من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب من نذر في حميّة المقتول نذرا فبلغ في طلب ثأره الشفاء
قال العبسيّ:
دعوت الله إذ قدنا إليهملنلقى منقرا أو عبد عمرو
وكانت حلفة حلفت لوتروشاء الله أن أدركت وتري
وإنّي قد سقمت فكان برئيبقرواش بن حارثة بن صخر
والأعراب تعدّ القتل سقما وداء لا يبرئه أخذ ثأره دون أخ أو ابن عمّ، فذلك الثّأر المنيم.
وممّن قال في ذلك صبار بن التوءم اليشكري، في طلب الطّائلة وأنّ ذلك داء ليس له برء، وكانوا قتلوا أخاه إساف بن عباد، فلما أدرك ثأره قال:
ألم يأتها أنّي صحوت وأنّنيشفاني من الدّاء المخامر شاف
فأصبحت ظبيا مطلقا من حبالةصحيح الأديم بعد داء إساف
وكنت مغطّى في قناعي حقبةكشفت قناعي واعتطفت عطافي
وفي شبيه بهذا المذهب من ذكر الدّاء والبرء قال الآخر:
قالت عهدتك مجنونا فقلت لهاإن الشّباب جنون برؤه الكبر
وفي شبيه بالأوّل قول الشّيخ الباهليّ، حين خرج إلى المبارزة على فرس أعجف، فقالوا: «بال على بال!». فقال الشّيخ:
رآني الأشعريّ فقال بالعلى بال ولم يعرف بلائي
ومثلك قد كسرت الرّمح فيهفآب بدائه وشفيت دائي
وقالت بنت المنذر بن ماء السّماء:
بعين أباغ قاسمنا المنايافكان قسيمها خير القسيم
وقالوا فارس الهيجاء قلناكذاك الرّمح يكلف بالكريم
وقال الأسدي:
رفعنا طريفا بأرماحناوبالرّاح منّا فلم يدفعونا
فطاح الوشيظ ومال الجموحولا تأكل الحرب إلا السّمينا
وقال الخريمي:
وأعددته ذخرا لكلّ ملمّةوسهم المنايا بالذخائر مولع
وقال السموءل بن عاديا:
يقرّب حبّ الموت آجالنا لناوتكرهه آجالهم فتطول
لأنّا أناس لا نرى القتل سبّةإذا ما رأته عامر وسلول
وقال أبو العيزار:
يدنو وترفعه الرّماح كأنّهشلو تنشّب في مخالب ضاري
فتوى صريعا والرّماح تنوشهإنّ الشّراة قصيرة الأعمار
وقال آخر وهو يوصي بلبس السّلاح:
فإذا أتتكم هذه فتلبّسواإنّ الرّماح بصيرة بالحاسر
وقال الآخر:
يا فارس الناس في الهيجا إذا شغلتكلتا اليدين كرورا غير وقّاف
قوله «شعلت» يريد بالسّيف والتّرس. وأنشد أبو اليقظان:
وكان ضروبا باليدين وباليد
أمّا قوله: «ضروبا باليدين»، فإنّه يريد القداح، وأمّا قوله: «باليد» فإنّه يريد السّيف.
وأمّا قول حسّان لقائده حين قرّبوا الطّعام لبعض الملوك: «أطعام يدين أم يد؟» فإنه قال هذا الكلام يومئذ وهو مكفوف.
وإن كان الطعام حيسا أو ثريدا أو حريرة فهو طعام يد، وإن كان شواء فهو طعام يدين.
ومن أشعار المقتصدين في الشّعر أنشدني قطرب:
تركت الرّكاب لأربابها فأجهدت نفسي على ابن الصّعق
جعلت يديّ وشاحا لهوبعض الفوارس لا يعتنق
وممن صدق على نفسه عمرو بن الإطنابة، حيث يقول:
وإقدامي على المكروه نفسيوضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلّما جشأت وجاشتمكانك تجمدي أو تستريحي
وقل آخر:
وقلت لنفسي إنّما هو عامرفلا ترهبيه وانظري كيف يركب
وقال عمرو بن معد يكرب:
ولّما رأيت الخيل زورا كأنّهاجداول زرع أرسلت فاسبطرّت
فجاشت إليّ النّفس أوّل مرّةفردّت على مكروهها فاستقرّت
وقال الطّائيّ:
ودنونا ودنوا حتّى إذاأمكن الضّرب فمن شاء ضرب
ركضت فينا وفيهم ساعةلهذميّات وبيض كالشّهب
تروا القاع لنا إذ كرهواغمرات الموت واختاروا الهرب
وقال النّمر بن تولب:
سمونا ليشكر يوم النّهابنهزّ قنا سمهريّا طوالا
فلمّا التقينا وكان الجلادأحبّوا الحياة فولّوا شلالا
وكما قال الآخر:
هم المقدمون الخيل تدمى نحورهاإذا ابيضّ من هول الطّعان المسالح
وقال عنترة:
إذ يتّقون بي الأسنّة لم أخمعنها ولكني تضايق مقدمي
وقال قطريّ بن الفجاءة:
وقولي كلّما جشأت، لنفسيمن الأبطال ويحك لا تراعي
فإنّك لو سألت حياة يومسوى الأجل الذي لك لم تطاعي
وقالت الخنساء:
يهين النّفوس وهون النفوسغداة الكريهة أبقى لها
وقال عامر بن الطّفيل:
أقول لنفس لا يجاد بمثلهاأقلّي المراح إنّني غير مقصر
وقال جرير:
إن طاردوا الخيل لم يشووا فوارسهاأو نازلوا عانقوا الأبطال فاهتصروا
وقال ابن مقروم الضّبيّ:
وإذا تعلّل بالسّياط جيادهاأعطاك ثائبة ولم يتعلّل
فدعوا نزال فكنت أوّل نازلوعلام أركبه إذا لم أنزل
وقال كعب الأشقري:
إليهم وفيهم منتهى الحزم والنّدىوللكرب فيهم والخصاصة فاسح
ترى علقا تغشى النفوس رشاشهإذا انفرجت من بعدهنّ الجوانح
كأنّ القنا الخطّيّ فينا وفيهمشواطن بئر هيّجتها المواتح
هناك قذفنا بالرّماح فيما يرىهنالك في جمع الفريقين رامح
ودرنا كما دارت على قطبهاودارت على هام الرّجال الصّفائح
ودرنا كما دارت على قطبهاودارت على هام الرّجال الصّفائح
وقال مهلهل:
ودلفنا بجمعنا لبني شيبان إن الخليل يبغي الخليلا
لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلناوأخو الحرب من أطاق النزولا
وقال عبدة، وهو رجل من عبد شمس:
ولما زجرنا الخيل خاضت بنا القناكما خاضت البزل النّهاء الطّواميا
رمونا برشق ثمّ إنّ سيوفناوردن فأنكرن القبيل المراميا
ولم يك يثني النّبل وقع سيوفناإذا ما عقدنا للجلاد النّواصيا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع