تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر خروجي إلى هزار أمروها

وكان الوزير قد أعطاني من الغلة المأمور بها للزاوية عشرة آلاف من ونفذ لي الباقي في هزار أمروها، وكان والي الخراج بها عزيز الخمار، وأميرها شمس الدين البذخشاني، فبعثت رجالي، فأخذوا بعض الإحالة، وتشكوا من تعسف عزيز الخمار، فخرجت بنفسي لاستخلاص ذلك، وبين دهلي، وهذه العمالة ثلاثة أيام، وكان ذلك أوان نزول المطر، فخرجت في نحو ثلاثين من أصحابي، واستصحبت معي أخوين من المغنيين المحسنين يغنيان لي في الطريق، فوصلنا إلى بلدة بجنور، وضبط اسمها (بكسر الباء الموحدة وسكون الجيم وفتح النون وآخره راء)، فوجدت بها أيضًا ثلاثة إخوة من المغنيين، فاستصحبتهم فكانوا يغنون لي نوبة والآخران نوبة، ثم وصلنا إلى أمروها وهي بلدة صغيرة حسنة، فخرج عمالها للقائي، وجاء قاضيها الشريف أمير علي وشيخ زاويتها وأضافاني معًا ضيافة حسنة، وكان عزيز الخمار بموضع يقال أفغان بور على نهر السرو، وبيننا وبينه النهر، ولا معدية فيه، فأخذنا الأثقال في معدية صنعناها من الخشب والنبات، وجزنا في اليوم الثاني، وجاء نجيب أخو عزيز في جماعة من أصحابه وضرب لنا سراجة، ثم جاء أخوه إلى الوالي، وكان معروفًا بالظلم، وكانت القرى التي في عمالته ألفًا وخمسمائة قرية ومجباها ستون لكافي السنة له فيها نصف العشر، ومن عجائب النهر الذي نزلنا عليه أنه لا يشرب منه أحد في أيام نزول المطر، ولا تسقى منه دابة، ولقد أقمنا عليه ثلاثًا فما غرف منه أحد غرفة ولا كدنا نقرب منه؛ لأنه ينزل من جبل قراجيل التي بها معادن الذهب، ويمر على الخشاش المسمومة فمن شرب منه مات، وهذا الجبل متصل مسيرة ثلاثة أشهر وينزل منه إلى بلاد تبت حيث غزلان المسك، وقد ذكرنا ما اتفق على جيش المسلمين بهذا الجبل، وبهذا الموضع جاء إلي جماعة من الفقراء الحيدرية وعملوا السماع، وأوقدوا النيران فدخلوها ولم تضرهم وقد ذكرنا ذلك.

وكانت قد نشأت بين أمير هذه البلاد شمس الدين البذخشاني وبين واليها عزيز الخمار منازعة، وجاء شمس الدين لقتاله فامتنع منه بداره، وبلغت شكاية أحدهما الوزير بدهلي، فبعث إلى الوزير وإلى الملك شاه أمير المماليك بأمروها وهم أربعة آلاف مملوك للسلطان وإلى شهاب الدين الرومي أن ننظر في قضيتها، فمن كان على الباطل بعثاه مثقفًا إلى الحضرة، فاجتمعوا جميعًا بمنزلي، وادعى عزيز على شمس الدين دعاوَى؛ منها أن خديمًا له يُعْرَف بالرضي الملتاني نزل بدار خازن عزيز المذكور فشرب بها الخمر، وسرق خمسة آلاف دينار من المال الذي عند الخازن، فاستفهمت الرضي عن ذلك فقال لي: ما شربت الخمر منذ خروجي من ملتان وذلك ثمانية أعوام، فقلت له أوشربتها بملتان؟ قال: نعم، فأمرت بجلده ثمانين وسجنته بسبب الدعوى للوث ظهر عليه، وانصرفت عن أمروها فكانت غيبتي نحو شهرين، وكنت في كل يوم أذبح لأصحابي بقرة، وتركت أصحابي ليأتوا بالزرع المنفذ على عزيز وحمله عليه فوزع على أهل القرى التي لنظره ثلاثين ألف من يحملونها على ثلاثة آلاف بقرة وأهل الهند لا يحملون إلا على البقر وعليه يرفعون أثقالهم في الأسفار وركوب الحمير عندهم عيب كبير وحميرهم صغار الأجرام يسمونها اللاشة، وإذا أرادوا إشهار أحد بعد ضربه أركبوه الحمار.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.