من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب في ذكر الجبن ووهل الجبان
قال الله ﷿: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
. ويقال إن جريرا من هذا أخذ قوله:
ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهمخيلا تكرّ عليكم ورجالا
وإلى هذا ذهب الأوّل:
ولو أنّها عصفورة لحسبتهامسوّمة تدعو عبيدا وأزنما
وقال جران العود:
يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتيوالقلب مستوهل للبين مشغول
ثمّ اغترزت على نضوى ليحملنيإثر الحمول الغوادي وهو معقول
وهذا صفة وهل الجبان. وليس هذا من قوله:
كملقي الأعنّة من كفّهوقاد الجياد بأذنابها
وقال الذّكواني أو زمرة الأهوازيّ، ففسر ذلك حيث يقول:
يجعل الخيل كالسّفين ويرقىعاديا فوق طرفه المشكول
لأنّهم ربّما تنادوا في العسكر: قد جاؤوا، ولا بأس! فيسرج الفارس فرسه وهو مشكول ثم يركبه ويحثّه بالسّوط، ويضربه بالرّجل، فإذا رآه لا يعطيه ما يريد نزل فأحضر على رجليه، ومن وهل الجبان أن يذهل عن موضع الشّكال في قوائم فرسه.
وربما مضى باللّجام إلى عجب ذنبه. وهو قوله: «يجعل الخيل كالسّفين» لأنّ لجام السفينة الذي يغمزها به والشّكال هو في الذّنب.
وقال سهل بن هارون الكاتب في المنهزمة من أصحاب ابن نهيك بالنّهروان من خيل هرثمة بن أعين:
يخيّل للمهزوم إفراط روعهبأنّ ظهور الخيل أدنى من العطب
لأنّ الجبن يريه أنّ عدوه على رجليه أنجى له، كأنّه يرى أنّ النّجاة إنّما تكون على قدر الحمل للبدن.
وقال آخر حين اعتلّ عليه قومه في القتال بالورع:
كأنّ ربّك لم يخلق لخشيتهسواهم من جميع النّاس إنسانا
وقال آخر:
كأنّ بلاد الله وهي عريضةعلى الخائف المطلوب كفّة حابل
وقال الشّاعر:
يروّعه السّرار بكلّ أرضمخافة أن يكون به السّرار
وأنشدني ابن رحيم القراطيسي الشاعر ورمى شاطرا بالجبن، فقال: [من م.
الوافر]
رأى في النّوم إنسانافوارى نفسه أشهر
ويقولون في صفة الحديد إذا أرادوا أنّه خالص. فمن ذلك قول هميان:
يمشون في ماء الحديد تنكّبا
وقال ابن لجإ:
أخضر من ماء الحديد جمجم
وقال الأعشى في غير هذا:
وإذا ما الأكسّ شبه بالأروق عند الهيجا وقلّ البصاق
وقال الأعشى:
إذ لا نقاتل بالعصيّولا نرامي بالحجاره
وقال الأخطل:
وما تركت أسيافنا حين جرّدتلأعدائنا قيس بن عيلان من عذر
وأنشد الأصمعيّ للجعديّ:
وبنو فزارة إنّهالا تلبث الحلب الحلائب
يقول: لا تلبث الحلائب حلبا حتى تهزمهم
وأمّا قوله:
«وطائر يسبح في جاحمكماهر يسبح في غمر»
فهذا طائر يسمّى سندل، وهو هنديّ، يدخل في أتون النّار ويخرج ولا يحترق له ريشة.
وزعم ثمامة أن المأمون قال: لو أخذ إنسان هذا الطّحلب الذي يكون على وجّه الماء، في مناقع المياه، فجفّفه في الظلّ وألقاه في النّار لما كان يحترق وزعموا أنّ الفلفل لا يضرّه الحرق، ولا الغرق، والطّلق لا يصير جمرا أبدا.
قال: وكذلك المغرة.
فكأنّ هذا الطّائر في طباعه وفي طباع ريشه مزاج من طلاء النّفاطين. وأظنّ هذا من طلق وخطميّ ومغرة.
وقد رأيت عودا يؤتى به من ناحية كرمان لا يحترق. وكان عندنا نصرانيّ في عنقه صليب منه، وكان يقول لضعفاء الناس: هذا العود من الخشبة التي صلب عليها المسيح، والنّار لا تعمل فيها. فكان يكتسب بذلك، حتّى فطن له وعورض بهذا العود.
وأمّا قوله:
«كماهر يسبح في غمر»
فالماهر هو السّابح الماهر وقال الأعشى:
مثل الفراتيّ إذا ما طمايقذف بالبوصيّ والماهر
وقال الربيع بن قعنب:
وترى الماهر في غمرتهمثل كلب الماء في يوم مطر
وأمّا قوله:
«ولطعة الذّئب على حسوهوصنعة السّرفة والدّبر»
قال: فإنّ الذّئب يأتي الجمل الميّت فيفضي بغمغمته، فيعتمد على حجاج عينه فيلحس عينه بلسانه حسيا، فكأنّما قوّرت عينه تقويرا، لما أعطي من قوّة الرّدّة. وردّه لسانه أشدّ مرّا في اللّحم والعصب من لسان البقر في الخلى.
فأمّا عضّته ومصّته فليس يقع على شيء عظما كان أو غيره إلّا كان له بالغا بلا معاناة، من شدّة فكيه.
ويقال: إنّه ليس في الأرض سبع يعضّ على عظم إلّا ولكسرته صوت بين لحييه، إلّا الذئب، فإنّ أسنانه توصف بأنّها تبري العظم بري السّيف المنعوت بأنّ ضربته من شدّة مرورها في العظم، ومن قلّة ثبات العظم له، لا يكون له صوت. قال الزّبير بن عبد المطّلب:
وينبي نخوة المحتال عنّيغموض الصوت ضربته صموت
ولذلك قالوا في المثل: «ضربه ضربة فكأنّما أخطأه»، لسرعة المرّ، لأنّه لم يكن له صوت.
وقال الرّاجز في صفة الذّئب:
أطلس يخفي شخصه غبارهفي شدقه شفرته وناره
وسنأتي على صفة الذئب، في غير هذا الباب من أمره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأمّا ذكر صنعة السّرفة والدّبر، فإنّه يعني حكمتها في صنعة بيوتها، فإنّ فيها صنعة عجيبة.
وأمّا قوله:
«ومسمع القردان في منهلأعجب ممّا قيل في الحجر»
فإنهم يقولون: «أسمع من فرس»، ويجعلون الحجر فرسا بلا هاء، وإنّما يعنون بذلك الحجر، لأنّها أسمع.
قال: والحجر وإن ضرب بها المثل، فالقراد أعجب منها، لأنها تكون في المنهل فتموج ليلة الورد، في وقت يكون بينها وبين الإبل التي تريد الورود أميال.
فتزعم الأعراب أنها تسمع رغاءها وأصوات أخفافها، قبل أن يسمعها شيء والعرب تقول: «أسمع من قراد». وقال الرّاجز:
أسمع من فرخ العقاب الأسحم
وأمّا قوله:
«والمقرم المعلم ما إن لهمرارة تسمع في الذّكر
وحصية تنصل من جوفهعند حدوث الموت والنّحر
ولا يرى بعدهما جازرشقشقة مائلة الهدر»
فهذا باب قد غلط فيه من هو أعنى بتعرّف أعاجيب ما في العالم من بشر.
ولقد تنازع بالبصرة ناس، وفيهم رجل ليس عندنا بالبصرة أطيب منه، فأطبقوا جميعا على أنّ الجمل إذا نحر ومات فالتمست خصيته وشقشقته أنهما لا توجدان.
فقال ذلك الطّيب: فلعلّ مرارة الجمل أيضا كذلك، ولعلّه أن تكون له مرارة ما دام
حيّا، ثمّ تبطل عند الموت والنّحر. وإنّما صرنا نقول: لا مرارة له، لأنّا لا نصل إلى رؤية المرارة إلّا بعد أن تفارقه الحياة. فلم أجد ذلك عمل في قلبي، مع إجماعهم على ذلك، فبعثت إلى شيخ من جزّاري باب المغيرة فسألته عن ذلك، فقال: بلى لعمري إنهما لتوجدان إن أرادهما مريد. وإنّما سمعت العامّة كلمة، وربّما مزحنا بها، فيقول أحدنا: خصية الجمل لا توجد عند منحره! أجل والله ما توجد عند منحره، وإنما توجد في موضعها. وربّما كان الجمل خيارا جيّدا فتلحق خصيتاه بكليتيه، فلا توجدان لهذه العلّة. فبعثت إليه رسولا: إنّه ليس يشفيني إلّا المعاينة. فبعث إليّ بعد ذلك بيوم أو يومين مع خادمي نفيس، بشقشقة وخصية.
ومثل هذا كثير قد يغلط فيه من يشتدّ حرصه على حكاية الغرائب.
وأمّا قوله:
«وليس للطّرف طحال وقدأشاعه العالم بالأمر
وفي فؤاد الثّور عظم وقديعرفه الجازر ذو الخبر»
وليس عندي في الفرس أنّه لا طحال له، إلّا ما أرى في كتاب الخيل لأبي عبيدة والنّوادر لأبي الحسن، وفي الشّعر لبشر. فإن كان جوف الفرس كجوف البرذون، فأهل خراسان من أهل هذا العسكر، يذبحون في كلّ أسبوع عدّة براذين.
وأمّا العظم الذي يوجد في قلب الثّور فقد سمعنا بعضهم يقول ذلك، ورأيته في كتاب الحيوان لصاحب المنطق.
وأمّا قوله:
«وأكثر الحيتان أعجوبةما كان منها عاش في البحر
[إذ لا لسان سقي ملحهولا دماغ السمك النهري] »
فهو كما قال: لأنّ سمك البحر كلّه ليس له لسان ولا دماغ.
وأصناف من حيتان البحر تجيء في كلّ عام، في أوقات معلومة حتّى تدخل دجلة، ثم تجوز إلى البطاح. فمنها الأسبور، ومنها البرستوك ووقته ومنها الجواف ووقته. وإنما عرفت هذه الأصناف بأعيانها وأزمانها لأنها أطيب ذلك السّمك. وما أشكّ أنّ معها أصنافا أخر يعلم منها أهل الأبلّة مثل الذي أعلم أنا من هذه الأصناف الثّلاثة.
وأمّا قوله:
«وأكبد تظهر في ليلهاثمّ توارى آخر الدّهر
ولا يسيغ الطّعم ما لم يكنمزاجه ماء على قدر
ليس له شيء لإزلاقهسوى جراب واسع الشّجر»
فإنّ سمكا يقال له الكوسج غليظ الجلد، أجرد، يشبه الجرّيّ، وليس بالجرّي، في جوفها شحمة طيّبة، فإن اصطادوها ليلا وجدوها وإن اصطادوها نهارا لم يجدوها.
وهذا الخبر شائع في الأبلة، وعند جميع البحريّين، وهم يسمّون تلك الشّحمة الكبد.
وأما قولهم: السّمكة لا تسيغ طعمها إلّا مع الماء، فما عند بشر ولا عندي إلّا ما ذكر صاحب المنطق. وقد عجب بشر من امتناعها من بلع الطّعم، وهي مستنقعة في الماء، مع سعة جراب فيها.
والعرب تسمّي جوف البئر من أعلاه إلى قعره جراب البئر.
وأمّا ما سوى هذه القصيدة فليس فيها إلّا ما يعرف، وقد ذكرناه في موضع غير هذا من هذا الجزء خاصّة.
وسنقول في باب الضّبع والقنفذ والحرقوص والورل وأشباه ذلك ما أمكن إن شاء الله تعالى.
قال أبو زياد الكلابيّ: أكلت الضّبع شاة رجل من الأعراب، فجعل يخاطبها ويقول:
ما أنا يا جعار من خطّابكعليّ دقّ العصل من أنيابك
على حذا جحرك لا أهابك
جعار: اسم الضبع، ولذلك قال الراجز:
يا أيّها الجفر السّمين وقومههزلى تجرّهم ضباع جعار
ثم قال الأعرابيّ:
ما صنعت شاتي التي أكلتملأت منها البطن ثمّ جلت
وخنتني وبئس ما فعلتقالت له: لا زلت تلقى الهمّا
وأرسل الله عليك الحمّىلقد رأيت رجلا معتمّا
قال لها: كذبت يا خباثقد طال ما أمسيت في اكتراث
أكلت شاة صبية غراثقالت له والقول ذو شجون:
أسهبت في قولك كالمجنونأما وربّ المرسل الأمين
لأفجعن بعيرك السّمينوأمّه وجحشه القرين
حتّى تكون عقلة العيونقال لها ويحك حذّريني
واجتهدي الجهد وواعدينيوبالأمانيّ فعلّليني
لأقطعنّ ملتقى الوتينمنك وأشفى الهمّ من دفيني
فصدّقيني أو فكذّبينيأو اتركي حقّي وما يليني
إذا فشلّت عندها يمينيتعرّفي ذلك باليقين
قالت: أبالقتل لنا تهدّدوأنت شيخ مهتر مفنّد
قولك بالجبن عليك يشهدمنك وأنت كالذي قد أعهد
قال لها: فأبشري وأبشريإذا تجردت لشأني فاصبري
أنت زعمت قد أمنت منكريأحلف بالله العليّ الأكبر
يمين ذي ثرية لم يكفرلأخضبنّ منك جنب المنحر
برمية من نازع مذكّرأو تتركين أحمري وبقري
فأقبلت للقدر المقدّرفأصبحت في الشّرك المزعفر
مكبوبة لوجهها والمنخروالشّيخ قد مال بغرب مجزر
ثمّ اشتوى من أحمر وأصفرمنها ومقدور وما لم يقدر
وقال الآخر:
يا ليت لي نعلين من جلد الضّبعوشركا من استها لا ينقطع
كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع
وهذا يدلّ على أنّ جلدها جلد سوء.
وإذا كانت السّنة جدبة تأكل المال، سمّتها العرب الضّبع. قال الشّاعر:
أبا خراشة أمّا كنت ذا نفرفإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع
وقال عمير بن الحباب:
فبشّري القين بطعن شرجيشبع أولاد الضباع العرج
ما زال إسدائي لهم ونسجيحتّى اتّقوني بظهور ثبج
أريننا يوما كيوم المرج
وقال رجل من بني ضبّة:
يا ضبعا أكلت آيار أحمرةففي البطون وقد راحت قراقير
ما منكم غير جعلان بممدرةدسم المرافق أنذال عواوير
وغير همز ولمز للصّديق ولاتنكي عدوّكم منكم أظافير
وإنّكم ما بطنتم لم يزل أبدامنكم على الأقرب الأدنى زنابير
وأنشد:
القوم أمثال السّباع فانشمرفمنهم الذّئب ومنهم النّمر
والضّبع العرجاء واللّيث الهصر
وقال العلاجم:
معاور حلباته الشخص أعمكالدّيخ أفنى سنّه طول الهرم
وأنشد:
فجاوز الحرض ولا تشمّمهلسابغ المشفر رحب بلعمه
سالت ذفاريه وشاب غلصمهكالذّيخ في يوم مرشّ رهمه
يقول: وبر لحييها كثير كأنّه شعر [ذيخ] قد بلّه المطر. وأنشد:
لما رأين ماتحا بالغربتخلّجت أشداقها للشّرب
تخليج أشداق الضّباع الغلب
يعني من الحرص والشّره. وتمثّل ابن الزّبير:
خذيني فجرّيني جعار وأبشريبلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره
وإنّما خصّ الضّباع، لأنّها تنبش القبور، وذلك من فرط طلبها للحوم النّاس إذا لم تجدها ظاهرة. وقال تأبّط شرّا:
فلا تقبروني إنّ قبري محرّمعليكم ولكن خامري أمّ عامر
إذا ضربوا رأسي وفي الرّأس أكثريوغودر عند الملتقى ثمّ سائري
هنالك لا أبغي حياة تسرّنيسمير الليالي مبسلا بالجرائر
قال اليقطري: وإذا بقي القتيل بالعراء انتفخ أيره، لأنّه إذا ضربت عنقه يكون منبطحا على وجهه، فإذا انتفخ انقلب، فعند ذلك تجيء الضّبع فتركبه فتقضي حاجتها ثمّ تأكله.
وكانت مع عبد الملك جارية شهدت معه حرب مصعب، فنظرت إلى مصعب وقد انقلب وانتفخ أيره وورم وغلظ، فقالت: يا أمير المؤمنين، ما أغلظ أيور المنافقين!
فلطمها عبد الملك
ابن الأعرابي: قالت امرأة لزوجها، وكانت صغيرة الرّكب، وكان زوجها صغير الأير: ما للرّجل في عظم الرّكب منفعة، وإنّما الشّأن في ضيق المدخل، وفي المصّ والحرارة، ولا ينبغي أن يلتفت إلى ما ليس من هذا في شيء. وكذلك الأير، إنّما ينبغي أن تنظر المرأة إلى حرّ جلدته، وطيب عسيلته، ولا تلتفت إلى كبره وصغره.
وأنعظ الرجل على حديثها إنعاظا شديدا، فطمع أن ترى أيره في تلك الحال عظيما، فأراها إيّاه، وفي البيت سراج، فجعل الرّجل يشير إلى أيره، وعينها طامحة إلى ظلّ أيره في أصل الحائط، فقال: يا كذابة، لشدّة شهوتك في عظم ظلّ الأير لم تفهمي عنّي شيئا، قالت: أما إنّك لو كنت جاهلا كان أنعم لبالك يا مائق، لو كان منفعة عظم الأير كمنفعة عظم الرّكب لما طمحت عيني إليه. قال الرجل: فإنّ للرّكب العظيم حظّا في العين، وعلى ذلك تتحرّك له الشّهوة. قالت: وما تصنع بالحركة، وشكّ يؤدّي إلى شكّ؟ الأير إن عظم فقد ناك جميع الحر، ودخل في تلك الزّوايا التي لم تزل تنتظم من بعيد. وغيرها المنتظم دونها، وإذا صغر ينيك ثلث الحر ونصفه وثلثيه.
فمن يسرّه أن يأكل بثلث بطنه، أو يشرب بثلث بطنه؟
قال اليقطري: أمكنها والله من القول ما لم يمكنه.
وقال: وخلا معاوية بجارية له خراسانيّة، فما همّ بها نظر إلى وصيفة في الدّار، فترك الخراسانيّة وخلا بالوصيفة ثمّ خرج فقال للخراسانيّة: ما اسم الأسد بالفارسيّة؟ قال: كفتار. فخرج وهو يقول: ما الكفتار؟ فقيل له: الكفتار الضّبع.
فقال: ما لها قاتلها الله، أدركت بثأرها! والفرس إذا استقبحت وجه الإنسان قالت:
روي كفتار، أي وجه الضبع.
قال: وكتب عمر بن يزيد بن عمير الأسدي إلى قتيبة بن مسلم، حين عزل وكيع بن سود عن رياسة بني تميم، وولّاها ضرار بن حسين الضّبي: «عزلت السّباع وولّيت الضّباع».
وأنشد لعبّاس بن مرداس السّلميّ:
فلو مات منهم من جرحنا لأصبحتضباع بأكناف الأراك عرائسا
وقال جريبة بن أشيم:
فمن مبلغ عنّي يسارا ورافعاوأسلم أنّ الأوهنين الأقارب
فلا تدفننّي في ضرا وادفننّنيبديمومة تنزو عليّ الجنادب
وإن أنت لم تعقر عليّ مطيّتيفلا قام في مال لك الدّهر حالب
فلا يأكلنّي الذّئب فيما دفنتنيولا فرعل مثل الصّريمة حارب
أزلّ هليب لا يزال مآبطاإذا ذربت أنيابه والمخالب
وأنشد:
تركوا جارهم تأكلهضبع الوادي وترميه الشّجر
يقول: خذلوه حتّى أكله ألأم السّباع، وأضعفها. وقوله: «وترميه الشّجر»، يقول: حتّى صار يرميه من لا يرمي أحدا.
وقد بقي من القول في الضّبع ما سنكتبه في باب القول في الذئب.
وأمّا الحرقوص فزعموا أنّه دويبّة أكبر من البرغوث، وأكثر ما ينبت له جناحان بعد حين، وذلك له خير.
وهذا المعنى يعتري النّمل- وعند ذلك يكون هلاكه- ويعتري الدّعاميص إذا صارت فراشا، ويعتري الجعلان.
والحرقوص دويبّة عضّها أشدّ من عضّ البراغيث. وما أكثر ما يعضّ أحراح النساء والخصى. وقد سميّ بحرقوص من مازن أبو كابية بن حرقوص، قال الشّاعر:
أنتم بني كابية بن حرقوصكلّهم هامته كالأفحوص
وقال بشر بن المعتمر، في شعره المزاوج، حين ذكر فضل عليّ على الخوارج، وهو قوله:
ما كان في أسلافهم أبو الحسنولا ابن عبّاس ولا أهل السّنن
غرّ مصابيح الدّجى مناجبأولئك الأعلام لا الأعارب
كمثل حرقوص ومن حرقوصفقعة قاع حولها قصيص
ليس من الحنظل يشتار العسلولا من البحور يصطاد الورل
هيهات ما سافلة كعاليهما معدن الحكمة أهل البادية
قال: والحرقوص يسمى بالنّهيك. وعضّ النّهيك ذلك الموضع من امرأة أعرابيّ فقال:
وما أنا للحرقوص إن عضّ عضةلها بين رجليها بجدّ عقور
تطيب بنفسي بعد ما تستفزّنيمقالتها إنّ النّهيك صغير
والذين ذهبوا إلى أنّه البرغوث نفسه قالوا: الدّليل على ذلك قول الطّرمّاح:
ولو أنّ حرقوصا على ظهر قملةيكرّ على صفّي تميم لولّت
قالوا: ولو كان له جناحان لما أركبه ظهر القملة. وليس في قول الطّرمّاح دليل على ما قال.
وقال بعض الأعراب، وعض الحرقوص خصيته:
لقد منع الحراقيص القرارافلا ليلا نقرّ ولا نهارا
يغالبن الرّجال على خصاهموفي الأحراح دسّا وانجحارا
وقالت امرأة تعني زوجها:
[يغار من الحرقوص أن عضّ عضةبفخذي منها ما يجذّ، غيور]
لقد وقع الحرقوص منّي موقعاأرى لذّة الدّنيا إليه تصير
وأنشدوا لآخر:
برّح بي ذو النّقطتين الأملسيقرض أحيانا وحينا ينهس
فقد وصفه هذا كما ترى. وهذا يصدّق قول الآخر، ويردّ على من جعل الحراقيص من البراغيث. قال الآخر:
يبيت باللّيل جوّابا على دمثماذا هنالك من عضّ الحراقيص
وسنقول في الورل بما أمكن من القول إن شاء الله تعالى. وعلى أنّا قد فرّقنا القول فيه على أبواب قد كتبناها قبل هذا.
قالوا: الورل يقتل الضّبّ، وهو أشدّ منه، وأجود سلاحا وألطف بدنا. قالوا:
والسّافد منها يكون مهزولا، وهو الذي يزيف إلى الإنسان وينفخ ويتوعّد.
قال: واصطدت منها واحدا فكسرت حجرا، وأخذت مروة فذبحته بها، حتّى قلت قد نخعته. فاسبطرّ لحينه فأردت أن أصغي إليه وأشرت بإبهامي في
فيه، فعضّ عليها عضة اختلعت أنيابه، فلم يخلّها حتى عضضت على رأسه.
قال: فأتيت أهلي فشققت بطنه، فإذا فيها حيّتان عظيمتان إلّا الرّأس.
قال: وهو يشدخ رأس الحيّة ثمّ يبتلعها فلا يضرّه سمّها. وهذا عنده أعجب ما فيه. فكيف لو رأى الحوّائين عندنا، وأحدهم يعطى الشيء اليسير، فإن شاء أكل الأفعى نيّا، وإن شاء شواء، وإن شاء قديدا فلا يضرّه ذلك بقليل ولا كثير.
وفي الورل أنه ليس شيء من الحيوان أقوى على أكل الحيّات وقتلها منه، ولا أكثر سفادا، حتى لقد طمّ في ذلك على التّيس، وعلى الجمل، وعلى العصفور، وعلى الخنزير، وعلى الذّبّان في العدد، وفي طول المكث. وفيه أنّه لا يحتفر لنفسه بيتا، ويغتصب كلّ شيء بيته؛ لأنها أيّ جحر دخلته هرب منه صاحبه. فالورل يغتصب الحيّة بيتها كما تغتصب الحيّة بيوت سائر الأحناش والطّير والضّب.
وهو أيضا من المراكب. وهو أيضا مما يستطاب، وله شحمة، ويستطيبون لحم ذنبه. والورل دابّة خفيف الحركة ذاهبا وجائيا، ويمينا وشمالا. وليس شيء بعد العظاءة أكثر تلفّتا منه وتوقفا.
وتزعم المجوس أنّ أهرمن، وهو إبليس، لمّا جلس في مجلسه في أوّل الدهر ليقسّم الشّرّ والسّموم- فيكون ذلك عدّة على مناهضة صاحب الخير إذا انقضى الأجل بينهما، ولأنّ من طباعه أيضا فعل الشر على كلّ حال- كانت العظاءة آخر من حضر، فحضرت وقد قسم السمّ كلّه، فتداخلها الحسرة والأسف. فتراها إذا اشتدّت وقفت وقفة تذكّر لما فاتها من نصيبها من السّم، ولتفريطها في الإبطاء حتى صارت لا تسكن إلّا في الخرابات والحشوش؛ لأنها حين لم يكن فيها من السّم شيء لم تطلب مواضع الناس كالوزغة التي تسكن معهم البيوت، وتكرع في آنيتهم الماء وتمجّه، وتزاقّ الحيّات وتهيّجها عليهم. ولذلك نفرت طباع النّاس من الوزغة، فقتلوها تحت كلّ حجر، وسلمت منهم العظاءة تسليما منهم.
ولم أر قولا أشدّ تناقضا، ولا أموق من قولهم هذا؛ لأنّ العظاءة لم يكن ليعتريها من الأسف على فوت السمّ على ما ذكروا أوّلا إلّا وفي طبعها من الشّرارة الغريزيّة أكثر ممّا في طبع الأفعى.
قال الرّاجز في معنى الأوّل:
يا ورلا رقرق في سرابأكان هذا أول الثّواب
قال: ورقرقته: سرعته ذاهبا وجائيا ويمينا وشمالا.
قال أبو دؤاد الإيادي، في صفة لسان فرسه:
عن لسان كجثّة الورل الأحمر مجّ الثّرى عليه العرار
وقال خالد بن عجرة:
[كأنّ لسانه ورل عليه،بدار مضنّة، مجّ العرار]
ووصف الأصمعيّ حمرته في بعض أراجيزه، فقال:
في مغر ذي أضرس وصكّيعرج منه بعد ضيق ضنك
قد قلنا في القنفذ، وصنيعه في الحيّات وفي الأفاعي خاصّة، وفي أنّه من المراكب، وفي غير ذلك من أمره، فيما تقدم هذا المكان من هذا الكتاب.
ويقول من نزع فروته بأنها مملوءة شحيمة. والأعراب تستطيب أكله، وهو طيّب للأرواح.
والقنفذ لا يظهر إلا بالليل، كالمستخفي، فلذلك شبه به، قال أيمن بن خريم:
كقنفذ الرّمل لا تخفى مدارجهخبّ إذا نام عنه النّاس لم ينم
وقال عبدة بن الطبيب:
قوم إذا دمس الظّلام عليهمحدجوا قنافذ بالنّميمة تمزع
وقال:
شريت الأمور وغاليتهافأولى لكم يا بني الأعرج
تدبّون حول ركيّاتكمدبيب القنافذ في العرفج
وقال الآخر في غير هذا الباب:
كأنّ قيرا أو كحيلا ينعصرينحطّ من قنفذ ذفراه الذّفر
وقال عبّاس بن مرداس السّلميّ، يضرب المثل به وبأذنيه في القلّة والصّغر:
فإنّك لم تك كابن الشّريدولكن أبوك أبو سالم
حملت المئين وأثقالهاعلى أذني قنفذ رازم
وأشبهت جدّك شرّ الجدودوالعرق يسري إلى النّائم
وأنشدني الدّلهم بن شهاب، أحد بني عوف بن كنانة، من عكل، قال:
أنشدنيه نفيع بن طارق في تشبيه ركب المرأة إذا جمّم بجلد القنفذ:
علّق من عنائه وشقوتهوقد رأيت هدجا في مشيته
وقد جلا الشّيب عذار لحيتهبنت ثماني عشرة من حجّته
يظنّها ظنّا بغير رؤيتهتمشي بجهم ضيقه من همّته
لم يخزه الله برحب سعتهجمّم بعد حلقه ونورته
كقنفذ القفّ اختفى في فروتهلا يبلغ الأير بنزع رهوته
ولا يكرّ راجعا بكرّتهكأنّ فيه وهجا من ملّته
ويتسمّون بالقنافذ. وذو البرة الذي ذكره عمرو بن كلثوم هو الذي يقال له: برة القنفذ، وهو كعب بن زهير، وهو قوله:
وذو البرة الذي حدّثت عنهبه نحمى ونشفي الملجئينا
ومن القنافذ جنس وهو أعظم من هذه القنافذ؛ وذلك أنّ لها شوكا كصياصي الحاكة، وإنّما هي مدارى قد سخّرت لها وذلّلت تلك المغارز والمنابت، ويكون متى شاء أن ينصل منها رمى به الشخص الذي يخافه، فعلا حتّى كأنّه السهم الذي يخرجه الوتر.
ولم أر أشبه به في الحذف من شجر الخروع؛ فإنّ الحبّ إذا جفّ في أكمامه، وتصدّع عنه بعض الصّدع، حذف به بعض الغصون، فربّما وقع على قاب الرّمح الطويل وأكثر من ذلك.
والبرذون يسقط على جلده ذبابة فيحرّك ذلك الموضع. فهذا عامّ في الخيل.
فأمّا النّاس فإن المخنّث ربما حرّك شيئا من جسده، وأيّ موضع شاء من بدنه.
والكاعاني، وهو اسم الذي يتجنّن أو يتفالج فالج الرّعدة والارتعاش، فإنّه يحكي من صرع الشّيطان، ومن الإزباد، ومن النّفضة، ما ليس [يصدر] عنهما.
وربّما جمعهما في نقاب واحد، فأراك الله تعالى [منه] مجنونا مفلوجا يجمع الحركتين جميعا بما لا يجيء من طباع المجنون.
والإنسان العاقل وإن كان لا يحسن يبني كهيئة وكر الزّنبور، ونسج العنكبوت، فإنه إذا صار إلى حكاية أصوات البهائم وجميع الدوابّ وحكاية العميان والعرجان؛ والفأفأء، وإلى أن يصوّر أصناف الحيوان بيده، بلغ من حكايته الصّورة والصوت والحركة ما لا يبلغه المحكيّ.
وفي النّاس من يحرّك أذنيه من بين سائر جسده، وربّما حرّك إحداهما قبل الأخرى.
ومنهم من يحرّك شعر رأسه، كما أنّ منهم من يبكي إذا شاء، ويضحك إذا شاء.
وخبّرني بعضهم أنّه رأى من يبكي بإحدى عينيه، وبالتي يقترحها عليه الغير.
وحكى المكّي عن جوار باليمن. لهنّ قرون مضفورة من شعر رؤوسهن، وأنّ إحداهنّ تلعب وترقص على إيقاع موزون، ثمّ تشخص قرنا من تلك القرون، ثمّ تلعب وترقص، ثمّ تشخص من تلك الضّفائر المرصّعة واحدة بعد أخرى، حتّى تنتصب كأنها قرون أوابد في رأسها. فقلت له: فلعلّ التّضفير والترصيع أن يكون شديد الفتل ببعض الغسل والتّلبيد، فإذا أخرجته بالحركة التي تثبتها في أصل تلك الضفيرة شخصت. فلم أره ذهب إلى ذلك، ورأيته يحقّقه ويستشهد بأخيه.
وتزعم الأعراب أنّ الذّئب ينام بإحدى عينيه، ويزعمون أنّ ذلك من حاقّ الحذر. وينشد شعر حميد بن ثور الهلاليّ، وهو قوله:
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي المنايا بأخرى فهو يقظان هاجع
وأنا أظنّ هذا الحديث في معنى ما مدح به تأبّط شرّا:
إذا خاط عينيه كرى النّوم لم يزلله كالئ من قلب شيحان فاتك
ويجعل عينيه ربيئة قلبهإلى سلّة من حدّ أخضر باتك
ويقال: «أسمع من قنفذ»، وقد ينبغي أن يكون قولهم: «أسمع من الدّلدل» من الأمثال المولّدة.
وفرق ما بين القنفذ والدّلدل، كفرق ما بين الفأر والجرذان، والبقر والجواميس، والبخاتيّ والعراب، والضّأن والمعز، والذّر والنّمل، والجواف والأسبور، وأجناس من الحيّات، وغير ذلك؛ فإنّ هذه الأجناس منها ما يتسافد ويتلاقح، ومنها ما لا يكون ذلك فيها.
ويقال: «إنّه لأفحش من فاسية» وهي الخنفساء؛ لأنّها تفسو في يد من مسّها. وقال بعضهم: إنّه عنى الظّربان؛ لأنّ الظّربان يفسو في وسط الهجمة، فتتفرّق الإبل فلا تجتمع إلا بالجهد الشّديد.
ويقال: «ألجّ من الخنفساء». وقال خلف الأحمر وهو يهجو رجلا:
ألجّ لجاجا من الخنفساءوأزهى إذا ما مشى من غراب
وأنشد أبو الرّديني، عن عبد الله بن كراع، أخي سويد بن كراع، في الضّبع:
من يجن أولاد طريف رهطامردا أوله شمطا
رأى عضاريط طوالا ثطّاكأضبع مرط هبطن هبطا
ثم يفسّين هزيلا مرطاإنّ لكم عندي هناء لعطا
خطما على آنفكم وعلطا
وحكى أبو مجيب، ما أصابه من أهله، ثمّ قال: وقد رأيت رؤيا عبّرتها: رأيت كأني طردت أرنبا فانجحرت، فحفرت عنها حتّى استخرجتها، فرجوت أن يكون ذلك ولدا أرزقه، وإنه كانت لي ابنة عمّ هاهنا، فأردت أن أتزوّجها؛ فما ترى؟ قلت:
تزوّجها على بركة الله تعالى. ففعل؛ ثمّ استأذنني أن يقيم عندنا أيّاما؛ فأقام ثم أتاني فقلت: لا تخبرني بشيء حتى أنشدك. ثمّ أنشدته هذه الأبيات:
يا ليت شعري عن أبي مجيبإذ بات في مجاسد وطيب
معانقا للرّشأ الرّبيبأأقحم الحفار في القليب
أم كان رخوا يابس القضيب
قال: بلى كان والله رخوا يابس القضيب، والله لكأنّك كنت معنا ومشاهدنا!
فأمّا الفهد؛ فالذي يحضرنا من خصاله أنّه يقال إن عظام السّباع تشتهي ريحه، وتستدلّ برائحته على مكانه وتعجب بلحمه أشدّ العجب.
وقد يصاد بضروب، منها الصّوت الحسن؛ فإنّه يصغي إليه إصغاء حسنا. وإذا
اصطادوا المسنّ كان أنفع لأهله في الصّيد من الجرو الذي يربّونه؛ لأنّ الجرو يخرج خبّا، ويخرج المسنّ على التأديب صيودا غير خبّ ولا مواكل في صيده. وهو أنفع من صيد كلّ صائد، وأحسن في العين. وله فيه تدبير عجيب.
وليس شيء في مثل جسم الفهد إلّا والفهد أثقل منه، وأحطم لظهر الدابَّة التي يرقى على مؤخّرها.
والفهد أنوم الخلق، [وليس نومه كنوم الكلب؛ لأن الكلب نومه نعاس واختلاس]، والفهد نومه مصمت: قال أبو حيّة النّميري:
بعذاريها أناسا نام حلمهمعنّا وعنك وعنها نومة الفهد
وقال حميد بن ثور الهلاليّ:
ونمت كنوم الفهد عن ذي حفيظةأكلت طعاما دونه وهو جائع
وقال الرقاشيّ في صفة الفهد:
قد أغتدي واللّيل أحوى السّدّوالصّبح في الظّلماء ذو تهدّي
مثل اهتزاز العضب ذي الفرندبأهرت الشّدقين ملتئد
أزبر مضبور القرا علّكدطاوي الحشا في طيّ جسم معد
كزّ البراجيم هصور الجدّبرامز ذي نكت مسودّا
وشجر لحيين ونحر وردشرنبث أغلب مصمعدّ
كالليث إلّا نمرة في الجلدللشبح الحائل مستعدّ
حتّى إذا عاين بعد الجهدعلى قطاة الرّدف ردف العبد
سربين عنا بجبين صلدوانقضّ يأدو غير مجرهدّ
في ملهب منه وختل إدّمثل انسياب الحيّة العربدّ
وقوله: «مثل انسياب الحيّة العربدّ»، هذه الحيّة عين الدابّة التي يقال لها العربد. وقد ذكرها مالك بن حريم في [قوله] لعمرو بن معد يكرب: [من م.
الكامل]
يا عمرو لو أبصرتنيلرفوتني في الخيل رفوا
والييض تلمع بينهمتعصو بها الفرسان عصوا
فلقيت مني عربدايقطو أمام الخيل قطوا
لا رأيت نساءهميدخلن تحت البيت حبوا
وسمعت زجر الخيل فيجوف الظّلام هبي وهبوا
في فيلق ملمومةتسطو على الخبرات سطوا
وقال الرّقاشي أيضا في الفهد:
لما غدا للصّيد آل جعفررهط رسول الله أهل المفخر
بفهدة ذات قرا مضبّروكاهل باد وعنق أزهر
ومقلة سال سواد المحجرمنها إلى شدق رحاب المفغر
وذنب طال وجلد أنمروأيطل مستأسد غضنفر
وأذن مكسورة لم تجبرفطساء فيها رحب في المنخر
مثل وجار التتفل المقوّرأرثها إسحاق في التعذر
منها على الخدّين والمعذّر
وقال ابن أبي كريمة في صفة الفهد:
كأنّ بنات القفر حين تشعّبتغدوت عليها بالمنايا الشواعب
بذلك نبغي الصيد طورا وتارةبمخطفة الأحشاء رحب التّرائب
موقّفة الأذناب، نمر ظهورهامخطّطة الآماق غلب الغوارب
مولّعة فطح الجباه عوابستخال على أشداقها خطّ كاتب
فوارس ما لم تلق حربا ورجلةإذا آنست بالبيد شهب الكتائب
تضاءل حتّى ما تكاد تبينهاعيون لدى الصّرّات غير كواذب
توسّد أجياد الفرائس أذرعامرمّلة تحكي عناق الحبائب
قال: والصبيان يصيحون بالفهد إذا رأوه: يا يهوديّ! وقد عرفنا مقالهم في الجرّيّ.
والعامّة تزعم أن الفأرة كانت يهوديّة سحّارة، والأرضة يهودية أيضا عندهم؛ ولذلك يلطّخون الأجذاع بشحم الجزور.
والضبّ يهوديّ؛ ولذلك قال بعض القصّاص لرجل أكل ضبّا: اعلم أنّك أكلت شيخا من بني إسرائيل.
ولا أراهم يضيفون إلى النّصرانية شيئا من السّباع والحشرات.
ولذلك قال أبو علقمة: كان اسم الذئب الذي أكل يوسف رجحون. فقيل له: فإنّ يوسف لم يأكله الذّئب، وإنما كذبوا على الذّئب؛ ولذلك قال الله ﷿:
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ
. قال: فهذا اسم للذئب الذي لم يأكل يوسف.
فينبغي أن يكون ذلك الاسم لجميع الذّئاب، لأنّ الذئاب كلها لم تأكله.
وتزعم المجوس أنّ بشوتن الذي ينتظرون خروجه، ويزعمون أنّ الملك يصير إليه، يخرج على بقرة ذات قرون. ومعه سبعون رجلا عليهم جلود الفهود، لا يعرف هرّا ولا برّا حتى يأخذ جميع الدنيا.
وكذلك إلغازهم في الهرّ والبرّ. وابن الكلبي يزعم عن الشّرقي بن القطاميّ، أن الهرّ السنّور، والبرّ الفارة.
والباز والفهد من جوارح الملوك. والشاهين، والصّقر، والزّرّق، واليؤيؤ.
وليس ترى شريفا يستحسن حمل البازي- لأنّ ذلك من عمل البازيار - ويستهجن حمل الصّقور والشواهين وغيرها من الجوارح، وما أدري علّة ذلك إلا أنّ الباز عندهم أعجميّ، والصّقر عربيّ.
ومن الحيوان الذي يدرّب فيستجيب ويكيس وينصح العقعق، فإنّه يستجيب من حيث تستجيب الصّقور. ويزجر فيعرف ما يراد منه ويخبأ الحلي فيسأل عنه ويصاح به فيمضي حتى يقف بصاحبه على المكان الذي خبّأه فيه، ولكن لا يلزم البحث عنه.
وهو مع ذلك كثيرا ما يضيع بيضه وفراخه.
وثلاثة أشياء تخبّي الدّراهم والحلي، وتفرح بذلك من غير انتفاع به، منها:
العقعق؛ ومنها ابن مقرض: دويبة آلق من ابن عرس؛ وهو صعب وحشيّ، يحبّ الدّراهم، ويفرح بأخذها، ويخبيها، وهو مع ذلك يصيد العصافير صيدا كثيرا، وذلك أنّه يؤخذ فيربط بخيط شديد الفتل، ويقابل به بيت العصفور، فيدخل عليه فيأخذه وفراخه، ولا يقتلها حتى يقتلها الرّجل، فلا يزال كذلك ولو طاف به على ألف جحر. فإذا حلّ خيطه ذهب ولم يقم.
وضرب من الفار يسرق الدّراهم والدنانير والحلي ويفرح به ويظهره ويغيّبه في الجحر وينظر إليه ويتقلّب عليه.
قال: وخطب الأشعث فقال: «أيّها الناس إنه ما بقي من عدوّكم إلا كما بقي
من ذنب الوزغة تضرب به يمينا وشمالا ثم لا تلبث أن تموت» فمر به رجل من قشير فسمع كلامه فقال: قبّح الله تعالى هذا ورأيه، يأمر أصحابه بقلّة الاحتراس، وترك الاستعداد! وقد يقطع ذنب الوزغة من ثلثها الأسفل، فتعيش إن أفلتت من الذّرّ.
وقد تحتمل الخنافس والكلاب من الطّعن الجائف، والسّهم النّافذ؛ ما لا يحتمل مثله شيء. والخنفساء أعجب من ذلك وكفاك بالضّبّ! والجمل يكون سنامه كالهدف، فيكشف عنه جلده في المجهدة؛ ثمّ يجتث من أصله بالشّفار، ثمّ تعاد عليه الجلدة ويداوى فيبرأ، ويحتمل ذلك، وهو أعجب في ذلك من الكبش في قطع أليته من أصل عجب ذنبه، وهي كالتّرس، وربما فعل ذلك به وهو لا يستطيع أن يقلّ أليته إلّا بأداة تتّخذ. ولكنّ الألية على كلّ حال طرف زائد، والسّنام قد طبّق على جميع ما في الجوف.
ونظر إياس بن معاوية في الرّحبة بواسط إلى آجرّة، فقال: تحت هذه الآجرّة دابّة: فنزعوا الآجرّة فإذا تحتها حيّة متطوّقة. فسئل عن ذلك، فقال لأنّي رأيت ما بين الآجرّتين نديّا من جميع تلك الرّحبة، فعلمت أن تحتها شيئا يتنفّس.
وإذا سقط الثّلج في الصحارى صار كلّه طبقا واحدا، إلّا ما كان مقابلا لأفواه جحرة الوحش والحشرات؛ فإنّ الثّلج في ذلك المكان ينحسر ويرقّ لأنفسها من أفواهها ومناخرها ووهج أبدانها، فالكلاب في تلك الحال يعتادها الاسترواح حتى تقف بالكلّابين على رؤوس المواضع التي تنبت الإجردّ والقصيص، وهي التربة التي تنبت الكمأة وتربّيها.
وربما كانت الواحدة كالرّمانة الفخمة، ثم تتخلّق من [غير] بزر، وليس لها عرق تمصّ به من قوى تلك الأرض، ولكنها قوى اجتمعت من طريق الاستحالات، كما ينطبخ في أعماق الأرض، من جميع الجواهر وليس لها بدّ من تربة ذلك من جوهرها، ولا بدّ لها من وسميّ. فإذا صار جانيها إلى تلك المواضع- ولا سيما إن كان اليوم يوما لشمسه وقع - فإنه إذا أبصر الإجردّ والقصيص استدلّ على مواضعها بانتفاخ الأرض وانصداعها.
وإذا نظر الأعرابيّ إلى موضع الانتفاخ يتصدّع في مكانه فكان تفتّحه في الحالات مستويا، علم أنّه كمأة؛ وإن خلط في الحركة والتصدّع علم أنّه دابّة، فاتّقى مكانّها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع