من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب آخر في الشهب وفي استراق السمع
(سنقول في الشهب وفي استراق السمع) وإنّما تركنا جمعه في مكان واحد، لأنّ ذلك كان يطول على القارئ. ولو قد قرأ فضل الإنسان على الجانّ، والحجّة على من أنكر الجانّ- لم يستثقله، لأنّه حينئذ يقصد إليه على أنّه مقصور على هذا الباب، فإذا أدخلناه في باب القول في صغار الوحش، والسّباع، والهمج، والحشرات، فإذا ابتدأ القراءة على ذلك استطال كلّ قصير إذا كان من غير هذا المعنى.
قالوا: زعمتم أنّ الله تعالى قال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
، وقال تعالى: وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
، وقال تعالى: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
ونحن لم نجد قطّ كوكبا خلا مكانه، فما ينبغي أن يكون واحد من جميع هذا الخلق، من سكّان الصحارى، والبحار. ومن يراعي النّجوم للاهتداء، أو يفكّر في خلق السموات أن يكون يرى كوكبا واحدا زائلا، مع قوله: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
قيل لهم: قد يحرّك الإنسان يده أو حاجبه أو إصبعه، فتضاف تلك الحركة إلى كلّه، فلا يشكّون أنّ الكلّ هو العامل لتلك الحركة، ومتى فصل شهاب من كوكب، فأحرق وأضاء في جميع البلاد. فقد حكم كلّ إنسان بإضافة ذلك الإحراق إلى الكوكب. وهذا جواب قريب سهل. والحمد لله.
ولم يقل أحد: إنّه يجب في قوله: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
أنّه يعني
الجميع. فإذا كان قد صحّ أنّه إنّما عنى البعض فقد عنى نجوم المجرّة، والنجوم التي تظهر في ليالي الحنادس؛ لأنّه محال أن تقع عين على ذلك الكوكب بعينه في وقت زواله حتّى يكون الله ﷿ لو أفنى ذلك الكوكب من بين جميع الكواكب الملتفّة، لعرف هذا المتأمّل مكانه، ولوجد مسّ فقده. ومن ظنّ بجهله أنّه يستطيع الإحاطة بعدد النّجوم فإنه متى تأمّلها في الحنادس، وتأمّل المجرّة وما حولها، لم يضرب المثل في كثرة العدد إلّا بها، دون الرّمل والتّراب وقطر السّحاب.
وقال بعضهم: يدنو الشّهاب قريبا، ونراه يجيء عرضا لا منقضّا ولو كان الكوكب هو الذي ينقضّ لم ير كالخيط الدّقيق، ولأضاء جميع الدّنيا، ولأحرق كلّ شيء مما على وجه الأرض. قيل له: قد تكون الكواكب أفقيّة ولا تكون علوية؛ فإذا كانت كذلك فصل الشّهاب منها عرضا. وكذلك قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ
وقال الله ﷿: أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ
فليس لكم أن تقضوا بأنّ المباشر لبدن الشيطان هو الكوكب حتى لا يكون غير ذلك، وأنتم تسمعون الله تعالى يقول: فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ
والشّهاب معروف في اللغة، وإذا لم يوجب عليها ظاهر لفظ القرآن لم ينكر أن يكون الشّهاب كالخطّ أو كالسهم لا يضيء إلّا بمقدار، ولا يقوى على إحراق هذا العالم. وهذا قريب والحمد لله.
وطعن بعضهم من جهة أخرى فقال: زعمتم أنّ الله ﵎ قال:
وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ
وقال على سنن الكلام: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ
قال: فكيف تكون الخطفة من المكان الممنوع؟
قيل له: ليس بممنوع من الخطفة، إذ كان لا محالة مرميّا بالشّهاب، ومقتولا، على أنّه لو كان سلم بالخطفة لما كان استفاد شيئا للتكاذيب والرّياسة. وليس كلّ من كذب على الله وادّعى النبوّة كان على الله تعالى أن يظهر تكذيبه، بأن يخسف به الأرض، أو ينطق بتكذيبه في تلك السّاعة. وإذا وجبت في العقول السّليمة ألّا يصدق في الأخبار لم يكن معه برهان. فكفى بذلك.
ولو كان ذلك لكان جائزا، ولكنّه ليس بالواجب. وعلى أنّ ناسا من النحويّين لم يدخلوا قوله تعالى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ
، في الاستثناء، وقال: إنّما هو كقوله:
إلّا كخارجة المكلّف نفسهوابني قبيصة أن أغيب ويشهدا
وقوله أيضا:
إلّا كناشرة الذي كلّفتمكالغصن في غلوائه المتنبّت
وقال الشاعر في باب آخر ممّا يكون موعظة له من الفكر والاعتبار. فمن ذلك قوله:
مهما يكن ريب المنون فإننيأرى قمر اللّيل المعذّر كالفتى
يكون صغيرا ثمّ يعظم دائباويرجع حتّى قيل قد مات وانقضى
كذلك زيد المرء ثمّ انتقاصهوتكراره في إثره بعد ما مضى
وقال آخر:
ومستنبت لا باللّيالي نباتهوما إن تلاقي ما به الشّفتان
وآخر في خمس وتسع تمامهويجهد في سبع معا وثمان
الأوّل الطّريق والثاني القمر.
وقال أبو العتاهية:
أسرع في نقض امرئ تمامه
وقال عبد هند:
فإنّ السّنان يركب المرء حدّهمن العار أو يعدو على الأسد الورد
وإنّ الذي ينهاكم عن طلابهايناغي نساء الحيّ في طرّة البرد
يعلّل والأيّام تنقص عمرهكما تنقص النّيران من طرف الزّند
وفي أمثال العرب: «كلّ ما أقام شخص، وكلّ ما ازداد نقص؛ ولو كان يميت النّاس الدّاء، لأعاشهم الدّواء».
وقال حميد بن ثور:
أرى بصري قد رابني بعد صحّةوحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وقال النّمر بن تولب:
يحبّ الفتى طول السّلامة والبقافكيف ترى طول السّلامة يفعل
وقيل للموبذ: متى أبنك يعني أبنك قال: يوم ولد.
وقال الشّاعر:
تصرّفت أطوارا أرى كلّ عبرةوكان الصّبا منّي جديدا فأخلقا
وما زاد شيء قطّ إلا لنقصهوما اجتمع الإلفان إلّا تفرّقا
وقيل لأعرابي في مرضه الذي مات فيه: أيّ شيء تشتكي؟ قال: تمام العدّة وانقضاء المدّة !.
وقيل لأعرابي، في شكاته التي مات فيها: كيف تجدك؟ قال: أجدني أجد ما لا أشتهي، وأشتهي ما لا أجد !.
وقيل لعمرو بن العاص في مرضته التي مات فيها: كيف تجدك؟ قال: أجدني أذوب ولا أثوب.
وقال معمر: قلت لرجل كان معي في الحبس، وكان مات بالبطن: كيف تجدك؟ قال: أجد روحي قد خرجت من نصفي الأسفل، وأجد السّماء، مطبقة عليّ، ولو شئت أن ألمسها بيدي لفعلت، ومهما شككت فيه فلا أشكّ أنّ الموت برد ويبس، وأنّ الحياة حرارة ورطوبة.
وقال يعقوب بن الرّبيع في مرثية جارية كانت له:
حتى إذا فتر اللّسان وأصبحتللموت قد ذبلت ذبول النّرجس
رجع اليقين مطامعي يأسا كمارجع اليقين مطامع المتلمّس
وقال يعقوب بن الربيع:
لئن كان قربك لي نافعالبعدك قد كان لي أنفعا
لأني أمنت رزايا الدّهوروإن جلّ خطب فلن أجزعا
وقال أبو العتاهية:
وكانت في حياتك لي عظاتفأنت اليوم أوعظ منك حيّا
وقال التيميّ:
لقد عزّى ربيعة أنّ يوماعليها مثل يومك لا يعود
ومن عجب قصدن له المناياعلى عمد وهنّ له جنود
وقال صالح بن عبد القدّوس:
إن يكن ما أصبت فيه جليلافذهاب العزاء فيه أجلّ
ونظر بعض الحكماء إلى جنازة الإسكندر، فقال: «إنّ الإسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس».
وقال غسان:
ابيضّ منّي الرّأس بعد سوادهودعا المشيب حليلتي لبعاد
واستنفد القرن الذي أنا منهموكفى بذلك علامة لحصادي
وقال أعرابي:
إذا الرّجال ولدت أولادهاواضطربت من كبر أعضادها
وجعلت أسقامها تعتادهافهي زروع قد دنا حصادها
وقال ضرار بن عمرو: «من سرّه بنوه ساءته نفسه».
وقال عبد الرحمن بن أبي بكرة. «من أحبّ طول العمر فليوطّن نفسه على المصائب».
وقال أخو ذي الرّمّة:
ولم ينسني أوفى الملمّات بعدهولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
وقال بعض المجّان:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننافلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع
وسئل بعض المجّان: كيف أنت في دينك؟ قال: أخرّقه بالمعاصي، وأرقّعه بالاستغفار.
وأنشدوا لعروة بن أذينة:
نراع إذا الجنائز قابلتناويحزننا بكاء الباكيات
كروعة ثلّة لمغاز سبعفلما غاب عادت راتعات
وقال أبو العتاهية:
إذا ما رأيتم ميّتين جزعتموإن لم تروا ملتم إلى صبواتها
وقالت الخنساء:
ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرتفإنّما هي إقبال وإدبار
وكان الحسن لا يتمثّل إلا بهذين البيتين، وهما:
يسرّ الفتى ما كان قدّم من تقىإذا عرف الدّاء الذي هو قاتله
والبيت الآخر:
ليس من مات فاستراح بميتإنّما الميت ميّت الأحياء
وكان صالح المرّيّ يتمثّل في قصصه بقوله:
فبات يروّي أصول الفسيلفعاش الفسيل ومات الرجل
وكان أبو عبد الحميد المكفوف، يتمثّل في قصصه بقوله:
يا راقد اللّيل مسرورا بأوّلهإنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
ونظر بكر بن عبد الله المزنيّ إلى مورّق العجليّ، فقال:
عند الصّباح يحمد القوم السّرىوتنجلي عنهم غيابات الكرى
وقال أبو النجم:
كلنا يأمل مدّا في الأجلوالمنايا هي آفات الأمل
فأمّا أبو النجم فإنّه ذهب في الموت مذهب زهير حيث يقول:
إنّ الفتى يصبح للأسقامكالغرض المنصوب للسّهام
أخطاه رام وأصاب رام
وقال زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصبتمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم
وقال الآخر:
وإذا صنعت صنيعة أتممتهابيدين ليس نداهما بمكدّر
وإذا تباع كريمة أو تشترىفسواك بائعها وأنت المشتري
وقال الشاعر:
قصير يد السّربال يمشي معرّداوشرّ قريش في قريش مركّبا
وقال الآخر:
بعثت إلى العراق ورافديهفزاريّا أحذّ يد القميص
تفيهق بالعراق أبو المثنّىوعلّم قومه أكل الخبيص
وقال الآخر:
حبّذا رجعها إلىّ يديهابيدي درعها تحلّ الإزارا
وأنشد:
طوته المنايا، وهو عنهنّ غافلبمنخرق السّربال عاري المناكب
جريء على الأهوال يعدل درءهابأبيض سقّاط وراء الضّرائب
وقال جرير:
تركت لكم بالشّام حبل جماعةمتين القوى مستحصد الفتل باقيا
وجدت رقى الشّيطان لا تستفزّهوقد كان شيطاني من الجنّ راقيا
وقال الأسديّ:
كثير المناقب والمكرماتيجود مجدا وأصلا أثيلا
ترى بيديه وراء الكميّتباله بعد نصال نصولا
تمنى السفاه ورأى الخناوضلّ وقد كان قدما ضلولا
فإن أنت تنزع عن ودّنافما إن وجدت لقلبي محيلا
«تم الجزء السادس من كتاب الحيوان ويليه الجزء السابع، وأوله القول في أحساس أجناس الحيوان».
﷽
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع