من «التذكرة الفخرية» لبهاء الدين الإربلي (ت ٦٩٢هـ)
والمجرة والهلال والصبح والشمس وما يتعلق بذلك
قال مسكين الدارمي:
ومطوي أثناء اللسان بعثتهيخالُ النعاس في مفاصله خمرا
بأرضٍ كساها الليلُ ثوباً كأنَّماكساها مُسوحاً أو طيالسةً خضرا
وقال محمد بن علي الفهمي:
والليل في ثوبٍ كأنَّ أديمهنفضتْ عليه سوادهنَّ جفونُ
مسودّة أقطاره فكأنَّهمطل تلاه نائل ممنونُ
والأرض شوهاء العراص كأنَّهاصدٌّ إلى يوم النَّوى مقرونُ
والليلُ مكبوب عليه مطرقٌما يستفيقُ كأنَّه محزونُ
وقال علي بن الجهم:
كمْ قد تجهَّمني السُّرى وأزالنيليلٌ ينوءُ بصدرهِ متطاولُ
وهززتُ أعناقَ المطيَّ أسومهاقصداً ويحجبُها السوادُ الشاملُ
حتّى تولَّى الليلُ ثانيَ عطفهوكأنَّ آخره خضابٌ ناصلُ
وخرجتُ من أعجازه فكأنَّمايهتزُّ في بُرديَّ رمحٌ ذابلُ
ورأيتُ أغباشَ الدجى فكأنَّماحزقُ النَّعامِ ذُعرن فهي جوافلُ
الغبش: البقية من الليل، وقيل: ظلمة آخره، والحزق: الجماعات.
وحميتُ أصحابي الكرى وكأنَّهمفوقَ القلاصِ اليعملاتِ أجادلُ
وقال آخر:
ربَّ ليلٍ كالبحر هولاً وكالدهر امتداداً وكالمداد سوادا
خضته والنجوم يوقدن حتّىأطفأ الفجرُ ذلك الإيقادا
قال أحمد بن محمد المصيصي:
كأنَّ بينَ هزيعيهِ نوًى قذفاًوبُعد ما بين قلب الصبِّ والجلدِ
كأنَّما فرقداه في ائتلافهماياقوتتا ملكٍ أو ناظرا أسدِ
حتّى تنبَّه فجرٌ من خلال دجَىكأنَّه مقلةٌ زرقاء في رمدِ
البحتري:
ولقد بعثنا اليعملاتِ قواصداًلفنائكَ المأنوسِ قصدَ الأسهمِ
تطوي الفيافي والنجومُ كأنَّهاخلل الحنادسِ شعلةٌ في أدهمِ
وقال أبو فراس الحارث بن سعيد وأجاد:
لبسنا رداءَ الليلِ والليلُ راضعٌإلى أنْ تردَّى رأسهُ بمشيبِ
وبتنا كغُصني بانةٍ عانقتهُمامع الصبحِ ريحاً شمألٍ وجنوبِ
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنهمبادي نصولٍ في عذارِ
فيا ليلُ قد فارقتَ غيرَ مذمَّمٍويا صبحُ قد أقبلتَ غيرَ حبيبِ
وقال آخر:
زارني والدجى أحمّ الحواشيوالثريا في الغرب كالعنقودِ
وكأنَّ الهلال طوق عروسٍحلّ منها على غلائل سودِ
ليلةَ الوصل ساعدينا بطولٍطوَّل اللهُ فيك غيظ الحسودِ
ومن أحسن ما قيل في استتار النجوم بالغيم قول أبي المعتصم:
وليلٍ كأنَّ نجوم السماءبه أعينٌ رُنِّقت للهجوعِ
ترى الغيم من دونها حاجباًكما احتجبت مقل بالدموعِ
وأحسن ما قيل في الهلال قول ابن المعتز:
وجاءني في قميصِ الليلِ مستتراًيستعجل الخطو من خوفٍ ومن حذرِ
ولاحَ ضوءُ هلالٍ كادَ يفضحهُمثل القُلامةِ إذ قُصَّت من الظفرِ
وقال آخر:
وكأنَّ الهلال شطر سوارٍوالثريا كفّ تشير إليه
وقد أحسن أبو عبد الله بن الحجاج ما شاء في قوله:
يا صاحبيّ تنبّها من رقدةٍتُزري على عقلِ اللبيبِ الأكيسِ
هذي المجرَّة في السماءِ كأنَّهانهرٌ تدفَّق في حديقةِ نرجسِ
وقال أبو هلال العسكري:
ليل كما نفضَ الغرابُ جناحَهمتلونُ الأعلى بهيمُ الأسفلِ
تبدو الكواكبُ في المجرَّة سُرّعاًمثل الظباءِ كوارعاً في منهلِ
وقال أيضاً:
قم بنا نذعر الهموم بكأسٍوالثريا لفرقِ الليلِ تاجُ
وقد انجرَّت المجرّة فيهاكسبيب يمدُّه نسّاجُ
وقال آخر:
يا ليلةً طلعت بأيمن طائرتاهت على ضوءِ النهارِ الناصعِ
بمحاسنٍ مقرونةٍ بمحاسنٍوبدائعٍ موصولةٍ ببدائعِ
ضوءُ العُقار وضوءُ وجهك مازجَاضوءَ الهلال وضوءَ برقٍ لامعِ
وقال أبو بكر الضبي:
وليلةٍ كالرفرف المعلممحفوفة الحندس بالأنجمِ
تعلَّق الصبح بأعجازهاتعلُّقَ الأشقر بالأدهمِ
وقال ابن طباطبا:
يا ليلة حليت بزهر نجومهاوسهرتها حتّى بدت لي عاطلا
لم يرضَ ليلي إذ تجلَّى بدرهُحتّى أراني فيه منك مخائلا
فطفقت أرمق منه بدراً طالعاًوطفقت اذكر منك بدراً آفلا
ابن المعتز:
في ليلةٍ أكلَ المحاقُ هلالهاحتّى تبدَّى مثلَ وقفِ العاجِ
والصبح يتلو المشتري فكأنَّهعريانُ يمشي في الدجى بسراجِ
وقال أيضاً:
يا ليلة ما كانَ أطيبها سوى ليلِ البقاءِ
أحييتُها وأمتُّهاوطويتُها طيَّ الرداءِ
حتّى رأيتُ الشمس تتلوالبدرَ في أفقِ السماءِ
فكأنَّها وكأنَّهقدحانِ من خمرٍ وماءِ
وقال:
كأنَّ سماءنا لمَّا تجلَّتخلالَ نجومِها غبَّ الصباحِ
رياضُ بنفسجٍ خضلٍ نداهُتفتَّح بينها نورُ الأقاحِ
محمد بن الآمدي:
ورثّ قميص الليل حتّى كأنَّهسليبٌ بأنفاسِ الصبا متوشحُ
ولاحت بطيَّات النجوم كأنَّهاعلى كبدِ الخفراءِ نورٌ مفتّحُ
وقال ابن الزمكدم وأجاد ما شاء، وهي بباب الهجاء أنسب، ولكنها تضمنت تشبيه الليل والصبح فذكرتها هنا:
وليلٍ كوجه البرقعيدي ظلمةًوبرد أغانيه وطول قرونهِ
سريت ونومي فيه نومٌ مشرّدٌكعقلِ سليمان بن فهد ودينهِ
على أولقِ فيه اختباط كأنَّهأبو جابر في خبطهِ وجنونهِ
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنَّهسنا وجهِ قرواش وضوء جبينهِ
أبو هلال:
وكأنَّ الهلالَ مرآةُ تبرٍتنجلي كلَّ ليلةٍ إصبعينِ
آخر:
والجوُّ صافٍ والهلال مشنّفٌبالزهرة البيضاء نحو المغربِ
كصفيحةٍ زرقاءَ فيها نقطةٌمن فضةٍ من تحت نون مُذهبِ
فيه أنه جعل النقطة تحت النون وهذا غير معروف.
وقد أحسن ابن النبيه في قوله:
والليلُ تبدو الدَّراري في مجرَّتهكالماءِ تطفو على روضٍ أزاهرهُ
وكوكبُ الصبح نجّابٌ على يدهمخلّقٌ تملأُ الدنيا بشائرهُ
وقال ابن الحنفي:
لله زورته وقد حلَّى الدجىجيد السماء بكلّ نجم زاهرِ
وغدت نجوم الأفق ليلة زارنيكالبدر بين مراقبٍ ومسامرِ
فالقلب منها مثل قلبي خافقوالطرفُ منها مثل طرفي الساهر
وقال أيضاً:
وكأنَّ النجومَ نورُ رياضٍوكأنَّ المريخَ شعلةُ نارِ
ابن طباطبا:
والصبح في صفو الهواء مورّدٌمثل المدامة في الزجاج تشعشع
وقال أيضاً:
وليل نصرت الغيّ فيه على الرشدِوأعديتُ فيه الهزل منِّي على الجدِّ
إلى أن تجلَّى الصبح من خلل الدجىكما انخرط السيفُ اليمانيّ من غمدِ
ابن المعتز:
تظلُّ الشمسُ ترمقُنا بلحظٍخفيٍّ مدنفٍ من تحتِ سترِ
تحاولُ فتقَ غيمٍ وهو يأبىكعِنِّينٍ يرومُ نكاحَ بكرِ
أبو هلال:
ملأ العيون غضارةً ونضارةًصحوٌ يطالعنا بوجه مونقِ
والشمس واضحة الجبين كأنَّهاوجهُ المليحة في الرداءِ الأزرقِ
وكأنَّها عندَ انبساطِ شعاعهاتبرٌ يذوبُ على فروعِ المشرقِ
وأحسن ما قيل في غروب الشمس:
إذ رنَّقت شمسُ الأصيلِ ونفّضتْعلى الأفقِ الغربيِ ورساً مزعزعا
ولاحظتِ النوّار وهي مريضةٌوقد وضعتْ خدّاً إلى الأرضِ أضرعا
كما لا حظت عواده عين مدنفٍتوجع من أوصا به ما توجعا
وظلّت عيونُ النورِ تخضلُّ بالندىكما اغرورقتْ عينُ الشجيَّ لتدمعا
وقال المجد بن الظهير الإربلي من قصيدة يمدح بها السعيد تاج الدين رحمه الله تعالى:
وفلاةٍ فليتها بأمونٍهلَّت البيدُ وخدها والذّميلا
الأمون: الناقة الشديدة التي أُمن عثارها.
مثل ظهر المجنّ لا يجد الخرّيت فيها إلى سبيل سبيلا
تجد الآل خافقاً قلبه فيها إذا أمّت الوجوه المقيلا
جبتُها والظلام راهب ليلٍجاعلٌ كلّ كوكبٍ قنديلا
أو عظيم للزنج يقدم حبشاًقد أعدُّوا أسنّةً ونصولا
وكأنَّ السماءَ روض أريضنوره بات بالندى مطلولا
وكأنَّ النجوم درّ عقودٍعاد عقدُ سلكها محلولا
ليلة كالغداف لو لم يرعهاباز فجر ما أوشكت أن تزولا
رقّ جلبابُ جنحِها وبدا شفاًكما شارف الخضاب النصولا
وتولَّت وأشهب الصبح يتلوأدهم الليل وانياً مشكولا
وكأنَّ الصباحَ ميلُ لجينٍكاحل للظلام طرفاً كحيلا
ما انتهت والسهاد حتّى انتهىالصبر ورحنا من حمرة السهد ميلا
وثنى النجم عن سراهُ عِناناًمطلقاً وانبرى النسيم عليلا
واجتلينا النهار فيه كوجه الصاحب الصدر مجتدًى مأمولا
وقلت من أبيات:
وليلٍ غُدافيّ الإهابِ ارتديتهوصحبي نشاوى من نعاس ومن لغبِ
كأنَّ السماء اللازوردي مطرفٌوأنجمه فيه دنانير من ذهبْ
قد اطَّردت فيه المجرَّة جدولاًفلاح عليها من كواكبها جنبْ
كأنَّ سوادَ الليلِ زنجٌ بدا لهممن الصبح ترك فاستكانوا إلى الهربْ
كأنَّ ضياء الشمس وجه محمدإذا أمَّه الراجي فأعطاه ما طلبْ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع