.

ويكتب مع شعر أبي البلاد الطّهوي:

فمن لا مني فيها فواجه مثلهاعلى غرّة ألقت عطافا ومئزرا
لها ساعدا غول، ورجلا نعامةورأس كمسحاة اليهوديّ أزعرا
وبطن كأثناء المزادة رفّعتجوانبه أعكانه وتكسّرا
وثديان كالخرجين نيطت عراهماإلى جؤجؤ جاني الترائب أزورا

قال: كان أبو شيطان، واسمه إسحاق بن رزين، أحد بني السّمط سمط جعدة ابن كعب، فأتاهم أمير فجعل ينكب عليهم جورا، وجعل آخر من أهل بلده ينقب عليهم: أي يكون عليهم نقيبا، فجعل يقول:

يا ذا الذي نكبنا ونقبازوّجه الرّحمن غولا عقربا
جمّع فيها ماله ولبلبالبالب التّيس إذا تهبهبا
حتّى إذا ما استطربت واستطرباعاين أشنا خلق ربّي زرنبا

ذات نواتين وسلع أسقبا

يعني فرجها ونواتها. يقول. لم تختن.

وأما قوله:

فإن كانت الجنّان جنّت فبالحرى

فإنهم قد يقولون في مثل هذا، وقد قال دعلج بن الحكم:

وكيف يفيق الدهر كعب بن ناشبوشيطانه عند الأهلّة يصرع

وأنشدني عبد الرحمن بن منصور الأسيديّ قبل أن يجنّ:

جنونك مجنون ولست بواجدطبيبا يداوي من جنون جنون
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «جنونك مجنون ولست بواجد»

وأنشدني يومئذ:

أتوني بمجنون يسيل لعابهوما صاحبي إلا الصّحيح المسلّم

وفيما يشبه الأول يقول ابن ميّادة:

فلما أتاني ما تقول محاربتغنّت شياطيني وجنّ جنونها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وحاكت لها ممّا أقول قصائداترامت بها صهب المهاري وجونها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وقال في التّمثيل:

إنّ شرخ الشّباب والشّعر الأسود ما لم يعاص كان جنونا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن شرخ الشباب والشعر الأس»

وقال الآخر:

قالت عهدتك مجنونا فقلت لهاإنّ الشّباب جنون برؤه الكبر
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

وما أحسن ما قال الشّاعر حيث يقول:

فدقّت وجلّت واسبكرّت وأكملتفلو جنّ إنسان من الحسن جنّت
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «ألا أم عمرو أجمعت فاستقلت»

وما أحسن ما قال الآخر:

حمراء تامكة السّنام كأنّهاجمل بهودج أهله مظعون
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «حمراء تامكة السنام كأنها»
جادت بها عند الغداة يمينهكلتا يدي عمرو الغداة يمين
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «حمراء تامكة السنام كأنها»
ما إن يجود بمثلها في مثلهاإلّا كريم الخيم أو مجنون

وقال الجميح:

لو أنّني لم أنل منكم معاقبةإلّا السّنان لذاق الموت مظعون
للشاعر الجميح الأسدي، اقرأ القصيدة
أو لا ختطبت فإني قد هممت بهبالسّيف إنّ خطيب السّيف مجنون

وأنشد:

هم أحموا حمى الوقبى بضربيؤلّف بين أشتات المنون
للشاعر أبو الغول النهشلي - علباء بن جوشن، من قصيدة «ولا يَجْزُون من خَيْرٍ بِشَرٍّ»
فنكّب عنهم درء الأعاديوداووا بالجنون من الجنون
للشاعر أبو الغول النهشلي - علباء بن جوشن، من قصيدة «ولا يَجْزُون من خَيْرٍ بِشَرٍّ»

وأنشدني جعفر بن سعيد:

إنّ الجنون سهام بين أربعةالرّيح والبحر والإنسان والجمل

وأنشدني أيضا:

احذر مغايظ أقوام ذوي حسبإنّ المغيظ جهول السّيف مجنون

وأنشدني أبو تمام الطائي:

من كلّ أصلع قد مالت عمامتهكأنّه من حذار الضّيم مجنون

وقال القطاميّ:

يتبعن سامية العينين تحسبهامجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

وقال في المعني الأوّل الزّفيان العوافيّ:

أنا العوافيّ فمن عادانيأذقته بوادر الهوان

حتّى تراه مطرق الشّيطان

وقال مروان بن محمد:

وإذا تجنّن شاعر أو مفحمأسعطته بمرارة الشيطان

وقال ابن مقبل:

وعندي الدّهيم لو أحلّ عقالهافتصعد لم تعدم من الجنّ حاديا
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

وقد صغّر «الدّهيم» ليس على التحقير، ولكن هذا مثل قولهم: «دبّت إليهم دويهية الدهر».

وقال أبو إسحاق: وأما قول ذي الرّمّة:

إذا حثّهنّ الرّكب في مدلهمّةأحاديثها مثل اصطخاب الضّرائر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أشاقتك أخلاق الرسوم الدواثر»

قال أبو إسحاق: يكون في النّهار ساعات ترى الشّخص الصّغير في تلك المهامه عظيما، ويوجد الصّوت الخافض رفيعا، ويسمع الصّوت الذي ليس بالرّفيع مع انبساط الشّمس غدوة من المكان البعيد؛ ويوجد لأوساط الفيافي والقفار والرّمال والحرار، في أنصاف النّهار، مثل الدّويّ من طبع ذلك الوقت وذلك المكان. عند ما يعرض له. ولذلك قال ذو الرّمّة:

إذا قال حادينا لتشبيه نبأةصه لم يكن إلا دويّ المسامع
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا عوجة»

قالوا: وبالدّويّ سميّت دوّيّة وداوية، وبه سمّي الدوّ دوّا

وكان أبو إسحاق يقول في الذي تذكر الأعراب من عزيف الجنان، وتغوّل الغيلان: أصل هذا الأمر وابتداؤه، أنّ القوم لما نزلوا بلاد الوحش، عملت فيهم

الوحشة. ومن انفرد وطال مقامه في البلاد والخلاء، والبعد من الإنس- استوحش. ولا سيّما مع قلة الأشغال والمذاكرين.

والوحدة لا تقطع أيامهم إلا بالمنى أو بالتفكير. والفكر ربما كان من أسباب الوسوسة. وقد ابتلى بذلك غير حاسب، كأبي يس ومثنّى ولد القنافر.

وخبّرني الأعمش أنه فكّر في مسألة، فأنكر أهله عقله، حتّى حموه وداووه.

وقد عرض ذلك لكثير من الهند.

وإذا استوحش الإنسان تمثّل له الشّيء الصغير في صورة الكبير، وارتاب، وتفرّق ذهنه، وانتفضت أخلاطه، فرأى ما لا يرى، وسمع ما لا يسمع، وتوهم على الشيء اليسير الحقير، أنه عظيم جليل.

ثمّ جعلوا ما تصوّر لهم من ذلك شعرا تناشدوه، وأحاديث توارثوها فازدادوا بذلك إيمانا. ونشأ عليه الناشئ، وربّي به الطّفل، فصار أحدهم حين يتوسّط الفيافي، وتشتمل عليه الغيظان في اللّيالي الحنادس- فعند أوّل وحشة وفزعة، وعند صياح بوم ومجاوبة صدى، وقد رأى كلّ باطل، وتوهّم كلّ زور، وربما كان في أصل الخلق والطبيعة كذّابا نفّاجا، وصاحب تشنيع وتهويل، فيقول في ذلك من الشّعر على حسب هذه الصّفة، فعند ذلك يقول: رأيت الغيلان! وكلّمت السّعلاة! ثمّ يتجاوز ذلك إلى أن يقول قتلتها، ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول: رافقتها ثمّ يتجاوز ذلك إلى أن يقول: تزوّجتها!! قال عبيد بن أيّوب:

فلله درّ الغول أيّ رفيقةلصاحب قفر خائف متقتّر
للشاعر عبيد بن أيوب العنبري، اقرأ القصيدة

وقال:

أهذا خليل الغول والذئب والذييهيم بربّات الحجال الهراكل
للشاعر عبيد بن أيوب العنبري، اقرأ القصيدة

وقال:

أخو قفرات حالف الجنّ وانتفىمن الإنس حتّى قد تقضّت وسائله
له نسب الإنسيّ يعرف نجلهوللجنّ منه خلقه وشمائله

وممّا زادهم في هذا الباب، وأغراهم به، ومدّ لهم فيه، أنهم ليس يلقون بهذه الأشعار وبهذه الأخبار إلا أعرابيّا مثلهم، وإلا عامّيّا لم يأخذ نفسه قط بتمييز ما يستوجب التّكذيب والتّصديق، أو الشّكّ، ولم يسلك سبيل التوقف والتثبّت في هذه الأجناس قطّ. وإمّا أن يلقوا راوية شعر، أو صاحب خبر، فالرّاوية كلّما كان الأعرابيّ أكذب في شعره كان أطرف عنده، وصارت روايته أغلب، ومضاحيك حديثه أكثر فلذلك صار بعضهم يدّعي رؤية الغول، أو قتلها، أو مرافقتها، أو تزويجها؛ وآخر يزعم أنّه رافق في مفازة نمرا. فكان يطاعمه ويؤاكله، فمن هؤلاء خاصّة القتّال الكلابي؛ فإنّه الذي يقول:

أيرسل مروان الأمير رسالةلآتيه إني إذا لمصلّل
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
وما بي عصيان ولا بعد منزلولكنّني من خوف مروان أوجل
وفي باحة العنقاء أو في عمايةأو الأدمى من رهبة الموت موئل
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
ولي صاحب في الغار هدّك صاحباهو الجون إلّا أنه لا يعلّل
إذا ما التقينا كان جلّ حديثناصمات وطرف كالمعابل أطحل
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
تضمّنت الأروى لنا بطعامناكلانا له منها نصيب ومأكل
فأغلبه في صنعة الزّاد إنّنيأميط الأذى عنه ولا يتأمّل
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
وكانت لنا قلت بأرض مضلّةشريعتنا لأيّنا جاء أوّل
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة
كلانا عدوّ لو يرى في عدوّهمحزّا وكلّ في العداوة مجمل
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة

وأنشد الأصمعيّ:

ظللنا معا جارين نحترس الثّأىيسائرني من نطفة وأسائره

ذكر سبعا ورجلا، قد ترافقا، فصار كلّ واحد منهما يدع فضلا من سؤره ليشرب صاحبه. الثّأى: الفساد. وخبّر أنّ كلّ واحد منهما يحترس من صاحبه.

وقد يستقيم أن يكون شعر النابغة في الحية، وفي القتيل صاحب القبر، وفي أخيه المصالح للحية أن يكون إنما جعل ذلك مثلا، وقد أثبتناه في باب الحيات، فلذلك كرهنا إعادته في هذا الموضع.

فأما جميع ما ذكرناه عنهم فإنما يخبرون عنه من جهة المعاينة والتّحقيق، وإنما المثل في هذا مثل قوله:

قد كان شيطانك من خطّابهاوكان شيطاني من طلّابها

حينا فلمّا اعتركا ألوى بها

والإنسان يجوع فيسمع في أذنه مثل الدويّ. وقال الشاعر:

دويّ الفيافي رابه فكأنّهأميم وساري اللّيل للضّرّ معور

معور: أي مصحر.

وربما قال الغلام لمولاه: أدعوتني؟ فيقول له: لا. وإنما اعترى مسامعه ذلك لعرض، لا أنّه سمع صوتا.

ومن هذا الباب قول تأبّط شرّا، أو قول قائل فيه في كلمة له:

يظلّ بموماة ويمسي بقفرةجحيشا ويعروري ظهور المهالك
ويسبق وقد الرّيح من حيث ينتحيبمنخرق من شدّه المتدارك
إذا خاط عينيه كرى النّوم لم يزلله كالئ من قلب شيحان فاتك
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إني لمهد من ثناء فقاصد»
ويجعل عينيه ربيئة قلبهإلى سلّة من حدّ أخضر باتك
إذا هزّه في عظم قرن تهلّلتنواجذ أفواه المنايا الضّواحك
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إني لمهد من ثناء فقاصد»
يرى الإنس وحشيّ الفلاة ويهتديبحيث اهتدت أمّ النجوم الشّوابك

ويدلّ على ما قال أبو إسحاق، من نزولهم في بلاد الوحش وبين الحشرات والسّباع، ما رواه لنا أبو مسهر، عن أعرابيّ من بني تميم نزل ناحية الشّام، فكان لا يعدمه في كلّ ليلة أن يعضّه أو يعضّ ولده أو بعض حاشيته سبع من السباع، أو دابّة من دوابّ الأرض فقال:

تعاورني دين وذلّ وغربةومزّق جلدي ناب سبع ومخلب
وفي الأرض أحناش وسبع وحاربونحن أسارى وسطها نتقلب
رتيلا وطبّوع وشبثان ظلمةوأرقط حرقوص وضمج وعقرب
ونمل كأشخاص الخنافس قطّبوأرسال جعلان وهزلى تسرّب
وعثّ وحفّاث وضبّ وعربدوذرّ ودحّاس وفار وعقرب
وهرّ وظربان وسمع ودوبلوثرملة تجري وسيد وثعلب
ونمر وفهد ثم ضبع وجيألوليث يجوس الألف لا يتهيّب
ولم أر آوى حيث أسمع ذكرهولا الدّبّ إنّ الدّبّ لا يتنسّب

فأما الرّتيلا والطّبّوع، والشّبث، والحرقوص، والضّمج والعنكبوت، والخنفساء، والجعل، والعثّ، والحفّاث، والدّحّاس والظّربان، والذّئب، والثّعلب، والنمر، والفهد، والضّبع، والأسد- فسنقول في ذلك إذا صرنا إلى ذكر هذه الأبواب،

وقبل ذلك عند ذكر الحشرات. فأما الضّبّ والورل، والعقرب، والجعل، والخنفساء، والسّمع فقد ذكرنا ذلك في أوّل الكتاب. وأما قوله: «وهزلى تسرب فالهزلى هي الحيات، كما قال جرير:

مزاحف هزلى بينها متباعد

وكما قال الآخر:

كأنّ مزاحف الهزلى عليهاخدود رصائع جدلت تؤاما

وأما قوله:

ولم أر آوى حيث أسمع ذكره

فإنّ ابن آوى لا ينزل القفار، وإنّما يكون حيث يكون الريف.

وينبغي أن يكون حيث قال هذا الشّعر توهّم أنّه ببياض نجد.

وأمّا قوله:

ولا الدبّ إنّ الدبّ لا يتنسّب

فإنّ الدبّ عندهم عجميّ، والعجميّ لا يقيم نسبه.

ورووا في الملح أنّ فتى قال لجارية له، أو لصديقة له: ليس في الأرض أحسن منّي: ولا أملح منّي. فصار عندها كذلك. فبينا هو عندها على هذه الصّفة إذ قرع عليها الباب إنسان يريده، فاطّلعت عليه من خرق الباب، فرأت فتى أحسن النّاس وأملحهم، وأنبلهم وأتمّهم، فلمّا عاد صاحبها إلى المنزل قالت له: أو ما أخبرتني أنّك أملح الخلق وأحسنهم؟ قال: بلى! وكذلك أنا! فقالت: فقد أرادك اليوم فلان، ورأيته من خرق الباب، فرأيته أحسن منك وأملح! قال: لعمري إنّه لحسن مليح، ولكنّ له جنّيّة تصرعه في كلّ شهر مرّتين- وهو يريد بذلك أن يسقطه من عينها- قالت: أو ما تصرعه في الشّهر إلّا مرتين؟ أما والله لو أنّي جنّيّة لصرعته في اليوم ألفين!

وهذا يدلّ على أنّ صرع الشّيطان للإنسان ليس هو عند العوامّ إلّا على جهة ما يعرفون من الجماع.

ومن هذا الضّرب من الحديث ما حدّثنا به المازنيّ، قال: ابتاع فتى صلف بذّاخ جارية حسناء بديعة ظريفة، فلمّا وقع عليها قال لها مرارا ويلك. ما أوسع حرك! فلمّا أكثر عليها قالت: أنت الفداء لمن كان يملؤه.

فقد سمع هذا كما ترى من المكروه مثل ما سمع الأوّل.

وزعموا أنّ رجلا نظر إلى امرأة حسناء ظريفة، فالحّ عليها، فقالت: ما تنظر؟

قرّة عينك، وشيء غيرك! وزعم أبو الحسن المدائني أن رجلا تبع جارية لقوم. فراوغته فلم ينقطع عنها، فحثّت في المشي فلم ينقطع عنها، فلمّا جازت بمجلس قوم قالت: يا هؤلاء، لي طريق ولهذا طريق، ومولاي ينيكني؛ فسلوا هذا ما يريد مني؟

وزعم أيضا أن سيارا البرقيّ قال: مرّت بنا جارية، فرأينا فيها الكبر والتجبّر، فقال بعضنا: ينبغي أن يكون مولى هذه الجارية ينيكها! قالت: كما يكون! فلم أسمع بكلمة عامّية أشنع ولا أدلّ على ما أرادت، ولا أقصر من كلمتها هذه.

وقد قال جحشويه في شعر شبيها بهذا القول، حيث يقول:

تواعدني لتنكحني ثلاثاولكن يا مشوم بأيّ أير

فلو خطبت في صفة أير خطبة أطول من خطبة قيس بن خارجة بن سنان في شأن الحمالة- لما بلغ مبلغ قول جحشويه: «ولكن يا مشوم بأيّ أير»، وقول الخادم:

«كما يكون».

وزعموا أن فتى جلس إلى أعرابيّة، وعلمت أنّه إنما جلس لينظر إلى محاسن ابنتها، فضربت بيدها على جنبها، ثم قالت:

علنداة يئطّ الأير فيهاأطيط الغرز في الرّحل الجديد

ثم أقبلت على الفتى فقالت:

وما لك من غير أنّك ناكحبعينيك عينيها فهل ذاك نافع

ودخل قاسم منزل الخوارزمي النخّاس، فرأى عنده جارية كأنها جانّ، وكأنها خوط بان، وكأنّها جدل عنان، وكأنه الياسمين؛ نعمة وبياضا؛ فقال لها: أشتريك يا جارية؟ فقالت: «افتح كيسك تسرّ نفسك» ودخلت الجارية منزل النخّاس، فاشتراها وهي لا تعلم ومضى إلى المنزل ودفعها الخوارزميّ إلى غلامه، فلم تشعر الجارية إلا وهي معه في جوف بيت، فلما نظرت إليه وعرفت ما وقعت فيه قالت له: ويلك! إنك والله لن تصل إليّ إلا بعد أن أموت! فإن كنت تجسر على نيك من قد أدرجوه في الأكفان فدونك! والله إن زلت منذ رأيتك، ودخلت إلى الجواري، أصف لهنّ قبحك وبليّة امرأتك بك! فأقبل عليها يكلّمها بكلام المتكلمين، فلم تقبل منه، فقال: فلم قلت لي: «افتح كيسك تسرّ نفسك» ؟ وقد فتحت كيسي فدعيني أسرّ نفسي! وهو يكلّمها وعين الجارية إلى الباب، ونفسها في توهّم الطّريق إلى منزل النخّاس. فلم يشعر قاسم حتّى وثبت وثبة إلى الباب كأنّها غزال، ولم يشعر الخوارزمي إلّا والجارية بين يديه مغشيّ عليها. فكرّ قاسم إليه راجعا وقال: ادفعها إليّ أشفي نفسي منها.

فطلبوا إليه فصفح عنها، واشتراها في ذلك المجلس غلام أملح منها، فقامت إليه فقبّلت فاه، وقاسم ينظر، والقوم يتعجّبون ممّا تهيأ له وتهيّأ لها.

وأما عيسى بن مروان كاتب أبي مروان عبد الملك بن أبي حمزة فإنّه كان شديد التغزّل والتّصندل، حتّى شرب لذلك النبيذ وتظرّف بتقطيع ثيابه وتغنّى أصواتا، وحفظ أحاديث من أحاديث العشّاق ومن الأحاديث التي تشتهيها النساء وتفهم معانيها. وكان أقبح خلق الله تعالى أنفا، حتّى كان أقبح من الأخنس، ومن الأفطس، والأجدع، فإمّا أن يكون صادق ظريفة، وإما أن يكون تزوّجها فلما خلا معها في بيت وأرادها على ما يريد الرّجل من المرأة، امتنعت، فوهب لها، ومنّاها، وأظهر تعشقها، وأراغها بكلّ حيلة. فلما لم تجب قال لها: خبّريني، ما الذي يمنعك؟ قالت: قبح أنفك وهو يستقبل عيني وقت الحاجة، فلو كان أنفك في قفاك لكان أهون عليّ! قال لها: جعلت فداك؟ الذي بأنفي ليس هو خلقة وإنّما هو ضربة ضربتها في سبيل الله تعالى. فقالت واستغربت ضحكا: أنا ما أبالي. في سبيل الله كانت أو في سبيل الشّيطان. إنّما بي قبحه. فخذ ثوابك على هذه الضّربة من الله أمّا أنا فلا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.