تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب في الأرانب

(القول في الأرانب)

قال الشاعر:

زعمت غدانة أن فيها سيّداضخما يوازنه جناح الجندب
للشاعر الأبيرد الرياحي، اقرأ القصيدة
يرويه ما يروي الذّباب فينتشيسكرا ويشبعه كراع الأرنب

وإنما ذكر كراع الأرنب من بين جميع الكراعات لأنّ الأرنب هي الموصوفة بقصر الذّراع وقصر اليد. ولم يرد الكراع فقط، وإنما أراد اليد بأسرها. وإنما جعل ذلك لها بسبب نحن ذاكروه إن شاء الله تعالى.

والفرس يوصف بقصر الذّراع فقط.

والتّوبير لكلّ محتال من صغار السّباع، إذا طمع في الصيد أو خاف أن يصاد، كالثّعلب، وعناق الأرض هي التي يقال لها التّفة، وهي دابّة نحو الكلب الصّغير، تصيد صيدا حسنا، وربّما واثب الإنسان فعقره، وهو أحسن صيدا من الكلب.

وفي أمثالهم: «لأنت أغنى من التفة عن الرّفة»، وهو التّبن الذي تأكله الدوابّ والماشية من جميع البهائم. والتّفة سبع خالص لا يأكل إلا اللحم.

والتّوبير: أن تضمّ براثنها فلا تطأ على الأرض إلا ببطن الكفّ، حتى لا يرى لها أثر براثن وأصابع. وبعضها يطأ على زمعاته، وبعضها لا يفعل ذلك. وذلك كله في السهل. فإذا أخذت في الحزونة والصّلابة، وارتفعت عن السّهل حيث لا ترى لها آثار- قالوا: ظلفت الأثر تظلفه ظلفا. وقال النّميري: أظلفت الأثر إظلافا.

وعن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر: «ما الدّنيا في الآخرة إلّا كنفجة أرنب».

ويقال حذفته بالعصا كما تحذف الأرنب.

وقال أبو الوجيه العكلي: «لو كانت والله الضبّة دجاجة لكانت الأرنب درّاجة». ذهب إلى أنّ الأرانب والدّرّاج لا تستحيل لحومها ولا تنقلب شحوما، وإنّما سمنها بكثرة اللّحم. وذهب إلى ما يقول المعجبون منهم بلحم الضّبّ؛ فإنّهم يزعمون أنّ الطعمين متشابهان. وأنشد:

وأنت لو ذقت الكشى بالأكبادلما تركت الضّبّ يسعى بالواد

قال: والضبّ يعرض لبيض الظّليم؛ ولذلك قال الحجّاج لأهل الشّام: «إنّما أنا لكم كالظّليم الرّامح عن فراخه، ينفي عنها المدر، ويباعد عنها الحجر، ويكنّها من المطر، ويحميها من الضّباب، ويحرسها من الذئاب. يا أهل الشّام أنتم الجنّة والرّداء، وأنتم العدّة والحذاء».

ثم رجع بنا القول إلى الأرانب. فممّا في الخيل مما يشبه الأرنب قول الأعشى:

أمّا إذا استقبلته فكأنّهجذع سما فوق النّخيل مشذّب
وإذا تصفّحه الفوارس معرضافتقول سرحان الغضا المتنصّب
أمّا إذا استدبرته فتسوقهساق يقمّصها وظيف أحدب
منه، وجاعرة كأنّ حماتهاكشطت مكان الجلّ عنها أرنب

وقال عبد الرّحمن بن حسّان:

كأنّ حماتيهما أرنبان غيضتا خيفة الأجدل

وأنشد الأثرم:

بأغضف الأذن الطّويل العمروأرنب الخلّة تلو الدّهر

قد سمعت من يذكر أنّ كبر أذن الإنسان دليل على طول عمره، حتّى زعموا أنّ شيخا من الزّنادقة، لعنهم الله تعالى، قدّموه لتضرب عنقه فعدا إليه غلام سعديّ كان له، فقال: أليس قد زعمت يا مولاي أنّ من طالت أذنه طال عمره؟ قال: بلى! قال:

فهاهم يقتلونك! قال: إنما قلت: إن تركوه! وأنا لا أعرف ما قال الأثرم، ولا سمعت شعرا حديثا ولا قديما يخبر عن طول عمر الأرنب. قال الشّاعر:

معبلة في قدح نبع حادرتسقى دم الجوف لظفر قاصر
إذ لا تزال أرنب أو فادرأو كروان أو حبارى حاسر

إلى حمار أو أتان عاقر

قال: ويزعمون أنه ليس شيء من الوحش، في مثل جسم الأرنب أقلّ لبنا ودرورا على ولد منها. ولذلك يضرب بدرّها المثل، فممّن قال في ذلك عمرو بن قميئة، حيث يقول:

ليس بالمطعم الأرانب إذ قلّص درّ اللّقاح في الصّنّبر
ورأيت الإماء كالجعثن البالي عكوفا على قرارة قدر
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة
ورأيت الدّخان كالودع الأهجن ينباع من وراء السّتر
حاضر شرّكم وخيركم درّ خريس من الأرانب بكر
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

والأرنب قصير اليدين، فلذلك يخفّ عليه الصّعداء والتوقّل في الجبال.

وعرف أنّ ذلك سهل عليه. فصرف بعض حيله إلى ذلك، عند إرهاق الكلاب إيّاه.

ولذلك يعجبون بكلّ كلب قصير اليدين، لأنه إذا كان كذلك كان أجدر أن يلحقها.

وفي الأرانب من العجب أنها تحيض، وأنها لا تسمن، وأن قضيب الخزز ربّما كان من عظم، على صورة قضيب الثّعلب.

ومن أعاجيبها أنّها تنام مفتوحة العين، فربّما جاء الأعرابيّ حتّى يأخذها من تلقاء وجهها، ثقة منه بأنّها لا تبصر.

وتقول العرب: هذه أرنب، كما يقولون: هذه عقاب ولا يذكّرون. وفيها التّوبير الذي ليس لشيء من الدوابّ التي تحتال بذلك، صائدة كانت أو مصيدة، وهو الوطء على مؤخر القوائم، كي لا تعرف الكلاب آثارها، وليس يعرف ذلك من الكلاب إلّا الماهر، وإنّما تفعل ذلك في الأرض اللّيّنة. وإذا فعلت ذلك لم تسرع في الهرب. وإن خافت أن تدرك انحرفت إلى الحزونة والصّلابة. وإنما تستعمل التّوبير قبل دنو الكلاب.

وليس لشيء من الوحش، ممّا يوصف بقصر اليدين ما للأرنب من السرعة.

والفرس يوصف بقصر الكراع فقط

وكانت العرب في الجاهليّة تقول: من علّق عليه كعب أرنب لم تصبه عين ولا نفس ولا سحر، وكانت عليه واقية؛ لأنّ الجنّ تهرب منها، وليست من مطاياها لمكان الحيض.

وقد قال في ذلك امرؤ القيس:

يا هند لا تنكحي بوهةعليه عقيقته أحسبا
مرسّعة بين أرساغهبه عسم يبتغي أرنبا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أيا هند لا تنكحي بوهة»
ليجعل في يده كعبهاحذار المنيّة أن يعطبا
للشاعر ابن مالك الحميري، من قصيدة «أيا هند لا تنكحي بوهةً»

وفي الحديث: «بكى حتّى رسعت عينه» مشدّدة وغير مشدّدة، أي قد تغيّرت. ورجل مرسّع وامرأة مرسّعة.

وكانوا إذا دخل أحدهم قرية من جنّ أهلها، ومن وباء الحاضرة، أشدّ الخوف، إلّا أن يقف على باب القرية فيعشّر كما يعشّر الحمار في نهيقه، ويعلّق عليه كعب أرنب. ولذلك قال قائلهم:

ولا ينفع التّعشير في جنب جرمةولا دعدع يغني ولا كعب أرنب

الجرمة: القطعة من النّخل. وقوله: «دعدع» كلمة كانوا يقولونها عند العثار.

وقد قال الحادرة:

ومطيّة كلّفت رحل مطيّةحرج تنمّ من العثار بدعدع

وقالت امرأة من اليهود:

وليس لوالدة نفثهاولا قولها لابنها دعدع
تداري غراء أحوالهوربّك أعلم بالمصرع

وقد قال عورة بن الورد، في التّعشير، حين دخل المدينة فقيل له: إن لم تعشّر هلكت! فقال:

لعمري لئن عشّرت من خيفة الرّدىنهاق الحمير إنّني لجزوع

وللأرنب جلد ووبر ينتفع به، ولحمه طيّب؛ ولا سيّما إن جعل محشيا؛ لأنّه يجمع حسن المنظر، واستفادة العلم مما يرون من تدبيرها وتدبير الكلاب، والانتفاع بالجلد وبأكل اللّحم. وما أقلّ ما تجتمع هذه الأمور في شيء من الطّير.

وأما قوله:

إذا ابتدر النّاس المعالي رأيتهمقياما بأيديهم مسوك الأرانب

فإنّه هجاهم بأنّهم لا كسب لهم إلّا صيد الأرانب وبيع جلودها.

وأمّا قوله:

«وغائص في الرمل ذو حدّةليس له ناب ولا ظفر»
للشاعر بشر بن المعتمر، اقرأ القصيدة

فهذا الغائص هو الحلكاء. والحلكاء: دويبّة تغوص في الرمل. كما يصنع الطّائر الذي يسمّى الغمّاس في الماء. وقال ابن سحيم في قصيدته التي قصد فيها للغرائب:

والحلكاء التي تبعج في الرمل

وممّا يغوص في الرّمل، ويسبح فيه سباحة السّمكة في الماء، شحمة الرّمل، وهي شحمة الأرض، بيضاء حسنة يشبّه بها كفّ المرأة، وقال ذو الرّمّة في تشبيه البنان بها:

خراعيب أمثال كأنّ بنانهابنات النقا تخفى مرارا وتظهر

وقال أبو سليمان الغنوي: هي أعرض من العظاءة بيضاء حسنة منقطة بحمرة وصفرة، [وهي] أحسن دوابّ الأرض.

وتشبّه أيضا أطراف البنان بالأساريع وبالعنم، إذا كانت مطرّفة، وقال مرقّش:

النّشر مسك والوجوه دنانير وأطراف الأكفّ عنم
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «شمس تجلت تحت ثوب ظلم»

وصاحب البلاغة من العامّة يقول: «كأنّ بنانها البيّاح والدّواج، ولها ذراع كأنها شبّوطة ».

ويشبه أيضا بالدّمقس.

ومن خرافات أشعار الأعراب، يقول شاعرهم:

أشكو إلى الله العليّ الأمجدعشائرا مثل فراخ السرهد
عشائرا قد نبّفوا بفدفدقد ساقهم خبث الزمان الأنكد
وكلّ حرباء وكل جدجدوكلّ رام في الرّمال يهتدي
وكلّ نفّاض القفا ملهّدينصب رجليه حذار المعتدي
وشحمة الأرض وفرخ الهدهدوالفار واليربوع ما لم يسفد
فنارهم ثاقبة لم تخمدشواء أحناش ولم تفرّد
من الحبين والعظاء الأجرديبيت يسري ما دنا بفدفد
وكلّ مقطوع العرا معلكدحتّى ينالوه بعود أو يد
منها وأبصار سعال جهّديغدون بالجهد وبالتشرّد

زحفا وحبوا مثل حبو المقعد

وأمّا قوله:

«حرباؤها في قيظها شامسحتّى يوافي وقته العصر
يميل بالشّقّ إليها كمايميل في روضته الزّهر»
للشاعر بشر بن المعتمر، اقرأ القصيدة

قال: والحرباء دويبّة أعظم من العظاءة أغبر ما كان فرخا، ثم يصفرّ، وإنّما حياته الحر. فتراه أبدا إذا بدت جونة يعني الشّمس، قد لجأ بظهره إلى جذيل، فإن رمضت الأرض ارتفع. ثم هو يقلّب بوجهه أبدا مع الشّمس حيث دارت، حتّى تغرب، إلا أن يخاف شيئا. ثم تراه شابحا بيديه، كما رأيت من المصلوب. وكلما حميت عليه الشّمس رأيت جلده قد يخضرّ، وقد ذكره ذو الرّمّة بذلك فقال:

يظلّ بها الحرباء للشّمس ماثلاعلى الجذل إلّا أنّه لا يكبّر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي لا ربع بوهبين مخبر»
إذا حوّل الظّلّ العشيّ رأيتهحنيفا وفي قرن الضّحى يتنصّر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي لا ربع بوهبين مخبر»
غدا أصفر الأعلى وراح كأنّهمن الضّحّ واستقباله الشّمس أخضر

وكذا الجمل أيضا يستقبل بهامته الشّمس، إلّا أنه لا يدور معها كيف دارت كما يفعل الحرباء.

وشقائق النّعمان والخيريّ يصنع ذلك، ويتفتّح بالنهار. وينضمّ بالليل، والنّيلوفر الذي ينبت في الماء يغيب الليل كلّه ويظهر بالنهار، والسّمك الذي يقال له

الكوسج. في جوفه شحمة طيّبة، وهم يسمّونها الكبد، فإن اصطادوا هذه السّمكة ليلا وجدوا هذه الشّحمة فيها وافرة، وإن اصطادوها نهارا لم توجد. وقد ذكر الحطيئة دوران النّبات مع الشمس حيث يقول:

بمستأسد القريان حوّ تلاعهفنوّاره ميل إلى الشّمس زاهره
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «عَفَا مُسْحَلانُ عن سُلَيْمَى فَحَامِرُهْ»

وقال ذو الرّمة:

إذا جعل الحرباء يغبّر لونهويخضرّ من لفح الهجير غباغبه
ويشبح بالكفّين شبحا كأنّهأخو فجرة عالى به الجذع صالبه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»

وقال ذو الرّمّة أيضا:

وهاجرة من دون ميّة لم يقلقلوصي بها والجندب الجون يرمح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»
إذا جعل الحرباء ممّا أصابهمن الحرّ يلوي رأسه ويرنّح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»

وقال آخر:

كأنّ يدي حربائها متشمّسايدا مجرم يستغفر الله تائب

وقال آخر:

لظى يلفح الحرباء حتّى كأنّهأخو حربات بزّ ثوبيه، شابح

وأنشدوا:

قد لاحها يوم شموس ملهابأبلج ما لشمسه من جلباب
يرمي الإكام من حصاة طبطابشال الحرابيّ له بالأذناب

وقال العباس بن مرداس:

على قلص يعلو بها كلّ سبسبتخال به الحرباء أنشط جالسا

وقال الشّاعر:

تجاوزت والعصفور في الحجر لاجئمع الصّبّ والشّقذان تسمو صدورها

وقال أبو زبيد:

واستكنّ العصفور كرها مع الضّبّ وأوفى في عوده الحرباء

والشّقذان: الحرابي. وقوله: «تسمو» أي ترتفع في الشجرة وعلى رأس العود. والواحد من الشّقذان بإسكان القاف وكسر الشّين شقذ بتحريك القاف.

وأنشد:

ففيها إذا الحرباء مدّ بكفّهقام مثيل الرّاهب المتعبّد

وذلك أنّ الحرباء إذا انتصف النّهار فعلا في رأس شجرة صار كأنّه راهب في صومعته.

وقال آخر:

أنّى أتيح لكم حرباء تنضبةلا يترك السّاق إلّا ممسكا ساقا

قال: وكان مولى لأبي بكر الشّيباني، فادّعى إلى العرب من ليلته فأصبح إلى

الجلوس في الشمس، قال: قال لي محمد بن منصور: مررت به فإذا هو في ضاحية، وإذا هو يحكّ جلده بأظفاره خمشا وهو يقول: إنما نحن إبل! وقد كان قيل له مرّة: إنّك تتشبّه بالعرب، فقال: ألي يقال هذا؟ أنا والله حرباء تنضبة، يشهد لي سواد لوني، وشعاثتي، وغور عينيّ وحبي للشّمس.

قال: والحرباء ربّما رأى الإنسان فتوعّده، ونفخ وتطاول له حتّى ربّما فزع منه من لم يعرفه. وليس عنده شرّ ولا خير.

وأمّا الذي سمعناه من أصحابنا فإنّ الورل السّامد هو الذي يفعل ذلك. ولم أسمع بهذا في الحرباء إلا من هذا الرجل.

قال: والحرباء أيضا: المسمار الذي يكون في حلقة الدّرع؛ وجمعه حرابي.

وقد كنا غفلنا أن نذكر الوبر في البيت الأول. قال رجل من بني تغلب:

إذا رجونا ولدا من ظهرجاءت به أسود مثل الوبر

من بارد الأدنى بعيد القعر

وقال مخارق بن شهاب:

فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغنبني فالج حيث استقرّ قرارها
للشاعر مخارق بن شهاب المازني، اقرأ القصيدة
هلمّوا إلينا لا تكونوا كأنّكمبلاقع أرض طار عنه وبارها
للشاعر مخارق بن شهاب المازني، اقرأ القصيدة
وأرض التي أنتم لقيتم بجوّهاكثير بها أوعالها ومدارها
للشاعر مخارق بن شهاب المازني، اقرأ القصيدة

فهجا هؤلاء بكثرة الوبار في أرضهم، ومدح هؤلاء بكثرة الوعول في جبلهم.

وقال آخر:

هل يشتمنّي لا أبا لكمدنس الثّياب كطابخ القدر
جعل تمطّى في غيابتهزمر المروءة ناقص الشّبر
لزبابة سوداء حنظلةوالعاجز التّدبير كالوبر

ويضرب المثل بنتن الوبر؛ ولذلك يقول الشاعر:

تطلّى وهي سيّئة المعرّىبوضر الوبر تحسبه ملابا

ونتن الوبر هو بوله.

ومما تتمازح به الأعراب، فمن ذلك قول الشاعر:

قد هدم الضّفدع بيت الفارهفجاء الرّبية والوباره

وحلم يشدّ بالحجاره

وهذا مثل قولهم:

اختلط النّقد على الجعلانوقد بقي دريهم وثلثان

وأمّا قوله:

«والظّربان الورد قد شفّهحبّ الكشي والوحر الحمر
للشاعر بشر بن المعتمر، اقرأ القصيدة
[يلوذ منه الضبّ مذلولياولو نجا أهلكه الذّعر]
وليس ينجيه إذا ما فساشيء ولو أحرزه قصر»

قال أبو سليمان الغنويّ: الظّربان أخبث دابّة في الأرض وأهلكه لفراخ الضّبّة.

قال: فسألت زيد بن كثوة عن ذلك فقال: إي والله وللضّبّ الكبير! والظّربان دابّة فسّاءه لا يقوم لشرّ فسوها شيء، قلت: فكيف يأخذها؟ قال:

يأتي جحر الضّبّ، وهو ببابه يستروح، فإذا وجد الضّبّ ريح فسوه دخل هاربا في جحره، ومرّ هو معه من فوق الجحر مستمعا حرشه، وقد أصغى بإحدى أذنيه من فوق الأرض نحو صوته- وهو أسمع دابّة في الأرض- فإذا بلغ الضبّ منتهاه، وصار إلى أقصى جحره وكفّ حرشه استدبر جحره، ثم يفسو عليه من ذلك الموضع- وهو متى شمّه غشي عليه- فيأخذه.

قال: والظّربان واحد، والظّربان: الجميع، مثل الكروان للواحد والكروان للجميع. وأنشد قول ذي الرّمّة:

من آل أبي موسى ترى القوم حولهكأنّهم الكروان أبصرن بازيا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي بالزرق الرسوم الخواليا»

والعامّة لا تشكّ [في] أنّ الكروان ابن الحبارى؛ لقول الشاعر:

ألم تر أنّ الزّبد بالتّمر طيّبوأنّ الحباري خالة الكروان

وقال غيره: الظّربان يكون على خلقة هذا الكلب الصّينيّ، وهو منتن جدّا، يدخل في جحر الضبّ فيفسو عليه، فينتن عليه بيته، حتى يذلق الضبّ من بيته، فيصيده.

والضّباب الدلالي أيضا، التي يدخل عليها السّيل فيخرجها. وأنشد:

يا ظربانا يتعشّى ضبّارأى العقاب فوقه فخبّا
كأنّ خصييه إذا أكبّافرّوجتان تطلبان حبّا

أو ثعلبان يحفزان ضبّا

وأنشد الفرزدق:

أبوك سليم قد عرفنا مكانهوأنت بجيريّ قصير قوائمه
ومن يجعل الظّربى القصار ظهورهاكمن رفعته في السّماء دعائمه

قال: والظّربان يعلم أنّ سلاحه في فسائه، ليس شيء عنده سواه، والحبارى تعلم أنّ سلاحها في سلحها ليس لها شيء سواه، قال: ولها في جوفها خزانة لها فيها أبدا رجع معدّ فإذا احتاجت إليه وأمكنها الاستعمال استعملته، وهي تعلم أنّ ذلك وقاية لها، وتعرف مع ذلك شدّة لزجه، وخبث نتنه، وتعلم أنها تساور بذلك الزّرّق، وأنها تثقله فلا يصيد.

ويعلم الدّيك أنّ سلاحه في صيصيته، ويعلم أنّ له سلاحا، ويعلم أنّه تلك الشوكة، ويدري لأيّ مكان يعتلج، وأيّ موضع يطعن به.

والقنافذ تعلم أنّ فروتها جنّة وأنّ شوك جلدها وقاية. فما كان منها مثل الدّلدل ذوات المداري فإنها ترمي فلا تخطئ، حتى يمرّ مرور السهم المسدّد. وإن كانت من صغارها قبضت على الأفعى وهي واثقة بأنّه ليس في طاقة الأفعى لها من المكروه شيء. ومتى قبضت على رأس الأفعى فالخطب فيها يسير. وإن قبضت على الذنب أدخلت رأسها فقرضتها وأكلتها أكلا، وأمكنتها من جسمها، تصنع ما شاءت؛ ثقة منها بأنّه لا يصل إليها بوجه من الوجوه.

والأجناس التي تأكل الحيّات: القنافذ، والخنازير، والعقبان، والسّنانير،

والشاهمرك. على أن النّسور والشاهمرك لا يتعرّضان للكبار.

ويعلم الزّنبور أن سلاحه في شعرته فقط، كما تعلم العقرب أن سلاحها في إبرتها فقط. وتعلم الذّبان والبعوض والقملة، أن سلاحها في خراطيمها. وتعلم جوارح الطّير أن سلاحها في مخالبها. ويعلم الذّئب والكلب أنّ سلاحهما في أشداقهما فقط. ويعلم الخنزير والأفعى أنّ سلاحهما في أنيابهما فقط.

ويعلم الثّور أنّ سلاحه قرنه، لا سلاح له غيره. فإن لم يجد الثّور والكبش والتّيس قرونا، وكانت جمّا، استعملت باضطرار مواضع القرون.

والبرذون يستعمل فمه وحافر رجله.

ويعلم التّمساح أنّ أحدّ أسلحته وأعونها ذنبه، ولذلك لا يعرض إلّا لمن وجده على الشريعة؛ فإنّه يضربه ويجمعه إليه حتى يلقيه في الماء.

وذنب الضبّ أنفع من براثنه.

وإنما تفزع هذه الأجناس إلى الخبث، وإلى ما في طبعها من شدّة الحضر إذا عدمت السّلاح؛ فعند ذلك تستعمل الحيلة: مثل القنفذ في إمكان عدوّه من فروته، ومثل الظّبي واستعمال الحضر في المستوي، ومثل الأرنب واستعماله الحضر في الصّعداء.

وإذا كان ممن لا يرجع إلى سلاحه ولا إلى خبثه كان إمّا أن يكون أشدّ حضرا ساعة الهرب من غيره، وإمّا أن يكون ممّن لا يمكنه الحضر ويقطعه الجبن، فلا يبرح حتّى يؤخذ.

وإنما تتقرّب الشّاة بالمتابعة والانقياد للسّبع، تظنّ أن ذلك ممّا ينفعها؛ فإن

الأسد إذا أخذ الشّاة ولم تتابعه، ولم تعنه على نفسها، فربما اضطرّ الأسد إلى أن يجرّها إلى عرينه. وإذا أخذها الذئب عدت معه حتّى لا يكون عليه فيها مؤونة، وهو إنما يريد أن ينحّيها عن الراعي والكلب، وإن لم يكن في ذلك الوقت هناك كلب ولا راع، فيرى أن يجري على عادته.

وكذلك الدّجاج إذا كنّ وقّعا على أغصان الشّجر، أو على الرّفوف، فلو مرّ تحتها كلّ كلب. وكلّ سنّور، وكلّ ثعلب، وكلّ شيء يطالبها، فإذا مرّ ابن آوى بقربها لم يبق منها واحدة إلّا رمت بنفسها إليه. لأنّ الذّئب هو المقصود به إلى طباع الشاة، وكذلك شأن ابن آوى والدّجاج، يخيّل إليها أن ذلك مما ينفع عنده.

وللجبن تفعل كلّ هذا.

ولمثل هذه العلّة نزل المنهزم عن فرسه الجواد؛ ليحضر ببدنه، يظنّ اجتهاده أنجى له، وأنّه إذا كان على ظهر الفرس أقلّ كدّا، وأنّ ذلك أقرب له إلى الهلاك.

ولمثل هذه العلّة يتشبّت الغريق بمن أراد إنقاذه حتّى يغرقه نفسه، وهما قبل ذلك قد سمعا بحال الغريق والمنهزم، وأنّهما إنّما هما في ذلك كالرجل المعافى الذي يتعجّب ممن يشرب الدّواء من يد أعلم النّاس به، فإن أصابته شقيقة، أو لسعة عقرب، أو اشتكى خاصرته، أو أصابه حصر أو أسر شرب الدّواء من يد أجهل الخليقة، أو جمع بين دواءين متضادّين.

فالأشياء التي تعلم أنّ سلاحها في أذنابها ومآخرها الزّنبور والثّعلب والعقرب والحبارى، والظّربان، وسيقع هذا الباب في موضعه إن شاء الله تعالى.

وليس شيء من صنف الحيوان أردأ حيلة عند معاينة العدوّ من الغنم؛ لأنها في الأصل موصولة بكفايات النّاس، فأسندت إليهم في كل أمر يصيبها، ولولا ذلك لخرّجت لها الحاجة ضروبا من الأبواب التي تعينها. فإذا لم يكن لها سلاح ولا حيلة، ولم تكن ممن يستطيع الانسياب إلى جحره أو صدع صخرة، أو في ذروة جبل.

كانت مثل الدّجاجة، فإنّ أكثر ما عندها من الحيلة إذا كانت على الأرض أن ترتفع إلى رفّ. وربّما كانت في الأرض، فإذا دنا المغرب فزعت إلى ذلك.

وربّما كان عند الجنس من الآلات ضروب، كنحو زبرة الأسد ولبدته، فإنّه حمول للسّلاح إلّا في مراقّ بطنه فإنّه من هناك ضعيف جدّا، وقال التغلبي:

ترى النّاس منّا جلد أسود سالخوزبرة ضرغام من الأسد ضيغم

وله مع ذلك بعد الوثبة واللّزوق بالأرض. وله الحبس باليد. وله الطّعن بالمخلب، حتى ربّما حبس العير بيمينه وطعن بمخلب يساره لبّته وقد ألقاه على مؤخره، فيتلقّى دمه شاحيا فاه وكأنه ينصبّ من فوّارة، حتى إذا شربه واستفرغه صار إلى شقّ بطنه. وله العضّ بأنياب صلاب حداد، وفكّ شديد، ومنخر واسع. وله مع البرثن والشكّ بأظفاره دقّ الأعناق، وحطم الأصلاب. وله أنه أسرع حضرا من كلّ شيء أعمل الحضر في الهرب منه. وله من الصّبر على الجوع ومن قلّة الحاجة إلى الماء مع غيره، وربّما سار في طلب الملح ثمانين فرسخا في يوم وليلة. ولو لم يكن له سلاح إلّا زئيره وتوقّد عينيه، وما في صدور النّاس له لكفاه.

وربما كان كالبعير الذي يعلم أنّ سلاحه في نابيه وفي كركرته.

والإنسان يستعمل في القتال كفّيه في ضروب، ومرفقيه ورجليه ومنكبيه وفمه ورأسه وصدره، كلّ ذلك له سلاح ويعلم مكانه، يستوي في ذلك العاقل والمجنون، كما يستويان في الهداية في الطّعام والشراب إلى الفم.

والمرأة إذا ضعفت عن كلّ شيء فزعت إلى الصّراخ والولولة؛ التماسا للرّحمة، واستجلابا للغياث من حماتها وكفاتها، أو من أهل الحسبة في أمرها.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.