تجاوز إلى المحتوى

من «الديارات» لأبي الفرج الأصبهاني (ت ٣٥٦هـ)

دير هِند الصُغرى

دير هند الصغرى بالحيرة.

قال أبو الفرج الأصبهاني: وبالحيرة دير هند بنت النعمان بن المنذر، ودخل عليها خالد بن الوليد فقال لها: أسلمي حتى أزوجك رجلاً من المسلمين شريفاً أصيلاً يشبهك في حسبك، فقالت: أما ديني فمالي عنه رغبة، ولا أبغي به بدلاً، وأما التزويج، فلو كانت فيَّ بقية ما تزوجت ولا رغبت فيه، فكيف وأنا عجوز، هامة اليوم أو غد، قال لها: - فسليني حاجة أقضيكها، قالت:

- أكبر حاجتي هؤلاء النصارى الذين في ذمتكم، قال: نعم هذا فرض علينا في ديننا، أوصانا به نبينا ﷺ، فهل غير هذا؟ قالت: أنا في هذا الدير ملاصقة لهذه الأعظم البالية من أهل بيتي وملَّتي حتى ألحق بهم، وأمر لها بمال وكسوة فقالت: ما لي بشيء مما بذلته حاجة، معي عبدان يزرعان مزرعة أتقوت منها بما يمسك رمقي، وأصرف ما بقي في ضعفاء أهل ديني، وقد اعتددت بقولك فعلاً، وبعدتك نقداً، ولكن اسمع مني دعاء كان يدعو به لأملاكنا: " شكرت لك يد افتقرت بعد غنى، ولا وصلتك يدٌ استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا أزال عن كريمٍ نعمة، إلا جعلك سبباً لردّها إليه ".

وهذا الدير يقارب بني عبد الله بن دارم بالكوفة، مما يلي الخندق، في موضع نزه، وقد ذكره عدّة من الشعراء، منهم معن بن زائدة الشيباني وكان هناك منزله، وفيه يقول:

ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةًلدى دير هند والحبيب قريبُ
فتُقصى لبانات وتُلقى أحبَّةٌويورق غُصن للسرورِ رطيبُ

وفيه يقول أيضاً:

لئن طال في بغداد ليلي فربَّمايُرى بجنوب الدير وهو قصيرُ

قال أبو الفرج: ودخل إليها المغيرة بن شعبة وقد عميت فحادثها طويلاً، ثم خطبها، فضحكت وقالت: شيخ أعور، وعجوز عمياء! والصليب ما أردتني طلباً للنسل، ولا رغبة في مال، ولا شغفاً بجمال، ولكنك أردت أن تقول: نكحت ابنة النعمان! انصرف راشداً، فانصرف وهو يقول:

أدركتِ ما منيت نفسي خالياًلله درّك يا ابنةَ النُّعمانِ
فلقد رَدَدْتِ على المغيرة ذهنهإن الملوكَ ذكية الأذهانِ
يا هند إنكِ قد صدقتِ، فأمسكيوالصدقُ خيرُ مقالةِ الإنسانِ
إني لحلفك بالصليب مصدِّقٌوالصلبُ أصدقُ حلفةِ الرهبان

وكان بعد ذلك شباب الكوفة يخرجون إلى هذا الدير متنزهين، يأكلون في رياضه ويشربون، وفي دير هند هذا يقول أبو حيّان:

يا ديرَ هندٍ لقد أصبحتَ لي أنساًولم تكن، كنتَ لي يا دير مِئناسا
سَقياً لظلك ظلاً كنت آلفهفيه أعاشر قسيساً وشماسا
قدماً وقد كانت الأوقاتُ من طربٍومن سُرورٍ به يا قوم أعراسا
لا أعدم اللهو في أرجاءِ هيكلهِولا أردُّ على الساقي به الكاسا

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الأول أخبار الديارات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.