من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
أبو القاسم هبة الله بن ابراهيم بن المهدىّ
وهذا وإن لم يكن ابن خليفة يعد فى الخلفاء، فانا جئنا به بعقب ذكر أبيه. كما شرطنا فى الرسالة التى فى صدر هذا الكتاب، أنا إذا ذكرنا شاعرا فكان فى أهله شعراء ذكرنا هم جميعا بعقب ذكره ليكون أمرهم أقرب على ملتمسه، فأجرينا هذا على ذلك.
حدّثنى أحمد بن يزيد بن محمد أبو جعفر المهلبى، قال كان لهبة الله بن ابراهيم غلام يقال له بدر، قد رمى بأمره كله عليه، فتركه ومضى إلى غلام ليؤنس بن بغا، فأقام عنده، فقال هبة الله فيه شعرا، وأنشدنيه لنفسه:
لا يفى دهرك هذا لأحدوجميع النّاس فيه قد فسد
كلّ من تبصر من جاريةوغلام فهو مسترخى القود
ما من النّاس جميعا أحدمستحقّا فى الهوى أن يعتقد
فدع المرد ودع ذكرهموارم بالعشق إلى أقصى بلد
وتغنّ اليوم إن باكرتهاقهوة صفراء ترمى بالزّبد
استجر بالرّاح من حدّ الأحدلا تؤخّر لذّة اليوم لغد
«ومن شعره»
ألا يا طالبا يفديهـ منّى الجسم والرّوح
فؤاد الهائم المسكين بالهجران مجروح
وقلب الصّبّ بالصّدّالّذى أظهرت مقروح
فألا كان ذا الصّدّوباب الصّبر مفتوح
وأنشدنى أحمد بن يزيد لهبة الله بن إبراهيم:
يا جليلا فى العيونومليحا فى المجون
والّذى يمطلنى الوعد ولا يقضى ديونى
أنت باعدت بهجربين نومى وجفونى
سوف يدعونى إن لمترث لى داعى المنون
وقال أيضا
إن كنت أذنبت بحبّى لكمفلست من ذا الذّنب التّائب
رضيت أقصى العيب فى حبّكمفما عسى يبلغ بى عائبى
غلبت فى فخر وفى سؤددلكن هواكم أبدا غالبى
يعلم ربّى أنّنى مدنفوشاهدى فى النّاس كالغائب
حدّثنى الحسن بن يحيى قال كان هبة الله بن ابراهيم يجالس الخلفاء وآخر من جالس المعتمد على الله، وكان أحسن الناس علما بالغناء وكانت صنعته له ضعيفة، قال فوقعت لأبى شبل البرجمى الشاعر اليه حاجة فهجاه فقال:
صلف تندقّ منه الرّقبهومخاز لم تطقها الكتبه
كلّما بادره بدر بمايشتهيه منه نادى يا أبه
ليته كان النّوى الفرح بهلم يزد فى هاشم هذا الهبه
وقال هبة الله
عذّبنى الحبّ وأبلانىما أعنف الحبّ بالانسان
ما أطيب الوصل على عاشقإن لم ينغّصه بهجران
من أول شعر عمله هبة الله، وشهر به قوله:
أصابك الظّبى إذ رماكاوعن ظباء النّقا حواكا
فلو تمنّيت لم تجزهولو تمنّى لما عداكا
يا ظالما نفسه بظلمىلا تبك ممّا جنت يداكا
أنت الّذى إن كفرت ودّىصرفت قلبى إلى سواكا
فعمل أبوه ابراهيم بن المهدى فى هذا الشعر لحنا فى الثقيل الاول
عنده، وفى الثقيل الثانى عند اسحق وعند الناس، وعمل فيه علوية لحنا فى الرمل، حدثنى بذلك الحسين بن يحيى الكاتب، وقال هبة الله أيضا
أنكرت من هجرك ما أعرفوجرت فى الحبّ فما تنصف
لو كنت مثلى عارفا فى الهوىعاملتنى فيه بما تعرف
لكن تجاوزت طريق الهوىوضلّ فيه الهائم المدنف
وجدت بخط إبراهيم بن شاهين، أنشدنى العباس بن محمد لهبة الله ابن ابراهيم يرثى اباه:
الحمد لله على ما أرىأفقدنى الموت لذيذ الكرى
أصبح أعلى النّاس فى قدرهمنخفضا يعلو عليه الثّرى
قد وتر الموت الورى كلّهمبموت إبراهيم خير الورى
وقال وأحسبه فى غلامه
يا من أردت لنفسىفصار غدرا لغيرى
ومن ذخرت لنفسىفعاد ذخرا لضيرى
شقيت منك بشرّوما سعدت بخير
جرى لى الفأل يوم النّوى بأشأم طير ومن شعره
ومهفهف فضحت رشاقة قدّه الغصن الرّطيبا
وإذا بدا إشراقهللشّمس أسرعت المغيبا
يا قاسيا أدعو بعطفه فيأبى أن يجيبا
لو كان فعلك مثل وجهك لم أكن صبّا كئيبا
ومات هبة الله بن ابراهيم بن المهدى فى شهر ربيع الاول من سنة خمس وسبعين ومائتين، عن توبة حسنة ووصية جميلة، بعد أن فرق فى حياته مالا عظيما.
وحدّثنى محمد بن يحيى بن ثابت قال: لما اشتدت علة هبة الله بن ابراهيم جعل يقول:
إلى المهيمن ربّىأتوب من كلّ ذنب
رجوته عند موتىلدفع همّى وكربى
يا ربّ فاغفر ذنوبىفأنت غوثى وحسبى
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع