من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
أحاديث من أعاجيب المماليك
- أتيت باب السّعداني، فإذا غلام له مليح بالباب كان يتبع دابّته، فقلت له:
قل لمولاك، إن شئت بكرت إليّ، وإن شئت بكرت إليك. قال: أنا ليس أكلّم مولاي- ومعي أبو القنافذ- فقال أبو القنافذ: ما نحتاج مع هذا الخبر إلى معاينة.
- وقال أبو البصير المنجّم، وهو عند قثم بن جعفر، لغلام له مليح صغير السّنّ: ما حبسك يا حلقيّ؟ والحلقيّ: المخنث- ثمّ قال: أما والله لئن قمت إليك يا حلقيّ لتعلمنّ! فلمّا أكثر عليه من هذا الكلام بكى وقال: أدعو الله على من جعلني حلقيّا.
- حدّثني الحسن بن المرزبان قال: كنت مع أصحاب لنا، إذ أتينا بغلام سنديّ يباع، فقلت له: أشتريك يا غلام؟ فقال: حتّى أسأل عنك! - قال المكّي: وأتي المثنّى بن بشر بسنديّ ليشتريه على أنّه طبّاخ، فقال له المثنى: كم تحسن يا غلام من لون؟ فلم يجبه؛ فأعاد عليه، وقال: يا غلام كم تحسن من لون؟ فكلّم غيره وتركه؛ فقال المثنّى في الثالثة: ما له لا يتكلم؟ يا غلام، كم تحسن من لون؟ فقال السندي: كم تحسن من لون! كم تحسن من لون! وأنت
لا تحسن ما يكفيك أنت؟ قال: حسبك الآن: ثم قال المثنّى للدّلّال: امض بهذا، عليه لعنة الله!.
- وحدّثني ثمامة قال: جاءنا رجل بغلام سنديّ يزعم أنّه طباخ حاذق، فاشتريته منه، فلمّا أمرت له بالمال قال الرّجل: إنه قد غاب عنا غيبة، فإن اشتريته على هذا الشّرط، وإلّا فاتركه. فقلت للسندي: أكنت أبقت قطّ! قال: والله ما أبقت قطّ! فقلت: أنت الآن قد جمعت مع الإباق الكذب! قال: كيف ذلك؟ قلت: لأنّ هذا الموضع لا يجوز أن يكذب فيه البائع. قال: جعلني الله تعالى فداءك! أنا والله أخبرك عن قصّتي: كنت أذنبت ذنبا كما يذنب هذا وهذا، جميع غلمان النّاس فحلف بكلّ يمين ليضربنّي أربعمائة سوط، فكنت ترى لي أن أقيم؟ قلت: لا والله! قال: فهذا الآن إباق؟ قلت لا. قال: فاشتريته فإذا هو أحسن النّاس خبزا وأطيبهم طبخا.
وخبّرني رجل قال: قال رجل لغلام له ذات يوم: يا فاجر! قال: جعلني الله فداك، مولى القوم منهم! وزعم روح بن الطائفية- وكان روح عبدا لأخت أنس بن أبي شيخ، وكانت قد فوّضت إليه كلّ شيء من أمرها- قال: دخلت السّوق أريد شراء غلام طبّاخ، فبينا أنا واقف إذ جيء بغلام يعرض بعشرة دنانير، ويساوي على حسن وجهه وجودة قدّه، وحداثة سنّه، دون صناعته- مائة دينار. فلمّا رأيته لم أتمالك أن دنوت منه فقلت:
ويحك أقلّ ثمنك على وجهك مائة دينار، والله ما يبيعك مولاك بعشرة دنانير إلّا وأنت شرّ الناس! فقال: أمّا لهم فأنا شرّ الناس، وأمّا لغيرهم فأنا أساوي مائة ومائة.
قال: فقلت: التزيّن بجمال هذا وطيب طبخه يوما واحدا عند أصحابي خير من عشرة دنانير. فابتعته ومضيت به إلى المنزل، فرأيت من حذقه وخدمته، وقلّة تزيّده ما إن بعثته إلى الصّيرفي ليأتيني من قبله بعشرين دينارا، فأخذها ومضى على وجهه فو الله ما شعرت إلّا والنّاشد قد جاءني وهو يطلب جعله، فقلت: لهذا وشبهه باعك القوم بعشرة دنانير! قال: لولا أنّي أعلم أنّك لا تصدّق يميني وكيف طرّت الدّنانير من ثوبي. ولكنّي أقول لك واحدة: احتبسني واحترس منّي، واستمتع بخدمتي، واحتسب أنّك كنت اشتريتني بثلاثين دينارا، قال: فاحتبسته لهواي فيه، وقلت لعلّه
أن يكون صادقا. ثمّ رأيت والله من صلاحه وإنابته وحسن خدمته ما دعاني إلى نسيان جميع قصّته، حتى دفعت إليه يوما ثلاثين دينارا ليوصلها إلى أهلي، فلمّا صارت إلى يده ذهب على وجهه، فلم ألبث إلّا أيّاما حتى ردّه النّاشد، فقلت له:
زعمت أنّ الدّنانير الأولى طرّت منك، فما قولك في هذه الثانية؟ قال: أنا، والله أعلم أنّك لا تقبل لي عذرا، فدعني خارج الدار، ولا تجاوز بي خدمة المطبخ؛ ولو كان الضّرب يردّ عليك شيئا من مالك لأشرت عليك به، ولكن قد ذهب مالك، والضّرب ينقص من أجرك؛ ولعلّي أيضا أموت تحت الضّرب فتندم وتأثم وتفتضح ويطلبك السلطان. ولكن اقتصر بي على المطبخ فإنّي سأسرّك فيه، وأوفره عليك. وأستجيد ما أشتريه وأستصلحه لك. وعدّ أنك اشتريتني بستّين دينارا! فقلت له: أنت لا تفلح بعد هذا! اذهب فأنت حرّ لوجه الله تعالى! فقال لي: أنت عبد فكيف يجوز عتقك.
قلت فأبيعك بما عزّ أو هان! فقال: لا تبعني حتّى تعدّ طبّاخا، فإنّك إن بعتني لم تتغذّ غذاء إلّا بخبز وباقلاء. قال: فتركته ومرّت بعد ذلك أيام فبينا أنا جالس يوما إذ مرّت عليّ شاة لبون كريمة، غزيرة الدّرّ كنا فرّقنا بينها وبين عناقها فأكثرت في الثّغاء، فقلت كما يقول النّاس، وكما يقول الضّجر: اللهمّ العن هذه الشاة! ليت أنّ الله بعث إنسانا ذبحها أو سرقها، حتى نستريح من صياحها! قال: فلم ألبث إلّا بقدر ما غاب عن عيني، ثمّ عاد فإذا في يده سكّين وساطور وعليه قميص العمل، ثمّ أقبل عليّ فقال: هذا اللّحم ما نصنع به وأيّ شيء تأمرني به؟ فقلت: وأيّ لحم؟ قال: لحم هذه الشاة. قلت: وأيّما شاة؟ قال: التي أمرت بذبحها. قلت: وأي شاة أمرت بذبحها؟
قال: سبحان الله! أليس قد قلت السّاعة: ليت أن الله تعالى قد بعث إليها من يذبحها أو يسرقها، فلما أعطاك الله تعالى سؤلك صرت تتجاهل! قال روح: فبقيت والله لا أقدر على حبسه ولا على بيعه ولا على عتقه.
وقال مسكين الدّارميّ:
إنّ أبانا بكر آدم، فاعلمواوحواء قرم ذو عثانين شارف
كأنّ على خرطومه متهافتامن القطن هاجته الأكفّ النوادف
وللصّدأ المسودّ أطيب عندنامن المسك دافته الأكفّ الدوائف
ويصبح عرفان الدّروع جلودناإذا جاء يوم مظلم اللّون كاسف
تعلق في مثل السّواري سيوفناوما بينها والكعب منّا تنائف
وكلّ ردينيّ كأنّ كعوبهقطا سابق مستورد الماء صائف
كأنّ هلالا لاح فوق قناتهجلا الغيم عنه والقتام الحراجف
له مثل حلقوم النّعامة حلةومثل القدامى ساقها متناصف
وقال أيضا مسكين الدّارميّ:
وإذا الفاحش لاقى فاحشافهناكم وافق الشّنّ الطبق
إنّما الفحش ومن يعتادهكغراب البين ما شاء نعق
أو حمار السّوء إن أشبعتهرمح النّاس وإن جاع نهق
أو غلام السّوء إن جوّعتهسرق الجار وإن يشبع فسق
وقال ابن قيس الرقيات:
معقل القوم من قريش إذا مافاز بالجهل معشر آخرونا
لا يؤمّون في العشيرة بالسّوء ولا يفسدون ما يصنعونا
وقال ابن قيس أيضا، واسمه عبد الله:
لو كان حولي بنو أميّة لمينطق رجال إذا هم نطقوا
إن جلسوا لم تضق مجالسهمأو ركبوا ضاق عنهم الأفق
كم فيهم من فتى أخي ثقةعن منكبيه القميص منخرق
تحبّهم عوّذ النّساء إذاما احمرّ تحت القوانس الحدق
وأنكر الكلب أهله ورأى الشّرّوطاح المروّع الفرق
وقال النابغة:
سهكين من صدإ الحديد كأنّهمتحت السّنوّر جنّة البقّار
وقال بشار بن برد:
يطيّب ريح الخيزرانة بينهمعلى أنّها ريح الدّماء تضوع
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع