من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)
مدينة مرّاكش- كلأها الله
هى اليوم حاضرة بلاد المغرب ودار مملكتها، وهى مدينة عظيمة فى بسيط من الأرض، أسسها يوسف بن تاشفين سنة؛ وأول ما بنى فيها
دار الأمة وهى الآن معلومة بها، ثم اختط سورها ولده على سنة [-]؛ وفتحها الخليفة أمير المؤمنين رضه يوم السبت بعد صلاة الظهر من شوال سنة [- مارس]. وعلى أميال منها وادي تنسيفت، منبعه من بلد دمنات، يصب فيه وادى وريكة ووادى نفيس وأودية كثيرة، ومصبه فى ساحل رباط جوز ويدخله الشابل الكثير الطيب.
وهى مدينة طيبة التربة كأنها غطاء من حجر على حجر، عذب ماؤها قريب من قامة أو قامتين؛ وبساتينها تسقى من آبار منتفد بعضها ببعض حتى تخرج على وجه الأرض. وبينها وبين درن نحو ال ميلا، وهى كثيرة الزرع والضرع تحرثها دكّالة وجنتها نفيس، وحولها من البساتين والجنات التى يسمونها البحائر لعظمها ما لا يحصى كثرة؛ وإنما بناها واضعها ليملك منها جبل درن لكثرة من يعمره، وكان خروج هذه الشرذمة الصحراوية لقتال براغواطة الكفار المرتدين عن ديانة الإسلام.
وكان إسلام قبائل الصحراء سنة [-] وخروجهم سنة] أو نحوها فقتل زعيمهم الذي أخرجهم ببلد برغواطة بموضع يسمى تيلمت، وبنى على قبره مسجد وولى بعده أبو بكر بن عمر اللمتونى المحمدى وبقى إلى سنة [-] قبل أن ينخلع ويولى يوسف بن تاشفين، ويطلق زوجته زينب بنت ابراهيم النفزاوى. ولم يكن فى زمانها أجمل منها ولا أعقل ولا أظرف، فتزوجها بعده يوسف وبنى لها مراكش، وسار أبو بكر بن عمر إلى الصحراء فقاتل السودان فرشقه سهم فمات. ومدينة مراكش اليوم من أعظم مدن الدنيا بهجة وجمالا بما زاد فيها الخليفة الإمام وخليفته أمير المؤمنين أبو يعقوب وخليفتهما أبو يوسف رضهم، فإن الخليفة الإمام بنى فيها جامعا عظيما ثم زاد فيه مثله أو أكثر فى قبلته؛ كان قصرا، ورفع بينهما المنار العظيم الذي لم يشيد فى الإسلام مثله، وأكمله ابنه وخليفته أبو يعقوب رضه. وجلب الخليفة الإمام المياه من أودية درن وغرس بحيرة عظيمة بغربى المدينة قبل نفيس دورها أميال، وبنى فيها
وخارجها صهريجين عظيمين كنا فى تلك المدة نعوم فيهما فلا يكاد القوى منا يقطع الصهريج إلا عن مشقة، وكنا نتفاخر بذلك. وأحدث الخليفة بعده ابنه أبو يعقوب رضه بحائر مثلها فى الغرس بل أجمل، وجلب لها المياه وأخذها فى صهاريج أعظم من المتقدمة، وزاد فى قبلة المدينة حصنا أنفذه الآن ابنه الإمام الخليفة أبو يوسف رضه، وزاد عليه مدينة أخرى تقارب الأولى فى دورها؛ وكانت بحائر عظيمة فبناها قصورا وجامعا وأسواقا وفنادق، وجلب التجار إلى قيسارية عظيمة لم يبق فى مدن الأرض أعظم منها، وأمر بعمارتها أول سنة. ومدينة مراكش أكثر بلاد المغرب جنات وبساتين وأعناب وفواكه وجميع الثمرات، وكانت قبل ذلك يطير الطائر حولها فيسقط من العطش والرمضاء، وأكثر شجرها الزيتون ففى مراكش اليوم من الزيتون والزيت ما تستغنى به عن غيرها من البلاد وتمير بلادا كثيرة، وكان زيتها قبل اليوم دهن الهرجان لأنه بتلك البلاد كثير جدا. وزيتون مراكش أكثر من زيتون مكناسة وزيتها أرخص وربما أطيب.
ومما شرف به سيدنا ومولانا أمير المؤمنين أبو يوسف حضرته المكرمة رضه أن أرسل فى وسط المدينة ساقية ظاهرة ماؤها ماء قصره المكرم، تشق المدينة من القبلة إلى الجوف، وعليها السقايات لسقى الخيل والدواب واستقاء الناس، فهى اليوم أشرف مدن الدنيا وأعدلها هواء. ومن بركاته وضع دار الفرج فى شرقى الجامع المكرم، وهو مارستان المرضى، يدخله العليل فيعاين ما أعد فيه من المنازه والمياه والرياحين والأطعمة الشهية والأشربة المفوهة، ويستطعمها ويسيغها فتنعشه من حينه بقدرة الله تعالى. وكان فى سنة [-] قد استدعى العلماء ورواة الحديث وأمر بتدريس حديث النبي ﷺ.
مدينة فروجة: يسمونها أفروجى، بينها وبين مراكش مرحلة، وهى فى بطحاء كثيرة المياه والفواكه والخيرات. وبالقرب منها مدينة
تامروت بينهما نحو مرحلتين. وهى مدينة لطيفة طيبة الهواء والماء، ومنها يرقى إلى جبل درن، ويقال إنه أكبر جبال الدنيا وإنه يتصل بجبل المقطم الذي ببلاد مصر، وفيه قبائل كثيرة من المصامدة، ويقال إنهم من العرب قد دخلوا تلك البلاد وسكنوا تلك الشعاب فى الفتنة الواقعة عند هزيمة ميسرة التى تسمى غزوة الأشراف، فكان البربر يطلبون العرب فتوغلوا فى تلك الجبال وتناسلوا فهم أهلها على الحقيقة لأنهم أحيوها. قال رسول الله ﷺ: «من أحيا أرضا ميتة فهى له ولعقبه». وجبل درن أخصب البلاد وأكثرها أنهارا وأشجارا وأعنابا؛ وفيه أمم لا تحصى من المصامدة وأكثر عيشهم إنما هو من العنب والزبيب والرّب، وهم لا يستغنون عن شربه لشدة برد الجبل وثلجه؛ وخلفه بلاد السوس.
ذكر بلاد السوس الأقصى
وهى مدن كثيرة وبلاد واسعة يسقيها نهر عظيم يصب فى البحر المحيط يسمى وادى ماسة وجريه من القبلة إلى البحر كجرى نيل مصر، وعليه القرى المتصلة والعمائر الكثيرة والبساتين والجنات بأنواع الفواكه والثمار والأعناب وقصب السكر. ولم يتخذ الساكنون على هذا الوادى قط رحى فإذا سئلوا عن ذلك قالوا: كيف يتخذ هذا الماء المبارك فى إدارة الأرحاء، وهم يتطييرون بها. وعلى هذا النهر قرية كبيرة جدا تعرف بتارودانت، وهى أكثر
بلاد الله قصب سكر وفيها معاصر السكر كثيرة. وهذا البلد أخصب بلاد المغرب وأكثرها فواكه وخيرات، ومنها يجلب السكر إلى جميع بلاد المغرب والأندلس وإفريقية وهو المشهور بالطبرزد المذكور فى كتب الطب. وعلى مصب هذا الوادى فى البحر رباط مقصود له موسم عظيم ومجتمع جليل وهو مأوى للصالحين. ومن وادى سوس إلى مدينة نول مراحل فى عمارة متصلة يسكنها جزولة ولمطة، وهم أمم كثيرة.
وقاعدة بلاد السوس مدينة أيجلى وهى مدينة عظيمة كبيرة قديمة أزلية فى سهل من الأرض على النهر الكبير المذكور، وهى كثيرة البساتين والتمر وجميع الفواكه، ربما بيع حمل التمر بما دون كراء الداية من الجنان إلى السوق، وقصب السكر بها كثير وله بها معاصر كثيرة، وأكثر شرب أهلها إنما هو ماء قصب السكر؛ ويعمل بها النحاس المسبوك يتجهز به إلى بلاد السودان.
ووصل عقبة بن نافع إلى هذه المدينة عند دخوله إلى بلاد المغرب، وافتتحها فأخرج منها سبيا لم ير مثله حسنا؛ كانت تباع الجارية الواحدة منهن بألف دينار وأكثر لحسنها وتمام خلقها. ويعمل بهذه المدينة زيت الهرجان وشجره يشبه الكمثرى إلا أنه لا يعلو كعلو شجرة الكمثرى ولا يفوت اليد، وأغصانه نابتة من أصله لا ساق لشجرته ولها شوك وثمرته تشبه الأجاس المعروف عندنا بالعبقر، فيجمع ويترك حتى يذبل ثم يوضع فى مقلاة فخار على النار فيستخرج دهنه، وطعمه يشبه طعم القمح المقلو، وهو جيد محمود الغذاء يسخن الكلى ويدر البول. وبالسوس عسل يفوق عسل جميع الأمصار، يلقى النبيذيون على الكيل منه كيلا من الماء وحينئذ يأتى نبيذا، وإن كان الماء أقل من ذلك بقى حلوا ولا ينحل إلا بالماء الشديد الحرارة، ولونه أخضر فى لون الزمرد.
وبالقرب من أيجلى على نحو مراحل مدينة تا مدلت، وهى مدينة كبيرة أسسها عبد الله بن إدريس العلوى وتوفى بايجلى وبها قبره. وتا مدلت مدينة سهلية كثيرة العمارة حافلة الأسواق، على نهر عنصره من جبل على نحو أميال منها، وما بينهما عمائر وبساتين متصلة، وهذا النهر هو نهر درعة، وهذه المدينة تامدلت على رأس النهر، وبينها وبين مدينة درعة مسيرة أيام فى عمارة متصلة. ومن بلاد السوس مدينة نول لمطة، وهى مدينة كبيرة فى أول الصحراء على نهر كبير يصب فى البحر المحيط، ومن مدينة نول إلى وادى درعة نحو مراحل. وإنما سميت نول لمطة لأن قبيلة لمطة يسكنونها وما وراءها وهى آخر بلاد السوس؛ ومن أراد الدخول من وادى درعة إلى بلاد السودان، غانة وغيرها، فليمشى من وادى درعة نحو مراحل إلى وادى ترجا وهو فى أول الصحراء، ثم يسير فى جبال وعرة فى طريق قد فتحت فى حجر صلد بالنار والخل من عمل الأول. ويزعم قوم أن ملوك بنى أمية فتحوها، وهذه الطريق من أحد أعاجيب العالم. ومنها إلى جبل يسمى بالبربرية جبل الحديد، ومن هذا الجبل يدخل إلى بلاد لمتونة وهم من صنهاجة؛ وأكثر لمتونة إنما هم رحالة لا يستقر بهم موضع ولا يعرفون الحرث ولا الزرع ولا الخبز، وإنما لهم الأغنام الكثيرة فيعيشون من لبنها ولحمها، فهم يجففون اللحم ويطحنونه ويصبون عليه الشحم المذاب والسمن ويأكلونه ويشربون عليه اللبن قد غنوا به عن الماء، فيبقى الرجل منهم الشهر لا يشرب ولا يأكل خبزا ولا يعرفونه وصحتهم من ذلك متمكنة، ربما مرت بهم القوافل فيتحفون ملوكهم
ورؤساءهم بالخبز والدقيق. وببلادهم يكون اللمط الذي يعمل من جلوده الدرق، وهذا الحيوان المسمى باللمط دابة دون البقر لها قرون رقاق حادة تكون لذكرانها وإنائها، وكلما كبر هذا الحيوان طال قرنه حتى يكون أزيد من أشبار؛ وأجود الدرق وأغلاها ثمنا ما عمل من جلود الإناث المسنات التى قد طالت قرونها لكبر سنها حتى منعت الفحل أن يعلوها. وببلادهم أيضا الفنك الكثير، ومن عندهم تحمل جلودها إلى جميع البلاد، وعندهم الكباش الدمانية وهى على خلقته أيضا إلا أنها أعظم وشعرها كشعر المعز لا صوف عليها، وهى أحسن الغنم خلقا وألوانا. والريحان فى بلاد الصحراء وفى بلاد السوس عزيز لأن بلادهم لا تنبته، وهو عندهم من أطيب الطيب.
ومن عجائب هذه الصحراء أن بها معدن الملح تحفر عنه الأرض كما تحفر عن سائر المعادن، ويوجد هذا الملح تحت قامتين أو دونهما من وجه الأرض فيقطع كما تقطع الحجارة ويسمى هذا المعدن تاتنتال، وعليه حصن مبنى بالحجارة التى تخرج من المعدن، وجميع ما فيه من بيوت وغرف ومساكن إنما هو مبنى بحجارة الملح. وبهذا الملح يتجهز إلى بلاد السودان، غانة وغيرها، وله غلة عظيمة؛ وبإزاء معدن الملح الماء العذب الطيب، أخبرنى بذلك من عاينه.
ومعدن الملح أيضا فى بلاد جدالة بموضع يسمى وليلى على شاطئ البحر المحيط، ومن هناك تحمله الرفاق إلى ما جاوز تلك الجهة. وبقرب وليلى فى البحر جزيرة تسمى أيونا، وهى عند المد لا يوصل إليها إلا بالمراكب
وعند الجزر يوصل إليها بالقدم، ويوجد فيها العنبر الكثير؛ وأكثر معاش أهلها من لحوم السلاحف فهى أكثر شئ فى ذلك الموضع وهى مفرطة العظم، ربما دخل الرجل فى محار ظهورها يتصيد فى البحر كالقارب. وفى هذه الجزيرة أغنام كثيرة ومواشى، وهى منتهى المراكب وآخر مراسى المغرب. ومن مدينة نول إلى هذه الجزيرة على البر، لا تفارق السواحل، مسيرة شهرين فى أرض محجّرة أكثرها صفاء تنبو عنها المعاول، ويكل فيها الحديد، وإنما يشرب من يمر على ذلك الطريق من حفر يحفرونها عند جزر البحر فينبع ماء عذبا وهو من العجائب. وإذا مات للمارين بهذه الطريق ميت لا يمكنهم مواراته بالتراب لصلابة الأرض وامتناعها من الحفر، فيسترونه بالحطام والحشيش أو يقذفونه فى البحر.
وبين صحراء لمتونة وبلاد السودان، مدينة أودغست.
وهى مدينة عظيمة آهلة فيها أمم لا تحصى ولها بساتين كثيرة ونخل كثير، ويزرعون فيها القمح بالحفر بالفؤوس ويسقونه بالدلاء، وكذلك يسقون بساتينهم، وإنما يأكل عندهم القمح الملوك وأهل اليسار منهم، وسائر أهلها يأكلون الذرة. والمقاتى تجود عندهم كثيرا، والبقر والغنم عندهم أكثر شئ وأرخصه:
تشترى فى أودغست أكباش بدينار وأكثر من ذلك، وهم أرباب نعم جزيلة وأموال جليلة ولهم أسواق حافلة عامرة الدهر كله، لا يكاد يسمع الإنسان فيها صوت جليسه لكثرة غوغاء الناس، وتجارتهم إنما هى بالتبر وليس عندهم فضة. وبمدينة أودغست مبان حسنة ومنازل رفيعة وأهلها أخلاط من جميع الأمصار، وقد استوطنوها لكثرة خيرها، ونفاق أسواقها وتجارتها. وحريم أودغست لا يوجد مثله فى بلد، يجلب منها جوار حسان بيض الألوان مائسات القدود، لطاف ضخام الأرداف واسعات الأكتاف ضيقات الفروج، المستمتع باحداهن كأنما يستمتع ببكر أبدا، من غير أن ينكسر لإحداهن ثدى طول عمرها.
أخبرنى ثقة من التجار أنه رأى بمدينة أودغست امرأة راقدة على جنبها، وكذلك يفعلن فى أكثر أحوالهن إشفاقا من الجلوس على أردافهن، ورأى ابنا لها طفلا يلعب حواليها وهو يدخل تحت خصرها ويخرج من الجهة الأخرى من غير أن تتجافى له، وذلك لعظم ردفها ورقة خصرها. ويجلب منها سودانيات طباخات محسنات، تباع الواحدة منهن ب دينار كبار وأزيد، يحسن عمل الأطعمة ولا سيما أصناف الحلاوات مثل الجوزينقات، والوزينجات، والقاهريات، والكنافات والقطائف والمشهوات، وأصناف الحلاوات، فلا يوجد أحذق يصنعتها منهن. ومنها تجلب الدرق الخصيفة الجياد فإن اللمط بأرض أودغست كثير جدا. يجلب أيضا منها العنبر الطيب لقربها من البحر المحيط، ويجلب منها الذهب الإبريز الخالص خيوطا مفتولة. وذهب أودغست أجود ذهب الأرض وأصحه، وكان صاحب مدينة أودغست فى سنة رجل من صنهاجة، وكانت له جيوش كثيرة فدان له أزيد من ملكا من ملوك السودان كلهم يؤدون له الجزية. وكان عمله مسيرة شهرين فى مثلها فى عمارة متصلة، وكان يعتد فى أزيد من ر نجيب فإن الخيل فى تلك البلاد قليلة، فيقال إنه غزا ملكا من ملوك السودان يقال له أوغام، فدخل بلده وأحرقها وقتل جنده والملك فى قصره ينظر إليه؛ فلما رأى ما حل فى بلده هان عليه الموت وخرج ورمى بدرقته إلى الأرض وقاتل حتى قتل. فلما عاين نساؤه ذلك تردين فى الآبار وقتلن أنفسهن بضروب من القتل أسفا على ملكهن وأنفة أن يملكهن البيضان. وبين مدينة أودغست وسجماسة نحو مرحلة، ومنها إلى غانة نحو.
ذكر بلاد السودان ومدنها المشهورة وعجائبها ونبذ من سير ملوكها
قال المؤلف ﵀: أقرب بلاد الإسلام إلى بلاد السودان بلاد جدالة وأقرب مدينة من مدن السودان إليهم مدينة صنغانة وهى مدينة عظيمة على النيل. وبين آخر بلاد جدالة وبين مدينة صنغانة مسيرة أيام، وهما مدينتان على ضفة نيل مصر ولهاتين المدينتين نظر واسع وعمارات متصلة يقال إنه تتصل عمارتهما وقراهما بالبحر المحيط. وتلى مدينة صنغانة على النيل مدينة تكرور وكانوا على ما كان عليه سائر السودان فى المجوسية وعبادة الدكاكير، وهى بلغتهم الأصنام، حتى وليهم وزجاى بن ياسين فجبرهم على الإسلام بالسيف وحارب السودان حتى أسلموا وذلك سنة [-].
مدينة سلى: هى مدينتان على ضفة النيل وأهلها مسلمون أسلموا على يد وزجاى، ﵀، وملكها واسع المملكة كثير العدد يقاوم صاحب غانة.
وبينها وبين غانة مسيرة يوما فى عمارة متصلة للسودان القبيلة بعد القبيلة؛ وصاحب سلى يحارب من جاوره من كبار السودان، وتبايع أهل سلى إنما هو بالذرة والملح وحلق النحاس وأزر لطاف من قطن يسمونها الشّكيات وهى أنفق ما عندهم، وليس عندهم غنم ولا معز وأكثر نبات أرضهم الأبنوس ومنه يحتطبون. وبقرب مدينة سلى مدينة قلنبوا وهى مدينة كبيرة
على ضفة النيل، فإن النيل يشق جميع تلك البلاد، ويسقى أكثرها. ومن عجائب تلك البلاد أن فيها حيوان يشبه الفيل فى عظيم خلقته وخرطومته وأنيابه، يسمونه جفو ويرعى فى البر ويأوى إلى النيل، ويصطادونه فيأكلون لحمه ويصنعون من جلده الأسواط التى تسمى بالسّريّاقات، ويقال لها بالأندلس ذنب الفأر.
ومن هناك تحتمل الأسواط إلى جميع الآفاق، ولهم فى صيده حيلة فإنهم يميزون فى النيل المواضع التى يأوى إليها هذا الحيوان [حيث] يتحرك الماء على ظهره لقلة استقراره، وعندهم مزارق حديد قصار فى أسافلها حلق قد شدت فيها حبال مديدة، فيزرقونه بالعدد الكثير منها، فيهرب منهم ويغوص فى أسفل النيل فيرخون له تلك الحبال فيضطرب حتى يموت. فإذا مات طفا على الماء فيجرونه إلى البر، ويأخذونه. وتلى مدينة قلنبوا مدينة ترنكة: وهى مدينة كبيرة على نظر واسع وبها تصنع الأزر المسمات بالشكيات التى تنفق فى مدينة قلنبوا وغيرها، وهى من القطن وليس بهذه المدينة قطن كثير وإنما هو مجلوب إليها، وهم يتبركون بشجره فقل ما عندهم منزل ولا دار إلا وفيه شجرة قطن. وحكم أهل هذه البلاد فى السارق أن يخير صاحب السرقة فى بيع السارق أو قتله، وحكمهم فى الزانى أن يسلخ من جلده.
ومن مدينة ترنكة تتصل ببلاد السودان إلى بلاد زافون وهم من البرابر لهم مدينة زافون، سميت بهم. وهم يعبدون ثعبانا عظيما له عرف وذنب ورأسه كرأس البختى، وهو فى مغارة فى أصل جبل، وعلى فم المغارة عريش وحوله مواضع يتعبدون فيها لذلك الثعبان، ويعلقون نفيس الثياب والمتاع على تلك المغارة، ويضعون لذلك الثعبان جفان الطعام وعساس اللبن والشراب، فهم إذا رأوا خروجه إلى ذلك العريش تكلموا كلاما معلوما عندهم، وصفروا تصفيرا كذلك فيبرز إليهم. فإذا هلك وال من ولاتهم جمعوا أولاده، إن كان له ولد ومن يصلح للملك بعده، وقربوه من ذلك الثعبان وتكلموا بكلام يعلمونه، فيدنوا ذلك الثعبان منهم فلا يزال يشمهم رجلا رجلا
حتى ينطح أحدهم بأنفه، ثم يولى ذلك الثعبان راجعا إلى مغارته، فيتبعه ذلك الرجل والثعبان مسرعا إلى المغارة والرجل يجهد خلفه بالجرى بأشد ما يقدر عليه، فيجذب من ذنبه أو عرفه شعرات فتعد ويعلمون أنه يملك قومه تلك الشعرات سنين، لا يخطئهم ذلك بزعمهم. وأقول إن هذه الفتنة فيهم إنما هى لأن الثعبان يعمّر حتى يزيد على سنة، فنشأ على ذلك آباؤهم فلا يعرفون أوله، والواضع لهذه الفتنة إنما أراد أن يملكهم بذلك، وعقولهم فى نهاية الركاكة، فيصبح له منهم ما أراد- عصمنا الله من الفتن. وتلى هذه البلاد بلاد الفرويين، ومن غرائب بلدهم أن عندهم بركة عظيمة يجتمع فيها الماء، ينبت فيها نبات أصله أبلغ شئ فى تقوية الجماع والمعونة عليه، وملك ذلك البلد يشح على إخراجه من بلده لئلا يصل منه إلى غيره شئ، وله من النساء عدد كثير، فإذا أراد أن يطوف عليهن أنذرهن من قبل ذلك بيوم، ثم استعمل ذلك الدواء، فلا يكاد ينكسر عن الطواف عليهن كلهن. وقد أهدى له بعض الملوك المجاورين لبلده هذه هدية نفيسة، واستهداه شيئا من ذلك العود، فعاوضه على هديته وكتب إليه أن المسلمين لا يحل لهم من النساء إلا القليل، وقد خفت عليك أن أبعث بهذا الدواء فلا تقدر على إمساك نفسك فتأتى ما لا يحل لك فى شريعتك، ولكنى بعثت لك عودا يأكله العقيم فيولد له. وببلاد الفرويين يبدل الملح بالذهب لعدمه عندهم، وفى هذه البلاد معادن الذهب، ترابه أحمر يستخرج كما يستخرج الحديد والرصاص والنحاس والفضة ببلادنا.
ذكر بلاد غانة وما جاورها من البلاد
قيل إن غانة سمة لملوكها، وإنما اسم البلد أوكار، ووقع إلى كتاب ملكها إلى يوسف بن تشفين، نصه: إلى أمير أغمات، قال غانة؛
وهذا دليل على ما قيل. ومدينة غانة مدينتان، إحداهما يسكنها الملك والأخرى يسكنها الرعية والتجار والسوقة، بينهما الدور والمساكن نحو أميال متصلة.
وفى مدينة الرعية جامع كبير ومساجد كثيرة، وفيها الأئمة المؤذنون والفقهاء والعلماء، وحواليها آبار عذبة منها يشربون، وعليها الخضر والمقاتى. ومدينة الملك تسمى الغابة، وللملك بها قصر عظيم وقباب، قد أحاط بذلك كله حائط مثل السور، وعلى مقربة مجلس حكم الملك، وحول قصره قباب وغابات وشعراء يسكنها السحرة وأهل ديانته، وفيها دكاكيرهم وقبور ملوكهم، ولها حرس فلا يمكن أحد من الغرباء دخولها ولا معرفة ما فيها، وهناك سجون الملك فإذا سجن أحدا انقطع خبره. وفى مدينة الملك مسجد يصلى فيه من يفد عليه من تجار المسلمين. والملك يجلس للناس للحكم فى قبة عظيمة وأمام القبة عشرة أفراس من عتاق الخيل، وعليها الحلل المذهبة من الحرير والديباج على عدمها ببلادهم. والملك يتحلى بحلى النساء فى عنقه وذراعيه، ويحمل على رأسه طرطورا مذهبا ويعمم عليه عمامة قطنية، وعن يمينه وعن يساره أبناء الملوك والوزراء وخاصته من أعيان بلده، قد ضفروا رؤوسهم بالذهب والجوهر وعليهم الثياب الرفيعة. ولا يلبس ثوبا مخيطا من أهل دينه إلا هو وولى عهده، ومن سواهما يلبسون ملاحف الحرير والديباج، وسائر أهل بلده يلبسون ملاحف القطن. والملك وسائر أهل بلده الذين على ديانته يحلقون لحاهم ونساؤهم يحلقن رؤوسهن. ولا يولى الملك عهده إلا لابن أخته وهو يشك فى ابنه ولا يقطع بصحة اتصاله به، وإذا جلس الملك فى قبته لمظالم الناس ينذرون لجلوسه بطبل عظيم يسمونه دبا، وهو خشبة طويلة منقورة قد جلّدوها لها صوت هائل يجتمع الناس إليه، فإذا دنا منه أهل دينه جثوا على ركبهم وحثوا التراب على رؤوسهم. وأما المسلمون فتحيتهم عليه تصفيق باليدين، وجلوس الوزراء أمامه إنما هو على الأرض تواضعا للملك. وإذا مات الملك عملوا له قبة ووضعوا له الأطعمة والأشربة وكل من كان يخدم طعامه وشرابه، وأغلقوا عليهم باب القبة وجعلوا فوقها الحصى والأمتعة، واجتمع الناس فردموا فوق القبة بالتراب حتى يأتى الموضع مثل الجبل الضخم، ثم يحتفرون حوله حفيرا
عظيما وعرا حتى لا يتوصل إلى ذلك الكوم ولا إلى شئ منه إلا من موضع واحد. ولملك غانة مملكة واسعة نحو الشهرين فى مثلها؛ وفى بلده يوجد الذهب الكثير، وهو يعم جميع بلاد الدنيا وأفضل الذهب بمملكته ما كان ببلد غياروا.
مدينة غياروا: بينها وبين غانة نحو يوما متصلة بقبائل من السودان لا يحصى لهم عدد، وإذا وجد فى جميع معادن بلاد هذا الملك النّدرة من الذهب اصصفاها الملك لنفسه ولم يتركها تخرج من بلده لغيره. والنّدرة تكون من أوقية إلى رطل وإنما يتركون أن يخرج من بلادهم من الذهب ما كان رقيقا، ولو تركوا كل ما يوجد فى المعادن يخرج من بلادهم لكثر الذهب بأيدى الناس ولهان. ويذكر أن عند ملك غانة ندرة ذهب كالحجر الضخم؛ وقد ذكر أن عند بعض ملوك السودان من هذه الندرات حجر عظيم يجعل أمامه، فإذا ورد عليه رسل من غيره من الملوك أمر بفرسه فربطه إليه ليباهى بذلك. وبين مدينة غياروا والنيل ميلا وفيها كثير من المسلمين؛ وفى القرب منها على النيل مدينة يرسنى »
: وهى مدينة كثيرة الخيرات ولها معدن للذهب عظيم معروف فى بلاد السودان. ومن أعجب شئ فى هذه المدينة أن فيها معزا قصارى وعندهم شجر معلوم فتحتك هذه المعز إلى تلك الأشجار فتلقح من غير ذكر، ويذبحون ذكران المعز ويستحيون الإناث لاستغنائهم عن الفحل، وهذا معلوم عندهم غير منظور؛ حدث بذلك من دخل بلادهم من التجار والثقات، وهذا مثل جزيرة النساء التى ذكر المسعودى. ومن أعمال مدينة غانة ونظرها مدينة سامة، ويعرف أهلها بالبكم، بينها وبين غانة مدة أربعة أيام. وهم يمشون عراة إلا أن المرأة تستر فرجها بسيور مضفورة، ونساؤهم يوفرن شعر العانة ويحلقن شعر الرأس. حدث رجل ثقة ممن دخل
تلك المدينة إنه رأى منهن امرأة وقفت على رجل من العرب له لحية عظيمة طويلة، فتكلمت كلاما لم يفهمه العربى، فسأل الترجمان عن مقالتها فأخبره إنها تمنت أن يكون شعر لحيته فى عانتها، فغضب الأعرابى وأوسعها سبا. ويورث الرجل أكبر بنية ماله كله ويحرم الغير ولو كان أحب إليه. ولهم حذق بالرماية ويرمون بالسهام المسمومة. وبغربى غانة مدينة أنبارة: وهى مدينة كبيرة ولأهلها بأس شديد فى الحروب، وهم معاندون لملك غانة وإليها تسعة أيام.
مدينة كوغة: وأهلها مسلمون وحواليها المشركون، وأكثر ما يتجهز إليها بالملح والودع والنحاس المسبوك والتاكوت وهو أنفق شئ عندهم للدبغ به. وحواليها معادن التبر، وهى أكثر بلاد السودان ذهبا. وبالقرب منها مدينة الوكن: وهى مدينة عظيمة يقال إن ملكها المعاصر لنا مسلم يخفى إسلامه. وببلاد غانة قوم يسمون بالهنيهين، من ذرية الجيش الذي كان بنوا أمية أنفذوه إلى غانة فى صدر الإسلام إلى بلاد السودان، وهم بيض الألوان حسان الوجوه لا يتناكحون فى السودان كثيرا. وإذا ست من غانة إلى جهة الشرق فإنك تسير فى بلاد السودان كثيرا وفى قبائل من البربر رحالة وهم مسلمون. وتسير مراحل كثيرة على النيل إلى مدينة تيرقىّ:
وهى مدينة عظيمة لها أسواق حافلة يجتمع فيها أمم كثيرة من بلاد متفرقة من بلاد غانة وتادمكة وغيرها. وتعظم السلاحف بأرض تيرقى حتى تخرج عن القياس، وهى تحفر فى الأرض أسرابا يمشى فيها إنسان، وهم يأكلونها فلا يستطيعون إخراج واحد منها من تلك الأسراب إلا بعد شد الحبال فيها واجتماع
العدد الكثير. حدث رجل ثقة من المسافرين فى ذلك الطريق أن قوما انزلقوا فى بعض طريق تيرقى فغرسوا متاعهم، وبذلك الطريق الأرضة كثيرة وهى تفسد ما وجدت من متاع أو غيره، ولها بذلك الطريق أجحار وتخرج من التراب أكواما فوق أجحارها، ومن العجب أن ذلك التراب يرى ندى والماء هناك غير موجود على أبعد حفره، فلا يضع التجار أمتعتهم إلا على الحجارة المجموعة أو الخشب. فلما نزل أولئك التجار بذلك الموضع ارتاد كل واحد منهم لمتاعه حزنا من الأرض أو حجرا، فبدر أحدهم بالليل إلى صخرة كبيرة فيما ظن فأنزل عليها متاعه وكان وقر بعيرين، ثم نام بقرب رحله فلما انتبه من نومه سحرا لم يجد الصخرة ولا ما كان عليها، فارتاع فنادى بالويل والحرب فاجتمع إليه أهل القافلة يسألونه عن خطبه، فأخبرهم. فقالوا لو طرقك لص لذهب بالمتاع وبقيت الصخرة، فنظروا أثر سلحفاة ذاهبة بالموضع فاقتفوا أثرها ومشوا أميالا حتى أدركوا السلحفاة وحمل المتاع على ظهرها وهى تنهض به فى غير تكلف. فاعجب من عظم هذه السلحفاة التى تحمل وقر جملين.
ومدينة تيرقىّ على النيل ومن هناك يرجع نحو الجنوب. ويلى مدينة تيرقى إلى ناحية المغرب مدينة تادمكة: وهى مدينة كبيرة بين جبال وشعاب وهى أشبه البلاد بمكة كرمها الله؛ ومعنى تاد عندهم هيئة: على هيئة مكة.
وأهلها بربر مسلمون وهم يتنقبون كما يتنقب بربر الصحراء، وعيشهم من اللبن واللحم وليس عندهم قمح ولا شعير، وعندهم حب تنبته الأرض من غير حرث يشبه الذرة. ولباسهم الثياب القطن المصبّغة، وملكهم يلبس الثياب الملونة فتكون عمامته حمراء وقميصه أصفر وسراويله زرق وما أشبه ذلك. ودنانيرهم تسمى الصلع لأنها من ذهب محض غير مختومة؛ ونساؤهم فائقات الجمال لا يعدل بهن نساء بلد حسنا. والزنا عندهم مباح وهن يتلقين التجار إذا أقبلوا إلى بلدهم ويتقارعن على الرجل الجميل منهم أيهن تحمله إلى منزلها. وبين مدينة تادمكة وغانة نحو ال مرحلة، وبينهما مدن وعمائر للسودان والبربر.
فإذا سرت من غانة تريدها فأول ما تلقى مدينة سجنجوا: وهى على
مراحل من غانة، وهى على النيل وهى آخر عمل غانة إلى الجنوب. ثم يصب النيل فى مدينة بوغرات: يسكنها قبيلة من صنهاجة يعرفون بمراسة.
أخبر الفقيه عبد الملك أنه رأى فى بوغرات طائرا يشبه الخطاف يفهم من صوته قتل الحسين، يكون ذلك مرارا ويقول بكربلاء مرة واحدة؛ قال الفقيه سمعته وأنا ومن حضر من المسلمين معى. ثم من بوغرات إلى تيرقى المتقدم الذكر ثم إلى تادمكة. وإن أردت الطريق من تادمكة إلى القيروان فإنك تتوجه إلى ناحية الشمال، وتسير فى صحراء نحو يوما إلى بلد وارجلان فى طرف الصحراء مما يلى إفريقية: وهو بلد خصيب كثير النخل والبساتين، وفيه سبع مدن مسورة حصينة تقرب بعضها من بعض، أكبرها تسمى أغرم إن يكامن معناه بلاد الشهود، وفيه حصن العهود. وهى بلاد كثيرة الزرع والضرع والبساتين، كثيرة المياه، ولها أعجوبة ليست فى موضع من الأرض: يحفر الرجل بئرا يقوّم حفره ب دينار وأزيد فإن أرضهم صلبة، والماء بعيد يدرك على أزيد من قامة، فيجد على الماء طبقا من حجر صلد، فيستبشر عند وجوده، ويطعم أولياءه فرحا. ويدخل إليه من يعرف كيف ينقره مربوطا فى حبال وثيقة وينقره فيفور الماء فإن أبطأ الرجال فى رفعه حتى لا يدركه الماء هلك لحينه، ويبقى الماء يفور على مر الدهور، وهكذا هى جميع آبارهم؛ وهم يسقون جناتهم وزرعوهم ونخلهم. وتضرب ببلد وارجلان دنانير على نوع المرابطية، لكنها نازلة فيها تحميل كثير، والدنانير الورجلانية مشهورة. ومن ورجلان إلى بلد الجريد نحو يوما، ومن بلاد الجريد إلى القيروان أيام؛ وأهل القيروان بربر، وفيهم جمال كثير، ولا سيما نساؤهم، موصوفات بالحسن. ومن بلاد وارجلان إلى غدامس نحو يوما فى صحراء قليلة الماء؛ وفى هذه الصحراء معدن حجارة تشبه العقيق، وربما كان فى الحجر الواحد منها ألوانا من الحمرة والصفرة والبياض، وهذا
الحجر أنفس شئ ببلاد السودان، غانة وغيرها، وهو عندهم مثل الياقوت وأجمل. وربما وجد من هذا الحجر فى النادر حجر كبير، وإذا وصل به إلى أهل غانة تغالوا فى ثمنه، وبذلوا فيه الرغائب؛ وهذا الحجر مثل الياقوت لا يعمل فيه الحديد شيئا، وإنما يصنع ويثقب بحجر آخر يسمى تنتواس كما يصنع بالياقوت، ويثقب بحجر السنبادج. ومعدن هذا الحجر لا يظهر حتى يذبح الإبل وينضح الموضع بدمها، فحينئذ تظهر هذه الحجارة وتلقط. وفى هذه الصحراء أيضا معدن الشب الأبيض الطيب الذي لا يوجد مثله ببلد، ومن هناك يحمل إلى جميع البلاد. ومن تادمكة أيام إلى مدينة كوكوا: وهى مدينة عظيمة فيها خلق كثير من السودان لا يحصى لهم عدد، وهى على النيل، ويقال إنما سموا كوكوا، لأن الذي يفهم من نغمة طبولهم كوكوا؛ وكذلك يذكر عن بلد زويلة إن الذي يفهم من نغمة طبولهم زويلة. ومن سار من مدينة كوكوا على شاطئ البحر غربا انتهى إلى مملكة يقال لها الدمدم، يأكلون من وقع إليهم من البيضان، ولهم مملكة كبيرة وبلاد واسعة. وفى بلادهم قلعة عظيمة عليها صنم فى صورة امرأة وهم يعبدونه ويحجبونه. ومن غرائب بلاد السودان، أنه ينبت عندهم فى الرمال شجرة طويلة الساق دقيقة، يسمونها توريرى، لها ثمر كبير منتفخ، داخله صوف أبيض يغزل، ويصنع منه الثياب والأكسية فلا تؤثر النار فيها. أخبر بذلك من أخبره الفقيه عبد الملك، أن أهل اللامس من بلاد السودان ليس لهم لباس غير هذه الثياب، وأخبر أنه لو وقدت النار على هذه الثياب الدهر كله لم تؤثر فيها شيئا، غير أن النار تغسل من أوساخها؛ ومن هذا النوع الحجارة بوادى درعة، وقد تقدم ذكرها.
قال الناظر: هنا انتهى ما وجدته من هذا الموضوع، ولقد أحسن واضعه، ورتب ما حقق، وهذا لعمرى أقرب وأخصر من غيره، ففيه ما فى غيره، وليس فى غيره ما فيه. وحققت وطرزت كتاب الواضع بما قيدت فى هذه المواضع، وأنا مؤمل أن أتفرغ لوضع كتاب كامل يحتوى على ذكر بلاد المغرب وممالكها إلى هذه الأيام السعيدة الإمامية، وأضيف إليها ما رفعته للحضرة العلية من مفاخر هذا الأمر العالى- أيد الله دوامه سنة [-] وهو ما يزيد عندى من فتوحاته المستأصلة لشأفة الأعداء، إلى حيث يبلغ بى الزمان. فهو عملى وسعيى، ونصيبى من الجهاد ورأيى، إذ هو من أعمال القلوب، الماحية لما خط من الذنوب، والله تعالى يجعله عملا مقبولا لديه، فالاعتماد، والتكلان عليه، لا رب سواه.
صلى الله على نبيه محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع